قراءة في كتاب الدين والتدين لـ عبدالجواد ياسين 

قراءة في كتاب الدين والتدين لعبدالجواد ياسين

 

 قراءة في كتاب الدين والتدين لـ عبدالجواد ياسين

في هذا الموضوع من صوت العقل نقدم لك قراءة في كتاب الدين والتدين عبدالجواد ياسين  من اعداد وتقديم أ / نجيب البكوشي 
يمكنك متابعة أ / نجيب البكوشي من خلال قناته علي اليوتيوب : أنا أفكّر إذن أنا موجود TV

من هو عبدالجواد ياسين

ولد المفكّر المصري عبد الجواد ياسين سنة 1954، وتخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1976. شغل منصب وكيلا للنيابة في القضاء المصري لبضع سنوات، قبل أن يقدّم استقالته، لأن القضاء المصري في تقديره، لا يطبّق شرع الله، وبدأ نص استقالته بآية قرآنية من سورة البقرة تقول “إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ”، البقرة: 159.

فكريا، كان عبد الجواد ياسين سلفيا متطرفا، على يمين جماعة الإخوان المسلمين، قريبا من التيار القطبي، نسبة إلى سيد قطب.

في سبتمبر سنة 1981، دخل عبدالجواد ياسين السجن مع الآلاف من الشباب المصريين، في حملة شنّها أنور السادات ضد كل المعارضين له من إسلاميين و يساريين وناصريين، ثم غادر السجن بعد سنة، ونشر كتابا، حمل عنوان: “مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة”، كتاب في نفس الخط الفكري و السياسي لكتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب. وقد وجد كتابه رواجا كبيرا داخل الجماعات الإسلامية المتطرفة.

لكن، لأنهم وحدهم الأغبياء لا يغيرون أراءهم، وللرجل قدر كبير من الذكاء والحكمة، جعله يبدأ في رحلة بحث عن الذات لسنوات عديدة. مسيرة فكرية كبرى، للتحرّر من العقل الفقهي السلفي، الذي كبّله في فترة شبابه، نهل خلالها من الفلسفة وعلم الإجتماع، وسوسيولوجيا الأديان، وعلم الأديان المقارن، أضاف فيها للمكتبة العربية أربعة كتب هامة، تعتبر من أهم الكتب التنويرية في الفكر الإسلامي في بداية هذا القرن،

أهم مؤلفات عبدالجواد ياسين

  • السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ. وصدر سنة 1998.
  • والسلطة في الإسلام – نقد النظرية السياسية. وصدر سنة 2009.
  • والدين والتدين: التشريع والنص والاجتماع. وصدر سنة 2014.
  •  وأخيرا وليس آخرا ، صدر له كتاب حمل عنوان، اللاهوت سنة 2019.

يميز عبد الجواد ياسين في كتاب الدين والتديّن بين أطروحتين رئيسيتين في تناول قضية الدين.

  • الأطروحة الأولى، وهي أطروحة العقل الإجتماعي، والتي كان لها أثر كبير في تصوّر عبد الجواد ياسين للدين، وتعتبر الدين منتجا اجتماعيا مطلقا.
  • والأطروحة الثانية، وهي أطروحة العقل الديني اللاهوتي ، والتي تعتبر ان الدين منتج الاهي مطلق، وهي الأطروحة التي نشأ فيها عبد الجواد ياسين نفسه.

بالنسبة للأطروحة الأولى، يعتبر أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية وعلم الاجتماع، من أهم رموزها، حيث اعتبر أن الدين ظاهرة اجتماعية كلية، وقسّم التفكير الإنساني إلى ثلاثة أطوار، سمّاها قانون الحالات الثلاث، وهي

  1.  أولا –الحالة اللاهوتية: وتمثّل المرحلة الطفولية لتفكير الإنسان، حيث، تخيّل الإنسان وجود قوى خفية محرّكة للظواهر الطبيعية.و أهم التعبيرات الثقافية لهذه المرحلة هي، السحر والأسطورة والدين.
  2. ثانيا–الحالة الميتافيزيقية: وهي حالة تفكير متطور شيئا ما عن التفكير السابق، حيث يوظف الإنسان قوى مجردة يتصور أنها تفسر الظواهر الطبيعية. و التعبيرة الثقافية الأساسية لهذه المرحلة هي الفلسفة.
  3. ثالثا–الحالة العلمية: وهي الحالة، التي تربط فيها المعرفة الإنسانية الأسباب بالمسببات، وتعمل على اكتشاف قوانين علاقات الأشياء عن طريق الملاحظة والتجربة الحسية، وبذلك يصبح موضوع العلم الإنساني في هذه المرحلة، هو البحث عن إجابة لسؤال كيف؟ وليس لسؤال لماذا؟

والتعبيرة الثقافية لهذه المرحلة هي العلم التجريبي.

اوغست كونت، يعتبر انه بوصول الإنسان إلى سن الرشد المعرفي، أي المرحلة العلمية، فإن كل أسئلته الوجودية التي كان يبحث عن إجابة لها في الدين سوف يتولى العلم الإجابة عنها.

اما الشخصية الفكرية الثانية الهامة في العقل الإجتماعي، فهي الفيلسوف الألماني فيورباخ، الذي انتهى في كتابه الشهير، جوهر المسيحية، الى حقيقة، ان الإنسان هو الذي خلق فكرة الدين، واعتبر ان الجوهر اللاهوتي للدين، هو جوهر مزيف، وان جوهره الحقيقي هو الجوهر الانتروبولوجي،

بالنسبة لفيورباخ،  العقائد الأساسية في المسيحية، هي رغبات القلب المحققة للإنسان، وجوهر المسيحية هو جوهر الشعور الإنساني، فالإنسان المسيحي عنده ليس إنسان الخطيئة، بل الإنسان الواقعي والتاريخي.

يضع فيورباخ ثالوثا مقدّسا في الإنسان، مقابل الثالوث المقدّس في اللاهوت المسيحي، وهو ثالوث العقل، والحب، والإرادة، ويعتبر ان كل الصفات التي يطلقها اللاهوت على الله، هي في جوهرها صفات الإنسان، والأنثروبولوجيا في رأيه ليست إلا  لاهوتا معكوسا، ويستنتج  ان الإنسان يعيش حالة اغتراب لانه خلق فكرة الاولوهية، ثمّ الزم نفسه بها، وحاول إسقاط ذاته على ذات أخرى متعالية، هي ذات الإله.

فيورباخ، سوف يكون له تأثيرا كبيرا على فيلوسفين هامين في فلسفة الدين في ما بعد ، هما فريديريك نيتشه، الذي أعلن عن وفاة الإله، وكارل ماركس الذي اعتبر ان الدين هو “زفرة المضطهدين”، ومظهر من مظاهر استلاب الإنسان،  تستخدمه الطبقات المهيمنة للسيطرة على الطبقات المسحوقة. الدين حسب كارل ماركس هو مجرد وعي مقلوب، يُستخدم كمسكّن لآلام الفقراء، مقاربة سوف يرفضها ماكس فيبر، الذي كان له تأثيرا كبيرا على فكر كاتبنا عبد الجواد ياسين، في صياغة مفهومي الدين والتدين،

ماكس فيبر، رغم إقراره بالجذور الإجتماعية للدين، ولدوره الوظيفي الهام في تبرير الواقع الإجتماعي للطبقات المهيمنة، ولعب دور تعويضي للطبقات المسحوقة، إلا أنه يعتبر ان الدين، يستطيع أن يلعب دورا تثويريا لتغيير المجتمع،

وأوضح في أطروحته «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، أنّ جزءاً من القيم لدى البروتستانت، أفرزت ميكانزمات النظام الرأسمالي، على نقيض الديانات العالمية الأخرى، مثل  الكاثوليكية والكنفوشيوسية والطاوية والهندوسية واليهودية والإسلام .

إعتبر ماكس فيبر،  أنّ المجتمعات الإسلامية، لا يمكن أن يتطور داخلها النظام الرأسمالي، لأنها تفتقد للعقلانية كشرط ضروري لنشأة ال رأسمالية. حسب ماكس فيبر، القيم الثقافية البروتستانتية، وخصوصاً الكالفينية، لعبت دورا هاما في ظهور الإقتصاد الرأسمالي.

سيكولوجية البروتستنت، القائمة على روح المخاطرة وتقديس العمل، سوف تكون هي نفسها سيكولوجية الطبقة البرجوازية الصاعدة التي سوف تبني النظام الرأسمالي.

بعد أن تعرضنا لأهم رموز أطروحة الأصل الإجتماعي للدين، والذين كان لهم تأثير كبير في مقاربة عبد الجواد ياسين، نمر لتناول الأطروحة اللاهوتية، والقائلة ان الدين منتج الاهي مطلق، ومفارق لوعي الناس.

يعتبر العقل الديني، في سياقه التوحيدي، أي في اليهودية والمسيحيّة والإسلام، ان الدين، والدين كلّه، من عقيدة، وطقوس، وشعائر وتشريعات، هو وحي الاهي، ولا شيء فيه، ينتمي الى الاجتماع البشري، اي انه أزلي، ومؤبد، ولا يخضع لقانون التطور، ولا يقبل التعدد.

هنا يطرح عبد الجواد ياسين سؤالا جوهريا في أطروحته؛

 من اين تأتي تعددية الديانات التوحيدية عند عبدالجواد ياسين

اذا كان الدين في السياق التوحيدي، مطلقا، ولا يخضع لقانون التطور والتعدد، من اين اتى تعدد الديانات التوحيدية؟

كيف صدرت عن ذات مطلقة واحدة، ثلاث ديانات توحيدية متنوعة، وهي اليهودية والمسيحيّة والإسلام، وداخل اليهودية ذاتها، نجد فرقا متعددة، وداخل المسيحية، نجد مذاهب وقراءات متعددة، وداخل الإسلام كذلك نجد مذاهب وفرقا متعددة.

كيف للواحد، والمطلق، والثابت، والمفارق، والقديم، و الأزلي أن يصدر عنه المتعدد، والنسبي، والمتغير، والمحايث، والحادث والفاني؟

للخروج من هذا المأزق، الذي وقع فيه العقل الللاهوتي، يفصل عبد الجواد ياسين، بين مفهومين مركزيين في أطروحته، وهما مفهومي الدين والتدين.

الدين؛ ويعرفه بأنه، المطلق الإلهي، القادم من خارج الاجتماع البشري، فهو مفارق، ومطلق، وأزلي ومؤبد.

وهو حصرا، الإيمان بالله والأخلاق الكلية.اما التدين، فهو ممارسة الإنسان لهذا المطلق في الواقع الإجتماعي، ويخضع  لقوانين الكثرة والتعدد والتطور.

يعتبر عبد الجواد ياسين، انه عبر التاريخ، تكونت حول جوهر الديانات التوحيدية الثلاث بنية تديّن ضخمة جدا، وهي إنتاج اجتماعي محض خاضع لقانون التطور، الحقها رجال الدين في المعابد والكنائس والمساجد، بمرتبة الدين المطلق، لإحكام سيطرتهم على المؤمنين بعقيدتهم.

لو تأملنا في الديانة اليهودية، وهي الديانة الأم للمسيحية والإسلام، والتي وجهت المسار العام للتدين التوحيدي، نلاحظ ان يهوه او إلوهيم، الاه بني إسرائيل كان في كل مرحلة تاريخية يقطع عهدا جديدا مع شعبه، فنجد،

أول عهد ابرمه مع نوح بعد الطوفان، وفيه شرائع نوح السبع.

ثم ثاني عهد سوف يكون مع ابراهيم وعلامته الختان. وثالث عهد سوف يكون مع يعقوب، ورابع عهد سوف يكون مع موسى، وفيه الوصايا العشر.

كذلك نلاحظ، ان الكتاب المقدس اليهودي، قد خضع لقانون التطور في تشكّله عبر الاف السنين، وهو بالمناسبة ليس التوراة فحسب، كما هو سائد خاصة في التراث الإسلامي، بل ان التوراة هي جزء منه، ويعرف كتاب اليهود المقدس بالتناخ وهي كلمة مركبة، من ثلاثة حروف(ت، ن، خ) ، وهذه الحروف هي رؤس كلمات، كل منها بداية لأسم مجموعة من الكتب أو الأسفار ، (ت) ترمز للتوراة، وهي الأسفار الخمسة الأولى، ونجد فيها الشريعة اليهودية، ثم، (ن) ، نفييم Nevieam وهو قسم الأنبياء، ثم، (خ) ختوفيم Khatouvim  وهو قسم الأدبيات.

هذا الكتاب المقدس عند اليهود، الذي عرف  ككل الكتب المقدّسة، مرحلة شفاهية قبل تدوينته وتم نقله عبر المرويات، ثمّ تم شرحه وتفسيره في عشرات الكتب الأخرى وبلغات مختلفة، العبرية، والارامية، و اليونانية، وفي ثقافات متنوعة، ومن أهم هذه الشروحات والتفاسير، نجد ، الترجوم، والمشنا، و التلمود وهو تلمودين، البابلي والأرشليمي، والهلاخا، والهجادة، والقبالا والمدراش…كل هذه الشروحات التي تمثل نمط التدين اليهودي، خضعت لقوانين التطور الإجتماعي، ولتأثيرات الثقافات التي كتبت فيها. لا أحد يستطيع  ان ينكر أن الديانة اليهودية، اخذت الكثير من افكارها من الديانات الوثنية السابقة لها، جل القصص والمواعظ الموجودة في الكتاب المقدس اليهودي والأناجيل والقرآن من بعده هي أساطير، مأخوذة من ثقافة بلاد الرافدين، خاصة بعد مرحلة السبي البابلي.

الإشكال ليس في ان تستعير الكتب المقدسة هذه الأساطير للموعظة والحكمة، بل في ان يجعل العقل اللاهوتي من الكتب المقدسة كتب تاريخ، وكل ما ورد فيها من أساطير حقائق مطلقة.

اليهودية، وعكس ما هو رائج، لم تتشكل كديانة الا بعد فترة السبي البابلي، بعد النبي موسى بمئات السنين، في البداية كان يطلق عليهم اسم العبرانيين ثم بني إسرائيل، نسبة إلى النبي يعقوب الذي حمل اسم إسرائيل، وكلمة يهود تعود فقط إلى رابع أبناء النبي يعقوب وهو يهودا.

مؤسسة المعبد اليهودي ألحقت كل هذه البناء التاريخي للتدين بالجوهر المطلق للدين اليهودي الذي يمكن حصره، في الوصايا العشر للنبي موسى.

السجلّ القهري لمؤسسة المعبد اليهودي على المؤمنين اليهود، سوف يؤدي إلى انشقاقات داخل الديانة اليهودية، واهم انشقاق سوف يؤدي إلى ظهور الديانة المسيحية، حوالي سنة ثلاثين للميلاد.

فيديو كتاب الدين والتدين عبدالجواد ياسين

 

 

يمكنك ايضا الإطلاع  علي :

كتاب الدين والتديّن لـ عبدالجواد ياسين ؛ قراءة انتروبولوجية في نشأة المسيحية والإسلام.

*الاصطدام بين المسيح والمعبد اليهودي، سوف يؤدي إلى صلبه، بأمر من الحاكم الروماني على مقاطعة يهودا، بيلاطس البُنطي، وبتحريض ومباركة من كهنة المعبد.

*شاؤول الطرسوسي، المعروف في التراث المسيحي ببولس الرسول، هو المؤسس الحقيقي لنمط التدين المسيحي.

*الشخصية الثانية، بعد بولس الرسول، التي سوف تجعل من المسيحية ديانة كونية هي دون منازع الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول.

*الديانة المسيحية نشات في تفاعل بين التراث اللاهوتي اليهودي والاجتماع السياسي والثقافي الروماني واليوناني.

 

*القرآن، النص المؤسس للحضارة العربية الإسلامية، سوف نعيد اكتشافه في العصر الحديث من خلال قراءات المستشرقين له، من كتاب “تاريخ القرآن” للمستسرق الألماني تيودور نولدكِه الذي صدر سنة 1860 وصولا إلى كتاب قراءة آرامية  سريانية للقرآن ﻟﻜﺮﻳﺴﺘﻮﻑ ﻟﻜﺴﻨﺒﺮﺝ الذي صدر سنة 2007، وقائمة كتب المستشرقين، التي درست القرآن، بين الكتابين طويلة جدا.

*النص القرآني هو الابن الشرعي لبيئته، نزل بلسان عربي ليتحدّى العرب في أرقى ما أنتجته ثقافتهم الشفاهية وهو الشعر، يتحدث إبن رشيق القيرواني عن مكانة الشعر عند العرب قبل الإسلام  فيقول”: “كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها”، هذا النص القرآني لو نزل في القرن السابع في أثينا مثلا  عوض عن مكة لكان بلسان يوناني  وربما كان نصا فلسفيا لان الفلسفة أرقى أشكال التفكير عند اليونان، ولتحدث عن سقراط عوض لقمان الحكيم.

*تضخم التدين ادى إلى تضخم الدين وجعله في تناقض مع نواميس الإجتماع البشري، وانه ليس الإقرار بتاريخية النص الديني هو الخطر على المقدّس بل استبعاد هذه التاريخية هو الخطر على المقدس لإنه سوف يجعله في تصادم مع قانون التطور.

وكما قال بن رشد

“الله لايمكن أن يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها”

 

فيديو :  قراءة انتروبولوجية في نشأة المسيحية والإسلام أ/ نجيب البكوشي

 

تحميل كتاب الدين والتدين عبدالجواد ياسين

يمكنك تحميل كتاب الدين والتدين عدالجواد ياسين  من خلال الضغط هنا