هيئة أداء الألحان لأبو نصر محمد الفرابي

هيئة أداء الألحان لأبو نصر محمد الفرابي

يقول الفيلسوف أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (ت 339هـ). فالهيئة الأولى، إنما تلتئم في الإنسان باجتماع شيئين: أحدهما أن يحصل في نفسه تخيل اللحن المصوغ، إما واحد وإما أكثر، والثاني أن يحصل في عضوه القارع استعداد لأن ينقل الذي به يقرع، أو ينتقل هو بنفسه من الجسم المقروع على الأمكنة التي منها تخرج نغم اللحن. والعضو القارع، إما يد الإنسان، وإما العضو الذي يدفع هواء التنفس من داخل الصدر إلى خارج الفم، واليد إما أن تقرع بنفسها أو بجسم آخر، وأما الذي يدفع هواء التنفس فهو إنما يقرع بالهواء الذي يدفعه.

والجسم المقروع باليد هو ما جانس العيدان والمعازف، وأما الذي يقرعه العضو الدافع لهواء التنفس فهو المزامير وإما تجويفات الحلوق وآلات التصويت الإنساني.

والأمكنة التي منها تخرج نغم اللحن، أما في الآلات الصناعية فإنها تحدد وتحصل بالصناعة، مثل الأمكنة التي تشد الدساتين في العيدان وما جانسها، وكذلك في المزامير. وأما في الحلوق، فإنه ينبغي أن يكون قد حصل استعداد لأن تخرج منها النغم التي ألف منها اللحن المقصود إيجاده محسوساً، وأما استعداد القارع لأن ينتقل من الجسم المقروع على الأمكنة التي منها تخرج نغم اللحن فإنما يحصل بالاعتياد، وأما استعداد الآلات الصناعية لأن تحصل فيها أمكنة النغم محدودة فبالصناعة، وأما استعدادات الحلوق لأن تخرج منها النغم بحسب ما يصير به اللحن المتخيل محسوساً فهو أيضاً بالاعتياد.

فقد تبّن أن هذه الهيئة مركبة من نطق أو فعل نطق، ومن هيئة أخرى في جسم آخر، وهذا التصور هو تصور اللحن مستعد لأن يظهر به المتخيل محسوساً، كما ذلك في تصورات الأشياء العملية، وهذا الصنف من التصور مقرون بهذا الاستعداد غير منفك منه، ولذلك إنما يحدث أكثر ذلك مع الإدمان على الفعل.

وظاهر أن ذلك إنما يحصل من خيالات من خيالاتها التي يمكن أن ينحط منها إلى المحسوسات عن قرب وبأول وهلة، وذلك أيضاً يتفاضل بحسب فطر المُتخيلين لها، وجل ذلك خيالات مقرونة بالأجسام التي منها تخرج نغم الألحان.

والألحان كثيراً ما تقترن إليها الأعراض الموجودة والمطيفة بتلك الأجسام، وليس إنما تقترن بها الأعراض القريبة فقط، لكن والأعراض البعيدة أيضاً، فلذلك كثيراً ما يعسر على من له هذه الهيئة أن يلحن دون أن تحضر الأجسام أو سائر الأشياء التي جرت عادته أن يلحن فیها أو معها أو عندها، كما يحكي من أمر الصائغ الذي ذكر أنه كان حسن الغناء ولم يكن يُمكنه أن يُغني إلا جالساً عند آلته وهو يعمل.

ومن له هذه الهيئة فقط، فإنما عنده إذاً من معرفة الألحان ومن تصورها، أن يتخيلها على الحال التي أعطيها مصوغة فقط، والمعرفة التي هي أفضل من هذه المعرفة في هذه الهيئة، هي أن يحصل له مع ذلك تمييز الجيد منها مما ليس بجيد، ويتخيل له تآخي النظم وتنافرها، ويتصور له مع ذلك كيف يُحرك أعضاءها القارعة تحريكاً يصير قرعها قرعاً تحدث به الألحان على ما هي متخيلة عنده، ويقتصر في حكمه عليها بأنها هكذا فقط، من غير أن يقف على أسباب شيء مما يتخيله منها، وهذه المعرفة هي أقصى ما يبلغه ذو الهيئة التي توجد الألحان محسوسة.

وهذه المعرفة تسمى معرفة: (أن الشيء) فإذا، إنما يحصل في هذه الهيئة من معرفة الألحان والنغم معرفة (أن الشيء) فقط، لا معرفة (لم الشيء).

هيئة صيغة الألحان

وأما الهيئة الثانية، فإنما تحصل إذا كانت للإنسان قدرة بفطرته أو بالعادة على تمييز ما بين الجيد والرديء من الألحان والملائم وغير الملائم والنغم المتلائمة والمتنافرة، وكيف ينبغي أن ترتب حتى يصير ترتيبها ترتيباً ملائماً للسمع وتكون له مع ذلك قدرة على ترتيبها حتى يأتلف منها لحن، فلذلك ينبغي أن يكون قوي الإحساس للمسموعات، وتكون قوته الغريزية التي بها يُحس الأصوات والتي بها يتخيل طبيعية للإنسان، حتى لا يستحسن أو يستلذ ما ليس هو طبيعياً للإنسان، ويطرح ما هو طبيعي له، كما يعرض ذلك لمن لم تكن قوة سمعه أو تخيله على المجرى الطبيعي للإنسان، وأما مقدار معرفته بها وتخيله لها، فالكافي في هذه الهيئة هو مقدار ما لم يبلغ بعد أن يُنطق عنه.

وكذلك، إن كانت هيئة نفسه هيئة يُمكنه بها أن يصوغ الألحان وإن كانت غير مرتسمة في نفسه قبل أن يُحسنها، إما من نفسه وإما من غيره، لكن كان بحيث إنما ترتسمُ في نفسه في الحين الذي يُحسها فيه، لم تنقص هذه الهيئة شيئاً.

وهؤلاء هيئاتهم هيئات إنما تحصل لهم بها الألحان مرتسمة في الحين الذي يقصدون فيه صياغتها متى ترنموا بها، أو أن تحضرهم آلة تستمع منها نغم، وقد يُحكى مثل هذا عن بعض من كان يصوغ الألحان فيما تقدم، وأحسبه معبداً المدني.

ومن هو أزيد تخيلاً من هذه الطبقة هو الذي به ترتسمُ في نفسه الألحان وما بها تأتلف من غير حاجة إلى أن يسندها إلى محسوس، بل تجول في ذهنه متخيلة متى شاء ذلك.

وهذه الهيئة تتفاضل تفاضلاً كثيراً بالأزيز والأنقص، فكثيراً ما تبلغ إلى أن لا يُحتاج في شيء من أمر الألحان عند صياغتها إلى أن تستند إلى محسوس أصيلاً، وكثيراً ما تنقص نقصاناً يسيراً حتى يحتاج في بعضها إلى استناد إلى محسوس، مثل ما يُحكى عن ابن سريج المكي، أنه كان يلبس عند صياغته اللحن ثوباً قد علق فيه جلاجل قريبة المطابقة من صوته، ثم يترنم باللحن الذي صاغه، ويُحرك أكتافه وجسمه على الإيقاع الذي يريده، حتى إذا ساوى في سمعه زمان ما بين النغم الذي يترنم بها زمان ما بين الحركات التي يتحركها، تمت حينئذ صياغة اللحن الذي قصده فيغني به بعد ذلك، وربما كانت أنقص من هذه حتى يُحتاج في كثير من أمور الألحان إلى أن تستند إلى محسوس، وربما صارت هذه الهيئة أزيد وأتم لطول الدربة حتى ينطق الإنسان عن جميع ما تصوره بها.

ومتى قسمت أطراف هذه الهيئة صارت ثلاثة: أحدها، ما يحتاج أبداً في تخيله إلى أن يستند إلى محسوس، والثاني، ما ليس يحتاج إلى أن يستند إلى محسوس أصلاً، غير أنه لم يبلغ بعد أن ينطق عنه، والثالث، ما بلغ من قوة تصوره إلى أن ينطق عن جميع ما يتخيل منها، مثلما كان بلغه إسحاق بن إبراهيم الموصلي.

والأجود أن يُجعل لكل واحدة من هذه الهيئات الثلاث التي تنقسم إليها الهيئة الثانية العملية اسم على حياله، والمتوسطات التي بين هذه الأطراف فليس يعسر أخذها، غير أن ما لم تبلغ بعد من قوتها إلى أن ينطق بها عما حصل له فيها من الخيالات، فهي أحرى أن تسمى قوة أو غريزة أو طبيعة أو ما جانس هذه الأسماء من أن تسمى صناعة، وما كان مبلغها من القوة مبلغاً يُمكن أن ينطق بها عما يتصوره، فتلك أحرى أن تسمى صناعة من أن تسمى قوة أو طبيعة.

المقارنة بين هيئتي الصيغة والأداء:

وظاهر أن الهيئة الأولى العلمية مباينة الذات للهيئة الثانية العملية، وذلك بين ليس يحتاج في تبيين افتراق ذاتيهما إلى قول، ولذلك كثيراً ما يفترقان في الموضوع ولا يوجد في آن واحد بعينه ولذلك قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: (الألحان نسج ينشئها الرجال ويجودها النساء).

والمعرفة التي في هذه الهيئة أيضاً هي معرفة الوجود على الحال التي هي بها قريبة من أن تحس أو التي بها يكن المؤدي أن يوجده محسوساً، وهذه أيضاً هي معرفة (أن الألحان) فقط، غير أن من بلغ مبلغ إسحاق فإنه قد يمكن أن يقف على أسباب لها غير ذاتية، وعلى أسباب ذاتية يسيرة، أو قريبة لأشياء منها يسيرة، بمقدار ما لا تصير الهيئة هيئة تنسب إلى أنها ملكة علم يوقف بها على (لم الشيء؟).

وكثيراً أيضاً ما تجتمع هاتان الهيئتان في واحد بعينه، مثل ما كان في أكثر المتقدمين من العرب من أهل تهامة والحجاز، مثل ابن سريج والغريض وجميلة ومعبد وأمثالهم، وكذلك في كثير ممن كان قبلهم في الفرس، مثل (فهليد) الذي كان في زمن كسري أبرويز بن هرمز ملك فارس، وفي كثير من متأخري العرب ومن في عدادهم من أهل العراق، مثل إسحاق ومخارق.

وبين أن مقدار المعرفة والتخيّلات التي تكمل بها الهيئة الأولى دون مقدار المعرفة والتخيلات التي تكمل بها الهيئة الثانية.

وأما، أي هاتين الصناعتين رئيسة الأخرى، فإن فيه شكوكاً؛ لأنه إن كانت الصنائع التي تطلب غاياتها لغايات صنائع أخر، إما لأن تكمل بها أو لأن تكون هي بأعيانها أو أجزاء منها أو لأن تكون سبلاً إليها، ترأسها تلك الأخر، وكانت غاية هيئة صياغة اللحن، غير أنه، ما الذي يمنع أن تكون غاية هيئة أداء اللحن هي بعينها غاية صنعة اللحن القصوى من غير أن تكون لهيئة الأداء غاية تخصها أصلاً بل تجعل غايتها هي غاية صنعة اللحن القصوى؟ على أن تكون هيئة الأداء بمنزلة الآلة لصنعة اللحن، فتصير هيئة الصيغة رئيسة هيئة الأداء، على مثال ما رأس النجارة آلاتها، وتكون حالها من هيئة الأداء حال رئيس البنائين من البنائين.

ولما كانت الغايات كما فصلت في مواضع أخر علي وجوه، فمنها (ما من أجله) ومنها (ما لأجله) ومنها (ما إليه) ومنها (ما له) وكان ما يقتفي نحوه في أو يحتذي حذوه إما في الوجود وإما في الأفعال وإما في اللواحق أحد هذه الأنحاء من أنحاء الغايات، وكان أحق الغايات بالرياسة (ما من أجله) وهو الذي يقتفى ويُحتذي حذوه، وكانت هيئة صيغة اللحن غاية هيئة الأداء، على هذه الجهة، لزم أن تكون هيئة الصيغة رئيسة هيئة الأداء بأحق الأشياء التي بها تكون الرياسة فإنه بهذه الجهة قد يكون الشيء الواحد بعينه فاعلاً للشيء وغايه له.

فأما أن هيئة الأداء هي من هيئة الصيغة بهذه الحال فهو بّين، من قبل أن المؤدي إنما يتبع في إعداد هيئة تخيله وهيئة العضو الذي به يؤدي، النحو الذي به يصير اللحن المعمول محسوساً للسامع، ويقتفي في إيجاده النغم، ولواحقه محسوسة حذو ما صاغته هيئة الصيغة، ومع ذلك فإن هيئة الأداء إن كان قد يلحقها رياسة ما بوجه من الوجوه، فإن رياسة هيئة الصيغة أكثر، فعلى كلتا الجهتين يلزم أن تكون هي الرئيسة.

فلنوقف القول على هذا ونجعل هيئة صيغة الألحان رئيسة هيئة أداء الألحان وأشد تقدّماً له بالطبع، وأما تقدّمها بالزمان فهو بيّن.

أصناف الألحان وغاياتها:

والألحان التي تصوغها إحدى هاتين وتُؤذيها الأخرى فهي بالجملة ثلاثة أصناف: صنف يكسب النفس لذاذة وأنقاً مسموعاً، ويقيدها أيضاً راحة من غير أن يكون له صنع في النفس أكثر من ذلك.

وصنف يفيد النفس مع ذلك تخيلات ويوقع فيها تصورات أشياء ويُحاكي أموراً يرسمها في النفس، وحالها في ذلك كالحال في التزاويق والتماثيل المحسوسة بالبصر، فإن منها ما يحصل عنها في البصر منظر أنيق فقط، ومنها ما يُحاكي مع ذلك هيئات أشياء وانفعالاتها وأفعالها وأخلاقها وشيمها، على ما كانت عليه التماثيل القديمة التي كانت العامة فيما خلا من الزمان يُعظمونها على أنها مثالات للآلهة التي كانوا يعبدونها مع الله أو من دون الله جل وتعالى، فإنها كانت مصورة على خلق وهيئات تنبئ عن الأفعال والشيم والإرادات التي كانوا ينسبونها إلى واحد منها مثل ما حكاه (جالينوس) الطبيب عن بعض الأصنام التي رآها، ومثل ما هو الآن في أقاصي بلاد الهند.

وصنف يكون عن انفعالات وعن أحوال للحيوان ملذة أو مؤذية، فإن الإنسان وسائر الحيوان المصوتين لها بالطباع في كل حال من أحوالها اللذيذة أو المؤذية نغم تستعملها، وهذه سوى الأصوات التي يستعملها الحيوان علامات يُؤذن بها بعضها بعضاً بأمر من الأمور، وأكثر هذه هي في الإنسان، وهي الأصوات التي يُركب الإنسان منها الألفاظ، وهذه خاصة بالإنسان.

والأصوات والنغم التي يستعملها الحيوان عند الانفعالات الحادثة فيها، ليست هي التي يستعملها الإنسان علامات في الدلالة على الأمور، أما تلك، فهي بمنزلة الأصوات والنغم التي تسمع من الحيوان والإنسان عند طربها، فإن في طباع الحيوانات والإنسان إذا طربت أن تصوت نحواً ما من التصويت، كذلك إذا لحقها خوف صوتت صنفاً آخر من التصويت، والإنسان إذا لحقه أسف أو رحمة أو غضب أو غير ذلك من الانفعالات صوت أنحاء من الأصوات مختلفة، وأمثال هذه الأصوات والنغم إذا استعملت ربما حصل عنها انفعال ما أو ازدياده، وربما زال الانفعال أو انتقص.

والسبب في الألحان التي تفيد اللذة هو السبب في سائر المحسوسات وفي سائر المدركات، فإن اللذة والأذى إنما تتبع كمالات الإدراك ولا كمالاته، وأما تلخيص أمر كمالات الإدراك ولا كمالاته وكيف يكون وبأي شيء يكون، فإنه فضل في هذا الموضع.

وأما ما يقوله كثير من آل (فيثاغورس) وقوم من الطبيعيين في أسباب هذه الأشياء فأكثره باطل والحق فيه نزر، وقد بينا نحن ذلك عندما فحصنا عن آرائهم.

والسبب في إتباعها بالطباع انفعالاً انفعالاً وحالاً حالاً من الأحوال والانفعالات الملذة أو المؤذية، هو السبب في إتباع أغراض سائر الأجسام الأحوال الموجودة فيها، وقد لخص ذلك في مواضع أخر.

ولما كانت تابعة للانفعالات وللأحوال أخذت بوجه ما غاية وبوجه ما كمالاً، على الجهة التي بها يمكن أن يقال في اللواحق أنها كمالات أو غايات، وبوجه علامات بمنزلة ما تؤخذ لوازم الأشياء علامات لها.

فبالوجه الذي تؤخذ به غايات صارت مزيدة للانفعالات أو منقصة لها، من قبل أن هذه الانفعالات شأنها أن تحدث ليبلغ بها مقصود ما، ولما كانت هذه إحدى ما يُظن أنها غايات الانفعالات صار الإنسان أو الحيوان المصوت كلما لم يبلغ أقصى مقصودة بالانفعال أقام هذه الغاية مقام مقصودة الأول، ورأى أنه قد بلغ غاية ما، فيزول به حينئذ ذلك الانفعال، إذ كان شأنه أن يزول إذا بلغ به أقصى المقصود؛ لأنه إنما طلب لينال به هذا فلما نيل به الأول أو ما قد أقامته النفس مقام الأول استغني عنه بذلك.

وبالوجه الذي به تؤخذ كمالات صارت محدثة لها أو مزيدة فيها، من قبل أن الكمالات لما كانت متشوقة بالطبع وكانت هذه كلما تزيد منها تزيد مما هو متشوق، وهذه إنما تحصل متى حصل الانفعال صارت كلما حصل عندنا منها شيء استدعي به أمثال ما حصل به ذلك الكمال، فتحدث به الانفعالات أو تنمي.

وبالوجه الذي تؤخذ علامات لها وللانفعالات التي شأنها أن تقترن بها صارت تحاكيها؛ لأنه لما كانت اللوازم والمقارنات على ما لخص في غير هذه الصناعة أحد ما يحاكى به الشيء، صارت الأصوات والنغم الحادثة عن انفعال انفعال وحال حال يمكن أن يحاكي بها تلك الانفعالات وتلك الأحوال.

فقد تبين أن أصناف الألحان ثلاثة: أحدها، الألحان الملذة، والثاني الألحان الانفعالية. والثالث: الألحان المخيلة، والألحان الطبيعية للإنسان ما فعلت في الإنسان أحد هذه، إما في الجميع وفي جميع الزمان، وإما في الأكثر وفي أكثر الزمان، وأكثرها فعلاً هي أكثر طبيعية.

والملذة منها تُستعمل للراحات، وفي كمال الراحات، والانفعالية تستعمل حيث يقصد بها حدوث الأفعال الكائنة عن انفعال، أو حصول الأخلاق التابعة لانفعال ما، والمخيلات تستعمل حيث تستعمل الأقاويل الشعرية وأنحاء من الخطبية، ومنافعها تابعة لمنافع الأقاويل الشعرية.

والصنف الأول نافع أيضاً في الانفعالات، والصنفان جميعاً نافعان في المخيلات؛ لأن كثيراً من التخاييل وانقيادات الذهن تابع للانفعالات على ما تبين في مواضع أخر، وأيضاً فإن الأقاويل متى قرنت بنغم ملذة كان إصغاء السامع لها أشد، وما اجتمعت فيه هذه الثلاثة فهو لا محالة أكمل وأفضل وأنفع.

وأفعال هذا الصنف جزء من أفعال الأقاويل الشعرية، فإذا قرنت بها كانت أفعالها أتم، ولذلك تصير أفعال الأقاويل الشعرية أكمل وأحرى أن يُنال بها المقصود نيلاً أسرع، فإذا أكمل الألحان وأفضلها وأنفعها ما اجتمعت فيه هذه كلها.

والألحان الكاملة إنما توجد بالتصويت الإنساني، وأما بعض أجزاء الكاملة فقد يسمع أيضاً في الآلات.

وهيئة الأداء صنفان: أحدهما: هيئة أداء الألحان الكاملة المسموعة بالتصويتات الإنسانية. والثاني: هيئة أداء الألحان المسموعة من الآلات الصناعية، وهذه الهيئة تنقسم بحسب أصناف الآلات، فمنها صناعة ضرب العيدان ومنها صناعة ضرب الطنابير، ثم ما سوى هذين من الآلات.

وتلك الأخرى تنقسم بحسب أصناف الأقاويل الشعرية التي تجعل النغم تابعة لها وبحسب المقصود بها، فمنها صناعة الغناء، ومنها صناعة النياحة والمراثى، ومنها صناعة قول القصائد والقراءة بالألحان، ومنها الحداء، وسائر ما جانس هذه، وليس يعسر الآن تحديد هذه وما أشبهها.

والألحان المسموعة في الآلات منها ما صيغت ليحاكي بها ما يُمكن محاكاته من الألحان الكاملة، أو لتجعل تكثيرات لها وافتتاحات ومقاطع واستراحات إليها في خلال المحاكاة، أو تكميلات لما قد يُمكن أن تعجز الحلوق عن استقصائه، ومنها ما صيغت صياغة تعسر بها مُحاكاة الألحان الكاملة أو لا يُمكن أصلاً أن تجعل لها معونة فيها، لكن سبيلها سبيل التزاوييق التي لم تجعل مُحاكاة لشيء بل صيغت صياغة لها منظر لذيذ فقط، وذلك بمنزلة الطرائق والدواشين الفارسية والخراسانية التي ليس يُمكن أن يغنى عليها.

وهذه لما كانت ناقصة وكان الذي لها من الاستكمال جزء للكمال التام ،صارت النفس إذا سمعت هذا الصنف وحده تشوقت إلى ورود سائر أجزاء الكمال معه، فإذا تردد ذلك عليها ولم ينضف إليه ما قد تشوقت إليه نبت عنه وتجافت ورأت مع ذلك أن ترديده فضل فتبرمت به، فلذلك ينبغي أن تستعمل هذه الأصناف ارتباطات للسمع ولليد أو تقدمات لأداء اللحن الكامل واستراحات عنه.

نشأة الألحان الغنائية:

والتي أحدثت الألحان هي فطر ما غريزية للإنسان، منها الهيئة الشعرية التي هي غريزة للإنسان ومركوزة فيه من أول كونه، ومنها الفطرة الحيوانية التي يُصوت بها عند حال حال من أحوالها اللذيذة أو المؤذية، ومنها محبة الإنسان الراحة بعقب التعب، أو أن لا يُحس بالتعب في أوقات الشغل، فإن الترنمات مما تشغل عن التعب في أوقات الأعمال فلا يُحس بها، ولذلك لا يُحس بالزمان الذي فيه فعل الشيء ولا يُضجر به ويُواظب عليه أكثر، فإن الإحساس بالزمان يتبعه تخيل التعب أكثر فيوهمُ الإحساس به، إذ كان التعب، إنما يلحق عن الحركة، والزمان لاحق لها، ثم كل واحد منهما يلحق الآخر، أعني الزمان والحركة، فإنه ليس ينفك واحد منهما عن الأخر.

وقد يُظن بالترنمات أنها قد تفعل أيضاً في بعض الحيوانات الأخر، وذلك مثل ما يعرض للجمال العربية عند الحداء، فهذه هي الفطر والغرائز التي أحدثت الألحان.

وأما كيف حدثت الصناعات العملية من صناعات الموسيقى، فإن التي حركت عليها حتى صارت صناعة هي تلك الفطر الغريزية التي ذكرناها، فبعض طلب بالترنمات الراحة واللذة وأن يُحس بالتعب أو بزمانه، وبعض طلب بها إنماء الأحوال والانفعالات وتزييدها أو إزالتها والسلو عنها وتنقيصها، وبعض قصد بها معونة الأقاويل في التخييل والتفهيم، فكانت هذه الترنمات والتلحينات والتنغيمات تنشأ عند كل واحد من هؤلاء قليلاً قليلاً وفي زمان بعد زمان، وفي قوم بعد قوم حتى تزايدت.

واتفق في خلال ذلك من الناس قوم قد كانت لهم قرائح وفطر تأتت لهم بها ترنمات في كل واحد من هذه المقصودات الثلاثة لم يتأت مثلها لغيرهم فداموا عليها حتى شهروا وعرفوا بها واحتذي حذوهم في مثل تلك الأحوال، فصار من يحتذي حذوهم على إحدى حالتين:

إما أن لم يتفق فطر يقوون بها على إنشاء أمثال تلك الترنمات، فمن كان منهم هكذا، حصلت له هيئة ما للأداء فقط.

وإما أن يكونوا قد اتفقت لهم فطر تأتي لهم بها ما تأتي لمن احتذوا به، فزيدوها بقرائحهم واحتذى بهم فيها غيرهم ممن أتى بعدهم، ثم لم يزل هذا التداول من بعض إلى بعض في الدهور.

والتقت في خلال ذلك أغراض أهل المقاصد المختلفة الثلاثة، فإن الذي طلب الراحة واللذة، لما وجدها تنال بالنغم أنفسها وبالأشياء التي تحاكيها وبما تخيله الأقاويل التي تقرن بها، وبالتي تزيد الانفعلات التي شأنها أن تشوق وتنقص الانفعلات التي شأنها أن تتجنب، رأى أنه إذا جمع إلى النغم والألحان التي تنيله مطلوبه سائر هذه الأشياء، كان أتم له في مقصوده فجعلها ألحاناً إنسانية مقترنة بأقاويل.

ولما كان من قصد تزييد بعض الانفعالات أو تنقيص بعضها، قد يجد أيضاً مطلوبه ينال بالأشياء التي تكسبه اللذاذة، وبما تخيله له النغم والأقاويل فيكون ما يناله منه أتمّ وأكمل، صيرها أيضاً ألحاناً إنسانية مقترنة بالأقاويل.

وكذلك من قصد التخييل ومعونة الأقاويل في التنغيم، لما رأى تزييد بعض الانفعلات وتنقيص بعضها يُعين على التخيل وعلى الإصغاء إلى ما يقال، وكذلك النغم الملذة لما كانت قرنت بالأقاويل أصغى لها السامع إصغاء أجود ودام على استعمالها أكثر من غير ملال ولا ضجر، قرنها بالأقاويل فصار بها إلى مطلوبه، كما يُحكى عن علقمة بن عبدة الشاعر حيث صار إلى الحرث بن أبي شمر ملك غسان في حاجته، فلم يُصغ لقوله حتى لحن شعره وغني به بين يديه فقضي حينئذ حاجته.

ولما اجتمعت هذه الأغراض كلها ودعت الأحوال الحادثة على الناس إلى استعمال كل واحد منها في موضعه، بعضها حين الأفراح وبعضها حين الأحزان وبعضها عند السلو منها وبعضها عند المحاورات بالأقاويل المعمولة، احتاج المستعملون لها إلى تأمل شيء مما عملوه وأخذوه عن غيرهم عند حال حال، ليبلغوا به المقصود بلوغاً أكمل ولاسيما إذا كثر الناس وكثرت الأحوال الحادثة فكثر لذلك المتأملون لها، ولاسيما حيث كثر طلابها وبذلت عليها الرغائب من الأموال والكرامات وكثر المتنافسون فيها والمتباهون بها، فلم يزل يُنقص الأخر ما زيده الأول أو يزيد الأخر ما نقصه الأول إلى أن حصلت كاملة أو قريبة من الكمال.

—————————–

كتاب الموسيقي الكبير ص 54 – 74

تأليف الفيلسوف أبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي

المتوفى سنة 339ه

تحقيق وشرح غطاس عبد الملك خشبة.

مراجعة وتصوير دكتور محمود أحمد الحفني

دار الكتاب العربي للطباعة والنشر- القاهرة