المسؤولية والجزاء في فلسفة الفارابي الأخلاقية

 

المسؤولية والجزاء في فلسفة الفا رابي الأخلاقية بين النظرية والتطبيق

د. فيصل صلاح الرشيدي [(*)] تمهيد : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله ومن والاه إلى يوم الدين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أما بعد: فقد توجهت بقراءتي هذه إلى أحد أعلام تراث الفكر الإسلامي بحثا عن شخصية تكون علامة بارزة في عصرها، وهو المعلم الثاني (الفارابي). وهذا الفيلسوف ترك بصمات واضحة في مجال الفلسفة الأخلاقية ونقوم بإبراز حقيقته في هذا البحث للاستفادة منه في حياتنا العملية. ولقد كانت هناك دوافع كثيرة متنوعة دفعتني لاختيار هذا الموضوع وهو (المسؤولية والجزاء في فلسفة الفارابي الأخلاقية) لأن هذا البحث يساعد على إحياء الدراسات الأخلاقية المشرقة؛ لكي تكون نبراسا لنا في حياتنا اليومية وفي معاملة الآخرين.

ويفسر لنا الفارابي سمات وخصائص الفعل الإنساني الذي يؤدي إلى الأخلاق الحميدة والقدوة الحسنة، من خلال دعائم الالتزام الداخلي النابع من الإيمان وضمير الإنسان؛ لكي يقوم الإنسان بالتمسك بالفضائل الأخلاقية، ويبتعد عن الرذائل، فأما أهم الفضائل فهي العلم، الخشوع، الصبر والفضائل النظرية، والفكرية- والخلقية والعملية.

وأما الرذائل: فمنها رذيلة الحقد، والحسد، ورذيلة الجبن، ورذيلة المخادعات والغرور.

منهج البحث

وسنعتمد في عرض هذا البحث على عدة أنواع من المناهج:

  • المنهج التاريخي: وسوف أتتبع من خلال المنهج أصل المشكلة ونشأتها وتطورها، من أجل وضع الحلول المناسبة للمساوئ الأخلاقية المنتشرة وهذا المنهج يحدد الفترة الزمنية لمولد ووفاة الفارابي.
  • المنهج المقارن: وسوف أحاول من خلاله أن أبين أهم أوجه الاختلاف بين الفضائل والرذائل، والأفعال الخيرة والأفعال الشريرة، وأيضا الحسن والقبيح، والفرق بين الإلزام الخلقي والالتزام الخلقي.
  • المنهج النقدي: وسأعرض من خلاله النقد الذي وجهه الفارابي إلى أسباب انتشار الأعمال الشريرة في مجتمعه، لكي يكون مجتمعا مثاليا قائما على الفضائل الأخلاقية.

عناصر البحث :

  • النقطة الأولى: تتناول أهمية الفعل الإنساني في الدراسات الإنسانية والأخلاقية وعلاقته بالمسؤولية والجزاء.
  • النقطة الثانية: تبين حقيقة الفعل الإنساني، وارتباطه بالتكليف والقدرة العقلية عند الإنسان، ويسميها الفارابي القوة الفكرية.
  • النقطة الثالثة: أحكام حقيقة الفعل الإنساني وما ينتج عنه من جزاء دنيوي وأخروي.
  • النقطة الرابعة: دعائم الفعل الإنساني وهو الإلزام الخلقي.
  • النقطة الخامسة: مصادر الالتزام الخلقي ومن أهمها الفطرة السليمة عند الإنسان.
  • النقطة السادسة: وهي أحكام الفطرة الإنسانية.
  • النقطة السابعة: أنواع الفضائل والرذائل من خلال المسؤولية والجزاء في فلسفة الفارابي.

أولا: حياة الفارابي ونشأته

(محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي) الفيلسوف من الفاراب إحدى مدن الترك فيما وراء النهر فيلسوف المسلمين غير مدافع دخل العراق واستوطن بغداد وقرأ بها الحكمة على يد (يوحنا) ([1]).

والفارابي هو الذي أسس أركان الفلسفة”؛ لذلك يقول د. أحمد فؤاد الأهوني “أرسى الكندي دعائم الفلسفة الإسلامية وجاء أبو نصر الفارابي (259-339 ه 950-870 م) فوطد أركانها وثبت بنيانها، وسماه العرب (المعلم الثاني) باعتبار أرسطو المعلم الأول.

وهو فيلسوف إسلامي مع أن أصله تركي ولد بقرية بوسينج من أعمال فاراب التي ينسب إليها، وتعلم العربية إلى جانب التركية والفارسية، ولكنه اتخذ اللغة العربية لسانا، كما اتخذ الإسلام دينا” ([2]).

مكانته العلمية

يقول عنه البيهقي “وهو الملقب بالمعلم الثاني ولم يكن أفضل منه في حكماء الإسلام قبله وقيل الحكماء أربعة اثنان قبل الإسلام وهما أرسطو وأبو قراط واثنان في الإسلام وهما أبو نصر وأبو علي، وكان بين وفاة أبي نصر وولادة أبي علي ثلاثون سنة” ([3]).

ويقول عنه ابن النديم في كتاب الفهرست “أبو نصر من المتقدمين في صناعة المنطق والعلوم القديمة” ([4]).

وقال عنه الشيخ الرئيس ابن سينا “أيست من معرفة غرض ما بعد الطبيعة حتى ظفرت بكتاب لأبي نصر في هذا المعنى فشكرت الله تعالى على ذلك وصمت وتصدقت بما كان عندي” ([5]). ويقول عنه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني “وظلت تأليفه النبراس الذي يضيء لنا الطريق” ([6])

مؤلفات الفارابي 

ومن أهم مؤلفات الفارابي الفلسفية والأخلاقية والمنطقية التي ذكرها البيهقي، فيقول: “وله تصانيف كثيرة أغلبها موجودة في الشام وما وجد منها بخراسان المختصر الأول في المنطق، آراء أهل المدينة الفاضلة، التعليقات، وشرح كتب أرسطو وشرح أوقليدس في الموسيقى أربعة مجلدات، وكتاب النفس” ([7])

وله مؤلفات أيضا في علم المنطق متنوعة ومتعددة ذكرها ابن النديم في كتابه الفهرست حيث يقول “وله من الكتب أنالوطيقا الثاني، وكتاب البرهان، وكتاب الأخلاق لأرسطو، وكتاب الخطابة، أروطويقا وكتاب القياس قاطيغورياس” ([8]).

وفاة الفارابي

يقول بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي (أبو نصر محمد بن طرخان توفي سنة 339 ه- 950 م) ([9])

ثانيا: أهمية الفعل الإنساني في الدراسات الإنسانية عند الفارابي

الفعل الإنساني هو محور الدراسات الإنسانية؛ لأن الإنسان هو جوهر الوجود، وهو مكرم بالعقل من عند الله سبحانه وتعالى.

يقول الفارابي: “العلم الإنساني: هو الذي يفحص عند الغرض الذي لأجله، كون الإنسان، وهو الكمال الذي يلزم أن يبلغه الإنسان، وماذا وكيف هو؟ هو النظر للإنسان بالإرادة ([10]) ولسائر الأشياء الأخرى، فيفرد للأشياء الكائنة عن الإرادة نظر وفحص وعلم” ([11]).

ويقول الفارابي أيضا عن الفعل الإنساني “وهو يشتمل على الموجودات التي وجودها بإرادة الإنسان أصلا، وهي الأجسام المركبة من الصور والمواد والأغراض اللاحقة لها من جهة الصور والمواد، ومنها العلم الإرادي وهو يشتمل على الموجودات الكائنة بإرادة الإنسان واختياره، وهي الفضائل والرذائل” ([12]).

ثالثا: أحكام حقيقة الفعل الإنساني ومسؤولية الإنسان تجاه الخير والشر عند الفارابي

يعرف لنا الفارابي معنى الفعل الإنساني المرتبط بالأخلاق وحقيقته، وأن فعل الإنسان مرتبط بقدرته على الإدراك والفهم، والتمييز بين الخير والشر والفضائل والرذائل من خلال القوة الفكرية التي يمتلكها الإنسان.

فيقول: “وأكمل ما تكون القوة الفكرية متى كانت إنما تستنبط أنفع الأشياء في تحصيلها، وربما كانت خيرا في الحقيقة، وربما كانت شرا، وربما كانت خيرات مظنونة أنها خيرات، فإذا كانت الأشياء التي تستنبط هي الجميلة والحسنات، وإذا كانت الغايات شرورا كانت الأشياء التي تستنبط بالقوة الفكرية شرورا أيضا وأمورا قبيحة وسيئات” ([13]).

وفي مكان آخر يشرح الفارابي أهمية العقل بالنسبة لحقيقة الفعل الإنساني وعملية الإدراك حيث يقول: “قوم من الناس يسمون المتعقلين حكماء والحكمة أفضل علم لأفضل الموجودات، والتعقل إذا كان إنما يدرك به الأشياء الإنسانية، فليس ينبغي أن يكون حكمة اللهم إلا أن يكون الإنسان هو أفضل ما في العالم، وأفضل الموجودات، فإذا لم يكن الإنسان كذلك، فالتعقل ليس بحكمة إلا بالاستعارة والتشبيه” ([14]).

ومن الجدير بالذكر أن الفارابي يميز بين حقيقة الفعل الإنساني وبين غيره من الكائنات الحية؛” والسبب في ذلك أن الإنسان مميز بنعمة العقل عند الله سبحانه وتعالى فيقول: “الذهن القدرة على مصادفة صواب الحكم فيما يتنازع فيه من الآراء المعتاصة والقوة على تصحيحه، فهو جودة استنباط لما هو صحيح من الآراء، فهو إذن نوع من أنواع التعقل” ([15]).

والإنسان لا يستطيع أن يحقق حقيقة الفعل الإنساني، إلا إذا كان ذا جودة في الرأي؛ لكي يختار الأفعال الحسنة والفضائل الخلقية، حيث يقول الفارابي: “جودة الرأي هو أن يكون الإنسان ذا رأي، أو جيد الرأي، هو أن يكون الإنسان فاضلا خيرا ([16]) في أفعاله، ثم يكون قد جربت أقاويله وآراؤه ومشوراته مرارا كثيرة، فوجدت سديدة مستقيمة تنتهي بالإنسان إذا استعملها إلى عواقب محمودة، ويكون قد صار لذلك مقبول القول” ([17]).

رابعا: أحكام حقيقه الفعل الإنساني عند الفارابي وعلاقته بالمسؤولية والجزاء

فيما سبق تبين لنا أن الفارابي قام بشرح معنى وتعريف الفعل الإنساني وحقيقته، ثم بعد ذلك يبين لنا أحكام حقيقة الفعل الإنساني، لأن هناك أمورا فعلية لا يمكن للإنسان أن يوكل فيها أحدا غيره، لأنها نابعة من الإلزام الداخلي وهو الضمير المرتبط بنية الإنسان حيث يقول “ما لا تحصل مصلحته إلا للمباشر فلا يجوز التوكيل فيها لفوات المصلحة بالتوكيل كالعبادة، والمؤمن من تكون طاعته لمولاه، وبغضه لدنياه، وزاده تقواه، وعلامة ذكراه” ([18]).

ومن أهم الأحكام الحقيقية للفعل الإنساني عند الفارابي التي لا يجوز التوكيل فيها فضيلة الخشوع، لأنها من أهم أركان العبادة فيقول ([19]) “وأما الخشوع فهو إن يقال أن إلها يدير العالم، وإن الروحانيين مديرون مشرفون على جميع الأفعال، واستعمال تعظيم الإله والصلوات والتسابيح والتقاديس، وإن الإنسان إذا فعل هذه وترك كثيرا من الخيرات المتشوقة في هذه الحياة، وواظب على ذلك، عوض عن ذلك وكوفئ بخيرات عظيمة” ([20]).

خامسا: دعائم الفعل الإنساني عند الفارابي وارتباطه بالمسؤولية والجزاء

بعد أن تحدث الفارابي عن الأحكام الحقيقية التي ترتبط بالفعل الإنساني وهي أن هناك أفعالا لا تكون إلا للإنسان نفسه فقط، نظرا لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38] و(إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: 16].

والفارابي باعتباره فيلسوفا إسلاميا كان متسقا في أفكاره بأسلوب بياني خال من التعقيد يوضح أن لنا دعائم الفعل الإنساني، مقوماته وأسس قيام الفعل الإنساني وهي ما يلي:

الإلزام ([21])

ينظر الفارابي إلى الفعل الإنساني من منظور إسلامي، وأول هذه الدعائم الأساسية للإلزام هو ما يطلق عليه لفظ تكليف، لأن التكليف متعلق بالفعل الإنساني سواء في معرفة الفضائل والتمسك بها أو معرفة الرذائل وتجنبها حيث يقول “وصناعة الفقه ([22]) هي التي بها يقتدر الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء ما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده عن الأشياء، التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن يتحدى تصحيح ذلك على حسب غرض واضع الشريعة بالملة التي شرعها في الأمة” ([23]).

ومن شروط التكليف بالإلزام الخلقي، أن يكون الإنسان عاقلا فيقول “هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات” ([24]) ويقول الفارابي أيضا عن الإلزام الخلقي “فإنه يلزم ضرورة أن يكون من يستعملهم من أهل الفضائل وأهل الصنائع في تأديب الأمم وأهل المدن طائفتين أوليتين:

طائفة يستعملهم في تأديب من يتأدب منهم طوعا.

وطائفة يستعملهم في تأديب من سبيله أن يؤدب كرها وذلك على مثال ما يوجد الأمر عليه في أرباب المنازل والقوام بالصبيان والأحداث” ([25]).

شروط التكليف لدعائم الفعل الإنساني (الإلزام):

يحدد الفارابي شروطا للمكلف من أهمها القدرة، ومعرفة الفعل قبل وقوعه، وعلم المكلف لابد أن يكون من كسبه وقدرته وإرادته، ويحقق له السعادة حيث يقول “ولما كان شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار والإرادة وكذلك الشرور، إنما تكون بالإرادة والاختيار” ([26]). ويقول أيضا “أن يكون جيد ([27]) الفهم والتصور للشيء ولشيء الذات” ([28]).

سادسا: مصادر الالتزام  الخلقي عند الفارابي

من أهم مصادر الالتزام الخلقي عند الفارابي وهي ما يلي:

الفطرة ([30])

يستدل الفارابي على أهمية الفطرة لقيمتها في مصادر الإلزام الأخلاقي من خلال الأدلة النقلية حيث يقول قال تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]، (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) [البقرة: 213] ([31]) وخلق الفعل والاستعداد الفطري كامن داخل كل نفس بشرية لأنه المرشد للإنسان في اختيار أفعاله والتمييز بين الخير والشر والحق والباطل فيقول “والفطرة السليمة في اصطلاح الفلاسفة: استعداد لإصابة الحكم، والتمييز بين الحق والباطل” ([32]).

أحكام الفطرة الإنسانية عند الفارابي

نظرا لأهمية الفطرة الإنسانية في مصادر الالتزام، نجد أن الفارابي يفصل القول في الفطرة وأحكامها، لأنها هي التي تميز بين طبائع الإنسان لاختيار أفعاله، سواء من ناحية الخير أو الشر حيث يقول “لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول مرة بالطبع ذا فضيلة ولا رذيلة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع طائعا ولا كاتبا ولكن يمكن أن يفطر بالطبع معدا نحو أفعال فضيلة أو رذيلة بأن تكون أفعال تلك أسهل عليه من أفعال غيرها” ([33]).

الفطرة لا بد أن تكون مرتبطة بالتكليف والطباع السليمة لكي يكون الإنسان مسئولا عن أفعاله وسلوكه فيقول “وأن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطا فيما ينبغي أن يسعى له بإنسان أو ناس غيره” ([34]).

والفطرة لها أحكام مهمة وهي الاستعداد لتقبل الفضيلة أو الرذيلة حيث يقول الفارابي “عسير بل غير ممكن أن يوجد إنسان مفطورا على استعداد نحو أفعال ثم لا يمكنه أن يفعل أضداد تلك الأفعال، لكن أي إنسان فطر على هيئة واستعداد نحو أفعال فضيلة أو رذيلة، فإنه قادر على أن يخالف ويعمل الفعل الكائن عن ضد ذلك الاستعداد، لكن يعسر عليه ذلك” ([35]).

ومن الجدير بالذكر أن الفارابي جعل الالتزام بالفضائل الأخلاقية أمرا ضروريا ومهما في من يتسامى إلى تعلم الفلسفة لذلك يقول “ينبغي لمن أراد الشرع في علم الحكمة أن يكون شابا صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار، وقد تعلم القرآن واللغة وعلم الشرع أولا ويكون حنينا عفيفا متحرجا صدوقا، معرضا عن الفسق والفجور والغدر والخيانة والمكر والحيلة ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه ويكون مقبلا على آداب السنة ويكون معظما للعلم والعلماء ولم يكن عنده لشيء قدر إلا العلم وأهله ولا يتخذ علمه من جملة الحرف والمكاسب وآلة الكسب والأموال ومن كان بخلاف ذلك حكيم زور ونبهرج، فكذلك من كانت أخلاقه خلاف من ما ذكرنا لا يعد من جملة الحكماء” ([36])

ويقول الفارابي أيضا في كتابه التنبيه على سبيل السعادة على كل من يريد تعلم الفلسفة لابد أن يلتزم بالصبر والصدق والعدل وعفة النفس ومحبا للخير حيث يقول يجب أن يكون صبورا على الكد الذي يناله في التعليم- بالطبع- محبا للصدق وأهله والعدل وأهله غير جموح ولا لجوج فيما يهواه، وأن يكون غير شره على المأكول والمشروب، وأن يكون كبير النفس عما يشين عند الناس، وأن يكون ورعا سهل الانقياد للخير والعدل عسر الانقياد للشر والجور، وأن يكون مع ذلك متمسكا بالفضائل ([37]).

مما سبق يتبين لنا أن الفارابي يحدد شروطا أخلاقية لمن يريد أن يطلب الفلسفة ومعنى ذلك أنه كان يستخدم المنهج الأخلاقي من خلال أحكام الفطرة الإنسانية باعتبارها مصدرا من أهم مصادر الخير والشر والفضيلة والرذيلة.

سابعا: أنواع الفضائل والرذائل المترتبة على المسؤولية الجزاء عند الفارابي

فيما مضى يتضح لنا أن الفارابي قد تحدث عن مفهوم الضمير الخلقي من خلال الإلزام والالتزام الأخلاقي، وبين لنا أن الضمير الخلقي هو الحاسة الفطرية التي تفرق بين الخير والشر، وأنه القوة الفطرية المدركة المودعة في باطن كل فرد والضمير الخلقي هو أيضا القوة التي تعد المرجع لبيان الخير والشرا لا والحسن والقبيح. ومن الجدير بالذكر نجد أن الفارابي حدد لنا سمات وخصائص الضمير الإنساني من اجل دعائم الفعل الإنساني فمن أهم هذه الخصائص أن الضمير هو قوة من قوى النفس البشرية المركبة من عناصر عقلية وإرادية ووجدانية في وحدة متكاملة وأن الضمير يتأثر بعوامل التربية والبيئة.

ونلاحظ أن الفارابي استطاع أن يحدد لنا مصادر الإلزام الخلقي من خلال مؤلفاته الخاصة فيقول إن الإلزام الخلقي هو الذي يساعد على قيام وبناء الفعل الأخلاقي. ومن أهم مصادر الإلزام الخلقي عنده وهي العادات والتقاليد والأعراف؛ لأن العرف ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول: ومن مصادر الإلزام الخلقي عنده القوانين الوضعية للمجتمع وهذه القوانين عن مجموعة من القواعد تنظم العلاقات الاجتماعية مثل القانون الديني والقانون الخلقي، والقانون الطبيعي.

ومن أهم مصادر الإلزام الخلقي عند الفارابي العقل والضمير الإنساني وما ينتج عنهما من قواعد ملزمة للسلوك البشري للتمييز بين الخير والشر والفضائل والرذائل لذلك نجد الفارابي يستخدم المنهج المقارن في دراسة الفضائل والرذائل حيث يقول أولا عن الفضائل: “الفضيلة الإنسانية: هي التي متى استعملها صاحبها على ما أوجبه الناموس كانت فضيلة إلهية” ([38]).

وهذا المعنى يفيد أهمية الفضيلة الإنسانية المتميز بها الإنسان، لأنه مكلف بالعقل فيجعله يحترم القوانين والنواميس المتبعة في المجتمع الإنساني أي أتباع الإلزام الأخلاقي من خلال المجتمع.

وهناك الفضيلة الفكرية وهي المستخدمة في قيام الرئاسة والدولة: ويقول الفارابي عنها “هي الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها ما هو أنفع وأجمل في الغايات المشتركة عند الوارد والمشترك للأمم أو لأمة أو لمدينة فيما كان منها لا يستبدل إلا في مدد طويلة” ([39]).

ولكي يفسر لنا الفارابي أهمية الفضائل في بناء المجتمعات الإنسانية، وهذه الفضائل جاءت من خلال الإلزام والالتزام الأخلاقي عند الإنسان حيث يقول: لا الأشياء الإنسانية إذا حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى والسعادة القصوى في الحياة الأخرى، أربعة أجناس:

  • الفضائل النظرية.
  • الفضائل الفكرية.
  • الفضائل الخلقية.
  • الفضائل العملية.

والفضائل النظرية هي العلوم والغرض الأقصى منها تحصيل الموجودات ([40]).

فيما مضى من خلال دراسة الفارابي للفضائل بوجه عام فيقول عنها:

“الفضائل هيئات نفسانية بها يفعل الإنسان الخيرات والأفعال الجميلة” ([41])

ويقول أيضا الفارابي عن قيام الفضائل الأخلاقية عن طريق القوة النفسانية “القوة النفسانية المفطورة في الإنسان التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون سواه من الحيوان وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصناعة وبها تكون بها يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال” ([42])

أهم الرذائل عند الفارابي:

  • رذيلة الجبن: يقول عنها الفارابي والزيادة في الإقدام عليها تكسب التهور والنقصان في الإقدام يكسب الجبن وهو خلق قبيح ([43]).
  • رذيلة الحمق: ورذيلة الحمق مهمة عند الفارابي؛ “لذلك يقول عنها: “الحمق هو أن يكون تخيله للمشهورات سليما وعنده تجارب محفوظة… فيكون فعله ومشورته على حسب ما تخيل له رويته الفاسدة، فلذلك يكون الأحمق في أول ما تشاهده صورته صورة عاقل، ويكون مقصده صحيحا، وكثيرا ما توقعه رويته في الشر” ([44])
  • رذيلة التمويهات والمخادعات والغرور: وهي موجودة في المدينة الضالة فيقول عنها الفارابي “ويكون رئيسها الأول ممن أوهمها أنه يوحى إليه من غيره كذلك ويكون قد استعمل في ذلك التمويهات والمخادعات والغرور” ([45])
  • رذيلة التمويه في الوصل إلى الحق: يقول الفارابي عن السوفسطائية “وأما السوفسطائية فهي الصناعة المشتملة على الموجودات من حيث يموه ويغالط بها، ويصور الحق منها بصورة الباطل والباطل بصورة الحق، ومبلغها في الحق الصد عنه” ([46])

إذن من خلال المقارنة بين الفضائل والرذائل يتبن أن الحكم الخلقي مرتبط بالنية: لأن النوايا هي مناط الحكم الخلقي، فمتى حسنت النية وكان القصد جدا كان العمل خيرا مهما كانت نتيجته، وإذا كانت نية عكس ذلك كانت النتيجة رذيلة.

صلى الله علية وسلم فيما مضى يتبين لنا من خلال شرح الفارابي للفضائل والرذائل نجد أتهما ينتجان من خلال المسؤولية والجزاء

المسؤولية والجزاء في فلسفة الفارابي

  • وهكذا قد تبين لنا بعد استعراض آراء الفارابي في الفعل الإنساني أنه جاء متسقا تماما مع تعاليم الشريعة الإسلامية، وكانت نظرية الفارابي في الفعل الإنساني تهدف إلى تهذيب النفوس بالأخلاق والواجبات.
  • من حقائق الفعل الإنساني عند الفارابي الحرية والاختيار وكونه عالما قادرا.
  • من دعائم الفعل الإنساني عند الفارابي الإلزام ويسمى واجبا ومن شروطه التعليق أو يجب على المكلف طاعة الله بفعله حتى يصل إلى الأخلاق الحميدة.
  • تناول الفارابي مصدر الإلزام وهي الفطرة ويستدل بالأدلة النقلية على ذلك.
  • من دراسة الفارابي لمصدر الإلزام يستنتج المسئولية الأخلاقية وتصور حرية الإرادة، وبين علاقة الضمير بالمسئولية.
  • من شروط الفطرة عند الفارابي لا بد أن تكون مرتبطة بالتكليف، ومرتبطة فيما ينبغي أن يسعى إليه الإنسان أي النظر إلى الأفضل والأحسن، واختيار الأفعال الجميلة الطيبة.
  • الفطرة السليمة هي الاستعداد لإصابة الحق والتمييز بين الخير والشر.
  • وقد اتجهت عناية الفارابي إلى السياسة والأخلاق فألف المدينة الفاضلة وبضع رسائل أخرى منها السعادة، والسياسات المدنية، والتنبيه على سبل السعادة، وجملة رأيه في صلاح الدولة أنها يجب أن تقوم على الأخلاق الفاضلة.
  • الفضائل عنده أربعة أنواع: نظرية وفكرية وخلقية وعملية والرذائل عنده مثل ذلك.
  • تناول الفارابي بالشرح والتفصيل مفهوم الفعل الإنساني وعلاقته بالفضائل النظرية وهي العلوم المختلفة التي تستهدف المعرفة بالموجودات، وهي قسمان علوم فطرية بديهية، وأخرى تحصل بالتأمل والفحص والتعليم والتعلم.
  • أهتم الفارابي بالفضائل الفكرية النافعة في تحصيل الغايات التي ينصبها الإنسان أمام عينيه ثم يسعى إلى تحقيقها وبمقدار ما كانت الغايات نافعة جميلة كانت الوسائل نافعة جميلة كذلك.
  • اهتم الفارابي بتعريف الحكم الخلقي من خلال المقارنة بين الفضائل والرذائل فيعرفه لنا فيقول الحكم الخلقي هو تقدير العمل الخلقي على أساس ما ألفته ضمائرنا من مبادئ الأخلاق وقواعدها.
  • والأخلاق ضرورة لكل إنسان عرف ربه حق المعرفة، وواجب علينا البحث عنها والتحلي بها لأنها ترسم للإنسانية طريق السعادة في الدارين.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • أخبار العلماء بأخبار الحكماء، القفطي، مكتبة المتنبي، القاهرة، بدون طبعة.
  • تاريخ حكماء الإسلام، ظهير الدين البيهقي، تحقيق ممدوح حسن محمد، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى، 1417 ه- 1996 م.
  • تعاليق ابن باجا على منطق الفارابي، تحقيق د. ماجد فخري، دار المشرق، بيروت، الطبعة الأولى، 1994 م.
  • التعريفات، الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2، 2002 م.
  • التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، دار المعارف، ط 4، 1985 م.
  • إحصاء العلوم الفارابي: تحقيق د. علي بوم لحم، دار الهلال، الطبعة الأولى، 1996 م.
  • آراء أهل المدينة الفاضلة الفارابي: قدم وعلق عليه د. ألبير نصر نادر، الطبعة السابعة، 1996 م.
  • الحدود والرسوم الفارابي:: تحقيق د. جعفر أل ياسين، عالم الكتب الطبعة الأولى، 1405 ه- 1985 م.
  • الملة ونصوص أخرى الفارابي: حققها د. محسن مهدي، دار المشرق بيروت، الطبعة الثالثة، 2001 م.
  • تحصيل السعادة الفارابي: تحقيق د. جعفر أل ياسين، دار الأندلس للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1401 ه- 1981 م.
  • رسالة الأسئلة اللامعة والأجوبة الجامعة الفارابي: تحقيق: محسن مهدي، الطبعة الثالثة، دار المشرق، بيروت، 2001 م.
  • فصول منتزعة الفارابي: تحقيق د. فوزي متري النجار، دار الشرق، بيروت، الطبعة الثانية، 1993 م.
  • الفلسفة الإسلامية، د. أحمد فؤاد الأهواني، المؤسسة المصرية العامة، 1962 م.
  • المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، ط 1، ج 2، دار الكتاب العالمي، 1414 ه- 1994 م.
  • المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة وآخرون، القاهرة، 1966 م.
  • [(*)] الجامعة الأسمرية.
  • [1] أخبار العلماء بأخبار الحكماء، القفطي المتوفي 646، مكتبة المتنبي، القاهرة، ص 182.
  • [2] الفلسفة الإسلامية، د. حمد فؤاد الأهواني، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، 1962، ص 70، 71
  • [3] تاريخ حكماء الإسلام البيهقي، تح ممدوح حسن محمد، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، ط 1، 1995، ص 41.
  • [4] الفهرست ابن النديم، تح ناهد عباس، دار قطري بن الفجاءة، ط 1، 1985، ص 533.
  • [5] تاريخ حكماء الإسلام، البيهقي، مصدر سابق، ص 41.
  • [6] الفلسفة الإسلامية، د. أحمد فؤاد الأهواني، ص 97.
  • [7] تاريخ حكماء الإسلام، البيهقي، مصدر سابق، ص 41.
  • [8] الفهرست ابن النديم، مصدر سابق، ص 533.
  • [9] تاريخ الأدب العربي، بروكلمان، ترجمة د. عبد الحليم النجار، دار المعارف، مصر، ط 4، ص 137.
  • [10] الإرادة: ميل يعقب اعتقاد النفع، الإرادة: مطالبة القلب غذاء الروح من طيب النفس، وقيل الإرادة حب النفس عن مراداتها والإقبال على أوامر الله تعالى والرضا، وقيل الإرادة جمرة من نار المحبة في القلب مقتضية لإجابة دواعي الحقيقة. التعريفات، الجرجاني، ص 20.
  • [11] الحدود والرسوم، الفارابي، تحقيق د. جعفر آل ياسين، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1405 ه 1985 م، ص 380.
  • [12] تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي، تحقيق د. ماجد فخري، دار الشرق بيروت، الطبعة الأولى، 1994 م، ص 27.
  • [13] التنبيه على سبيل السعادة، الفارابي، تحقيق د. جعفر آل ياسين، دار الأندلس للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1401 ه- 1998 م، ص 69.
  • [14] فصول منتزعة، الفارابي، تح. فوزي متري، دار الشرق بيروت، الطبعة الثانية، 1993 م، ص 61، 62.
  • [15] فصول منتزعة، الفارابي، مصدر سابق، ص 58، 59.
  • [16] الخير: الخير اسم تفضيل كقولنا الحياة خير من الموت، وهو يدل على الحسن لذاته، وعلى ما فيه نفع أو لذة أو سعادة، المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، بدون طبعة، ص 548.
  • [17] فصول منتزعة، الفارابي، مصدر سابق، ص 59.
  • [18] الأسئلة اللامعة والأجوبة الجامعة، الفارابي، تحقيق د. محسن مهدي، الطبعة الثالثة، 2001، ص 64.
  • [19] الخشوع والخضوع والتواضع. بمعنى واحد، وفي اصطلاح أهل الحقيقة: الخشوع الانقياد للحق، وقيل هو الخوف الدائم في القلب، من علامات الخشوع أن العبد إذا غضب أو خولف أو رد عليه استقبل ذلك بالقبول. التعريفات، الجرجاني، ص 103.
  • [20] آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي، تحقيق د. ألبير نصري نادر، دار الشرق بيروت، الطبعة السابعة، 1996 م، ص 160.
  • [21] الإلزام الخلقي: وهو لا ينشأ عن عقد، بل ينشأ عن طبيعة الإنسان من حيث هو قادر على الاختيار بين الخير والشر، فيما كافعله أو عدم فعله، ممكنا من الناحية المادية، ثم أوجب حكمه من الناحية الخلقية، كان إلزاميا. المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ج 1، ص 121.
  • [22] الفقه: عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. التعريفات، الجرجاني، ص 170.
  • [23] الملة ونصوص أخرى، الفارابي، مصدر سابق، ص 75.
  • [24] الحدود والرسوم، الفارابي، ص 368.
  • [25] تحصيل السعادة، الفارابي، ص 80.
  • [26] آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي، ص 118.
  • [27] الفهم: تصور المعنى من لفظ المخاطب. التعريفات، الجرجاني، ص 174.
  • [28] الحدود والرسوم، الفارابي، ص 422.
  • [29] الالتزام: التزام الشيء أو العمل. أوجبه على نفسه، والملتزم هو الرجل الذي أوجب على نفسه أمرا لا يفارقه، ومنه العقل الملتزم، وهو العقل الذي ينظر إلى ما تتضمنه أحكامه من النتائج الاجتماعية والأخلاقية بعين الجد والرصانة، أو العقل الذي يقر بوجوب وفائه بعهده، وبضرورة محافظته حق الأمانة في تأدية رسالته. المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ط 1، ص 118.
  • [30] الفطرة: الفطري هو المنسوب إلى الفطرة وهو مقابل للمكتسب، والفطرة هي الجبلة التي يكون عليها كل موجود في أول خلقه قال تعالى: (فِطْرتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30] وفي الحديث كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ج 2، ص 150.
  • [31] تحصيل السعادة، الفارابي، مصدر سابق، ص 115.
  • [32] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
  • [33] فصول منتزعة، الفارابي، ص 31.
  • [34] تحصيل السعادة، الفارابي، ص 63.
  • [35] فصول منتزعة، الفارابي، ص 35، 36.
  • [36] تاريخ حكماء الإسلام، البيهقي، مصدر سابق، ص 44.
  • [37] التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر، ط 4، ص 136.
  • [38] الحدود والرسوم، الفارابي، مصدر سابق، ص 414.
  • [39] تحصيل السعادة، الفارابي، مصدر سابق، ص 71.
  • [40] المصدر السابق، ص 49.
  • [41] الحدود والرسوم عند الفارابي، مصدر سابق، ص 412.
  • [42] إحصاء العلوم، الفارابي، ص 36-37.
  • [43] فصول منتزعة، الفارابي، مصدر سابق، 36.
  • [44] آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي، مصدر سابق، ص 133.
  • [45] المصدر السابق، نفس الصفحة.
  • [46] تقاليد ابن باجه على منطق الفارابي، تح. د. ماجد فخري، مصدر سابق، ص 29.