الفكر الاجتماعي في الفلسفة الإسلامية الفارابي نموذجا

 الفكر الاجتماعي في الفلسفة الإسلامية الفارابي نموذجا

أ.د. عبد المنعم مدكور([*]) تمهيد:منذ عهد قديم قال أرسطو “إن الإنسان –بالطبع – كائن اجتماعي”([1])، ومعنى ذلك أنه مدفوع بطبعه إلى الاجتماع ببني جنسه؛ لأنه لا يستطيع –وحده – أن يلبي حاجاته ولا أن يقوم بمصالح نفسه من غذاء وكساء وسكن ودفاع عن النفس وارتقاء بملكاته؛ بل هو محتاج في هذه الحاجات والمصالح وأشباهها إلى معونة الآخرين، كل فيما يحسنه، وفيما يستطيع أن يقدمه إلى الآخرين، ممن يشاركونه العيش في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة، وهي مجالات تظهر في دوائر مختلفة، تبدأ بالأسرة الصغيرة التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها وبقائها، مرتبطة برابطة الدم التي تجمع بين أفرادها، ثم تتسع الحياة الاجتماعية لنظم أخرى أكثر تعقيداً وتنوعاً واتساعاً، ومن هذه النظم على سبيل المثال لا الحصر: القبيلة والقرية والمدينة والدولة، بل والإمبراطورية التي وصلت إليها بعض الحضارات في بعض العصور، ومن شأن بني البشر الذين يعيشون في ظل النظم الاجتماعية المختلفة أن تختلف مطالبهم وغاياتهم، وأن تتنوع علاقاتهم، حتى إنهم ليكونون بحاجة ماسة إلى ضبط هذه العلاقات بموازين تحفظ الحقوق، وتدفع الظلم، وتحقق العدل.

وكان لزاماً عليهم أن يبدأوا –أولاً – بفهم هذه العلاقات وتحليلها وملاحظة عناصرها وجوانبها المختلفة، ومن ثم ظهر في نطاق العلوم الإنسانية الاهتمام بدراسة هذه الظواهر والعلاقات المصاحبة لهذه الصور المختلفة من صور الاجتماع الإنساني، وهي ما أطلق عليه: الظواهر الاجتماعية.

وبدأت هذه الظواهر تجتذب أنظار الحكماء والمفكرين من زمن بعيد، وقد حاولوا– خلال عصور متطاولة – أن يحددوا أسباب نشأتها، وعوامل تطورها، وأن يفتشوا عن العلل الكامنة وراءها، والقوانين التي تحكمها بما يسمح لهم برصد آثارها ونتائجها، وسارت جهودهم بخطى وئيدة لم تعرف الطفرة إلا قليلاً، وارتبطت هذه الخطوات بما توصل إليه العلم الإنساني من فلسفات، أو بما أضيف إليه من معارف دينية؛ ولذلك جاءت هذه الدراسة ممزوجة بحكمة الشرق أحياناً، أو بفلسفات الغرب، لاسيما فلسفة اليونان، أحياناً أخرى، وأسهم هؤلاء الفلاسفة – في هذه المجال – بنصيب كبير، غير أن دراساتهم كان يغلب عليها الطابع النظري التأملي الذي ينزع نحو المثالية؛ بل الخيال أحياناً. وجاء ذلك على حساب دراسة الواقع الاجتماعي الذي كان أحرى بالرصد والتحليل والتأمل الدقيق، ولعل خير دليل على ذلك هو ما قدمه أفلاطون في كتاب “الجمهورية” الذي يعد من أهم كتبه إن لم يكن أهمها، وقد عرض فيه أفلاطون تصوره لفكرة العدالة التي أتخذها منطلقاً للحديث عن كثير من آرائه السياسية والأخلاقية والتربوية والفنية والنقدية، ولم يخل الكتاب من اهتمام بالجانب الاجتماعي، حيث سعى فيه إلى تقديم تخطيط أو “تصميم” لإقامة هذا المجتمع الذي يتحقق فيه مبدأ العدالة، لكن هذا التصميم المقترح لم يكن منبثقاً من متابعة وملاحظة للواقع الذي كان يعيش فيه؛ بل إنه كان يقدم مشروعاً لبناء مجتمع جديد يختلف في بنيته الاجتماعية عن المجتمع الذي كان يعيش فيه([2])، وقد جاء تصوره لهذا المجتمع مصبوغاً بصبغة طبقية صارمة، سعي إلى البرهنة عليها بكل ما أوتي من قوة، حتى لقد وصل الأمر إلى حد الاستعانة بالأساطير أحياناً([3])، وكانت الهوة بين الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش أفلاطون في ظله وهذا المثال المقترح بعيدة على نحو يجعل من المتعذر اجتيازها، حتى إنه ليقال إن أفلاطون نفسه عجز عن تطبيق أفكاره عندما عرض عليه ذلك، ومعنى ذلك أن أفلاطون كان معنياً بتقديم أفكار فلسفية أكثر من عنايته بأن يكون مفكراً اجتماعياً، بحسب ما استقر عليه العرف الاصطلاحي بعد ذلك بعصور متطاولة.

ثم إن كثيراً من الأفكار ذات الطابع الاجتماعي قد جاءت لدى هؤلاء الفلاسفة مختلطة بالسياسة والأخلاق، ولم تتمحض للدراسة الاجتماعية الخالصة؛ بل إنها كان تتأتي أحياناً بصورة عابرة، أو لتكون مدخلاً للحديث عن الأخلاق أو عن الاجتماع السياسي خاصة، ويظهر ذلك – جلياً – في كتاب السياسة لأرسطو الذي أشار فيه – منذ الفقرات الأولى – إلى أن الطبع يدفع الناس بغرائزهم إلى الاجتماع السياسي، ودفعه هذا إلى الاهتمام بالدولة التي – هي بالطبع – فوق العائلة وفوق كل فرد من أفراد العائلة؛ لأن الكل بالضرورة هو فوق الجزء، وأنه إذا فسد الكل فليس هناك من جزء بعد، فإذا لم يسلم الفرد بذلك فكأنما يتصور أنه يمكن للفرد أن يكتفي بنفسه بمعزل عن الكل وعن سائر الأجزاء، وهذا أمر غير ممكن، إذا كنا نتحدث عن إنسان طبيعي أي عن كائن اجتماعي غير متوحش، وأنه – بحسب تعبير أرسطو – ليس بهيمة ولا إلهاً!!([4]) ويمكن القول بأن أرسطو لم يتوقف إلا قليلاً لتفصيل الفكرة الأساسية التي عبر عنها بأن الإنسان كائن اجتماعي أو ما يعبر عنها بأن الإنسان مدني بالطبع، وقد كانت هذه الفكرة – التي هي الأساس في قيام المجتمع الإنساني – جديرة بتأصيل أرسطو لها، غير أنه أشار إليها إشارة عابرة، كي ينطلق بعدها إلى بيان آرائه في طبيعة الدولة وأشكالها وبيان ما هو صالح أو فاسد منها، وليصنع من هذا كله بناءً متيناً لعلم السياسة، الذي أسبغ عليه صورة علمية، حتى ليوصف أرسطو بأنه أسس العلم السياسي بالمعنى الخاص على صورته الحقة، كما أسس علم المنطق وعلم ما بعد الطبيعة وعلم التاريخ الطبيعي إلى غير ذلك من العلوم([5]) وقد فعل أرسطو هذا مع أنه جعل لعلم تدبير الأسرة – وهو المعادل عنده لما سمي من بعد علم الاجتماع – موضعاً وسطاً ضمن العلوم العملية التي يأتي علم الأخلاق في أدناها، ويأتي علم السياسية أو علم تدبير المدينة في أعلاها([6])، وقد كانت عنايته بعلم الأخلاق وعلم السياسة عناية بالغة، على حين أن العلم الأوسط الخاص بعلم الاجتماع لم ينل من هذه العناية إلا أقل القليل.

وهكذا كان على علم الاجتماع أن ينتظر طويلاً حتى يتخلص من تبعيته للفلسفة أو دراسته – دراسة غير مباشرة – ضمن بحوثها، وليتحول إلى علم يتميز بمنهجه وموضوعاته عن غيره من العلوم، وليتخصص في الكشف عن حقيقة الظواهر الاجتماعية ونشأتها وأسبابها والعلاقات التي تربطها بغيرها من الظواهر الوثيقة الصلة بها كالظواهر الاقتصادية أو السياسية أو الأخلاقية، ثم لكي يصل – في نهاية المطاف – إلى الكشف عن القوانين التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية، التي يمثل الانشغال بها والتوصل إلى تحديدها غاية من الغايات الكبرى التي يسعى العلم إلى الوصول إليها([7]) ولم يتم هذا التحول دفعة واحدة أو بجهد فردي بل إنه لم يتحقق إلا بجهود متكاملة لأجيال من العلماء الذين ينتسبون إلى حضارات مختلفة ويأتي على رأس هؤلاء جميعاً عبد الرحمن بن خلدون (808هـ) الذي سمي هذا العلم: علم العمران([8]) ثم تتابع العلماء من بعده، وكان لأوجيست كونت واميل دوركايم والمدرسة الفرنسية بصفة عامة جهد كبير في تحقيق استقلال هذا العلم، ووضع الضوابط والشروط لقيامه بوظيفته ولتحقيق غاياته([9]).

الفارابي:

ولم يكن ابن خلدون هو – وحده – الذي عني بهذا العلم، من بين مفكري الإسلام، بل إنه مسبوق – في هذا المجال – بعدد منهم، وإن كانت مقارنة آرائه بآرائهم تظهر ما تميز به ابن خلدون من أصالة وفكر منهجي، ولهذا عده كثير من الباحثين من كبار الرواد المؤسسين له، كما قيل منذ قيل.

وقد اخترنا أبا نصر الفارابي (259 – 339هـ = 872 – 950م) لإلقاء الضوء على بعض آرائه وأفكاره التي تتناول شيئاً من مسائل هذا العلم وقضاياه، وكان من وراء هذا الاختيار العوامل الآتية:

أ- أن الفارابي يعد واحداً من كبار الفلاسفة الإسلاميين، وهو أحد المؤسسين لها. وقد وصف بأنه “فيلسوف المسلمين غير مدافع”([10]) وبأنه الملقب بالمعلم الثاني، ولم يكن قبله أفضل منه في حكماء الإسلام([11]). وقال عنه ابن خلكان مبيناً مكانته بين هؤلاء الفلاسفة: “ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه”([12]).

ب- أن كثيراً من مؤلفاته وشروحه ما تزال باقية بين أيدي الدارسين فلم يصبها ما أصاب مؤلفات أبي يوسف بن إسحاق الكندي (أواسط القرن الثالث الهجري) من ضياع، ثم هي ليست قليلة كمؤلفات ابن باجة (335هـ) وابن طفيل (851هـ).

وقد تأثر به ابن سينا تأثراً واضحاً كما يذكر المترجمون له ومنهم البيهقي الذي قال عنه “… وكان أبو علي (ابن سينا) تلميذاً لتصانيفه” وابن خلكان الذي قال: “… والرئيس ابن سينا، بكتبه تخرج، وبكلامه انتفع في تصانيفه”([13]) وقال عنه بعض المستشرقين: “فكل ما يصادفنا في المستقبل عند ابن سينا وابن رشد يوجد جوهره على التقريب في تعاليم الفارابي فعلاً”([14]) وقد تضمنت بعض الكتب الباقية له بعض مسائل الاجتماع الإنساني على النحو الذي كان سائداً من قبله في الفلسفة اليونانية، على نحو ما نرى في: آراء أهل المدينة الفاضلة، والسياسة المدنية، وتحصيل السعادة، والتنبيه على سبل السعادة، وإحصاء العلوم؛ بل إنه لينسب إليه أن له كلاماً في المعايش والحروب، وكتاباً في الاجتماعات المدنية([15]).

ج- عرف عن الفارابي أنه كان كثير التنقل في بلاد الإسلام، فقد ولد في فاراب إحدى مدن الترك في بلاد ما وراء النهر، لكنه دخل العراق واستوطن بغداد، ثم ذهب بعد ذلك إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة أبي الحسن علي الحمداني، ثم رحل في صحبته إلى دمشق فأدركه أجله بها([16])، لذلك كان مناسباً أن يتم الحديث عنه في دمشق التي عاش فيها، وألف بها بعض كتبه أو أكثرها، وقد كانت له صلة سابقة بها([17])، ويذكر هنري كوريان أنه إذا كانت “الحكمة” قد ظهرت في أرض الكلدان ثم انتقلت إلى مصر ثم اليونان، فكأن الفارابي كان يرى أن من واجبه إعادة الحكمة إلى الأرض التي نشأت فيها([18]) ثم كان من المناسب أن يكون المتحدث باسم الفلاسفة الإسلاميين بسبب جهده في تأسيس تلك الفلسفة وتأثيره في أقطابها.

على أنه يبدو – من جهة أخرى – أن أفكاره الاجتماعية – فضلاً عن آرائه الفلسفة الخالصة – قد جاءت متأثرة تأثراً كبيراً بالطابع الفلسفي اليوناني في تياراته المختلفة، ففي تفكيره أثاره من فكر أرسطو الذي يتكرر كثيراً في كتبه ورسائله وعناوينها([19]) ثم لا تخلو آراؤه من تأثر بفكر أفلاطون وأفلوطين أيضاً.

ويمكن القول إن كثيرا من آرائه وأفكاره الاجتماعية قد وردت في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، وكتاب السياسة المدنية الذي يشترك في كثير من موضوعاته مع سابقه، حتى ليمكن النظر إليهما على أنهما كتاب واحد لكثرة المسائل التي يتفقان فيها.

ويفتتح الفارابي الجانب الاجتماعي من أفكاره – بعد حديثه عن الإلهيات والطبيعيات – بالقول في احتياج الإنسان إلى الاجتماع والتعاون، وهو يوضح هذا القول الذي جعله عنواناً لما سيسوقه من الأفكار بأن “كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة، لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم به له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد بهذه الحال. فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال الذي أجله جعلت له الفطرة الطبيعية إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين يقوم كل واحد لكل واحد بعض ما يحتاج إليه في قوامه فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال”([20]).

ويتضمن هذا النص الافتتاحي عدداً من الأفكار التي تتناول أسس الاجتماع الإنساني، وأول هذه الأفكار أن الإنسان لا يمكن أن يحيا وحده، وأنه بحاجة دائمة إلى الآخرين، وينطبق هذا على بني البشر جميعاً، وأن ذلك مغروس في طبيعة كل واحد منهم وفي فطرته، وأنه لا يستطيع الحفاظ على حياته، كما لا يستطيع تحقيق الكمال اللائق به إلا باجتماعه ببني جنسه.

ثم يضيف الفارابي إلى هذه الفكرة الأساسية التي أفصح عنها أرسطو – في مقدمة كتابه السياسة، كما سبق – فكرة أخرى هي فكرة تقسيم العمل بحيث يتخصص كل فرد أو جماعة في القيام بوظيفة أو خدمة أو عمل من الأعمال الضرورية للمجتمع بحيث يمكن – في النهاية – تلبية المطالب الضرورية لمجموع أعضاء هذا المجتمع، وهذا ما لا يتم تحقيقه إلا بالتعاون بين هؤلاء الأفراد حتى تستقيم حياتهم الاجتماعية على النحو المرجو لهم.

وتعد هذه إشارة مبكرة إلى مبدأ تقسيم العمل الاجتماعي، الذي اهتم به فلاسفة علم الاجتماع ومفكروه في العصر الحديث، وعلى رأسهم: إميل دوركيم (1917) الذي خصص له كتاب كاملاً بهذا العنوان([21]).

ويتضح من كلام الفارابي أنه لا ينظر إلى مبدأي: حاجة الإنسان إلى الآخرين، وتقسيم العمل نظرة وصفية أو تقريرية، بوصفهما من ضرورات الاجتماع الإنساني؛ بل إنه يضيف إلى ذلك أنه ينبغي أن يرتبطا بالسعي إلى الكمال اللائق به، ومن ثم لا يكون وجود كل منهما مقبولاً في أي صورة كانت، بل إنه ينبغي أن يكون مصحوباً بالسعي إلى تحقيق هذا الكمال، وهذا من الفروق المهمة بين النظر الفلسفي في علم الاجتماع بمفهومه القديم، والنظر الواقعي الوصفي لمسائل علم الاجتماع وقضاياه في علم الاجتماع الحديث كما تجلي في فكر أوجيست كونت وأمثاله من المفكرين المحدثين([22]) ولم يكن الفارابي هو – وحده – الذي ينفرد بهذا النظر الفلسفي المعياري إلى أمور الاجتماع؛ بل إنه كان يجري فيه على سنة سابقيه ومعاصريه، بل وكثير ممكن جاءوا بعده، وهو ما كانت تخضع له دراسات الأخلاق والسياسة ونحوها، إلى مشارف العصر الحديث([23]).

وقد دفعته هذه الفكرة الباحثة عن الكمال إلى البحث في صور الاجتماع الإنساني لمعرفة أكثرها تحقيقاً لهذا الكمال، وقد تبين له من تأمل هذه الصور أن منها ما هو كامل، ومنها ما هو غير كامل. والكاملة منها ثلاث: عظمى ووسطى وصغرى، فالعظمى هي الاجتماع على مستوى المعمورة أو البشرية كلها، والوسطى تتمثل في اجتماع أمة في دولة تعيش في جزء من المعمورة، والصغرى تتمثل في اجتماع أهل مدينة، هي جزء من أمة، أما غير الكاملة فهي اجتماع أهل القرية أو المحلة ثم الاجتماع في سكة أو في منزل([24]) وهذه الصور الأخيرة تأتي – من حيث الاهتمام بها – في درجة أقل من الصور الأولى التي تترتب تصاعدياً من المدينة إلى الدولة إلى المعمورة “فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال – أولاً – بالمدينة، لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها”([25])، وقد كان من المتوقع أن يصرف الفارابي عنايته إلى دراسة الدولة للكشف عن صور الاجتماع الواقعة فيها، وعوامل التدرج في بنائها، والتحولات التي تحدث لها، وأسباب الافتراق والصراع، أو التآزر والتعاون فيها ونحو ذلك من الصور الممكنة لهذا التجمع البشري الذي يضم في جنباته أعراقاً وطوائف ومصالح ووظائف متكاملة أو متعارضة، بل كان يمكن أن يمتد بصره إلى ما هو أكبر من مستوى الدولة، لأنه عاش في ظل الدولة الإسلامية التي كانت في عهده دولة مترامية الأطراف، تضم في جنباتها شعوباً وأقاليم متعددة، وتتسع مجالات الحياة فيها لألوان شتى من الاختلاف أو الصراع الواقع ما بين بدو وحضر، عرب وعجم، وما يقع بينهم من خلافات سياسية ونزاعات مذهبية، وجدل ديني، وتوجهات مادية وروحية… الخ. هذه الاختلافات التي تتسع لها الحياة الإنسانية في مجتمع كبير كالمجتمع الإسلامي في عهد الدولة العباسية التي عاش الفارابي في ظلها، ولو فعل الفارابي ذلك لأضاف إلى معارفنا العلمية والاجتماعية والفلسفية عن هذا الواقع ما لا نجده لدى كثير من المؤرخين الذين شغلتهم وقائع السياسة، وحياة القصور، وأخبار الحروب، وصراع الجيوش وقادة الجند، وما هو قريب من هذا النطاق الذي يجري في دائرة محدودة لا تمتد إلى جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى، التي هل أكثر اتصالاً بالجانب الاجتماعي من حياة المجتمع. لكن الفارابي سلك مسلك سابقيه من المفكرين اليونان الذين ركزوا على المدينة بوصفها الوحدة السياسية العليا، وربما كان لبعض هؤلاء عذرهم؛ لأنهم كانوا محكومين بالواقع الذي كانوا يعيشونه. ويختلف عنهم في ذلك أرسطو الذي عاش بعض عمره في ظل الإمبراطورية التي كونها الإسكندر الأكبر الذي كان أرسطو أستاذه ومعلمه، ومع هذا ظلت أفكاره السياسة منحصرة في نطاق المدينة لم يكد يتعداها إلى ما فوتها. وإذا كان هؤلاء الفلاسفة اليونانيون قد مزجوا آراءهم الاجتماعية بأفكارهم السياسية والأخلاقية التي تمددت حتى طغت على الأفكار الاجتماعية الخالصة أحياناً كثيرة فإن الفارابي قد تابعهم في هذا الجانب أيضاً، وإن كان قد خالفهم في بعض أفكاره، بل في بعض الأفكار والمسائل المؤسسة لهذه الأفكار أحياناً، وليس هذا بغريب على فيلسوف ينتسب إلى الفلسفة التي تقوم في صياغتها المنهجية على موقف نقدي وإبداعي يجعل صاحبها جديراً بهذه الصفة.

ولعل من أهم مسائل الاختلاف بينه وبينهم أنه لا يبدأ الحديث عن المجتمع بالكلام عن الطبقات أو القوى الاجتماعية الموجودة فيه، ومكونات كل منها، والعلاقات الواقعة بينها، واحتمالات التطور أو الانتقال بينها من طبقة أو فئة إلى طبقة أو فئة أخرى، والمؤثرات التي تؤثر في مجريات الحياة الاجتماعية وما يترتب عليها من قوة أو ضعف في نفوذها، بحيث ينتهي أخيراً إلى شكل الحكم أو مؤسسات الدولة، على النحو الذي نجده لدى أفلاطون في الجمهورية والقوانين، أو لدى أرسطو في كتاب السياسة، بل إنه – على العكس من هذا – يبدأ الحديث عن المجتمع بالكلام عن رأس الدولة أو المدينة الذي يعد – في رأيه – المحور الذي تدور حوله أشكال الأمم أو المدن وأنواعها، وبحيث يسبق الحديث عنه كل حديث، فرئيس المدينة يشبه القلب الذي لا قوام للبدن بدونه، وهو أشرف الأعضاء، وأولها وجودا، وحظ المدينة من الكمال والشرف متوقف على حظه من الكمال. ويتفق هذا مع فكرته عن أن المدينة الفاضلة “تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليه”([26]).

ومن المعلوم أن البدن فيه عضو واحد ورئيس هو القلب، وأعضاء أخرى مختلفة، متفاوتة في القرب أو البعد من هذا القلب، وهي جميعاً تتعاون في تحقيق أغراضه.

وإذا كان الأمر على هذا في البدن، فإن الأمر في المدينة هو كذلك أيضاً “وكذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيآت، وفيها إنسان هو رئيس، وآخر تقرب مراتبها من الرئيس” وهؤلاء يتدرجون في مراتبهم من أعلى إلى أدنى حتى الوصول إلى أدنى درجات السلم الاجتماعي، بالتعبير الحديث، والمشابهة تكاد تكون تامة بين البدن والمدينة، وإن كان هناك فرق حرص الفارابي على بيانه في قوله: “غير أن أعضاء البدن طبيعية، والهيآت التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية، بل إرادية”([27]) ويمضي الفارابي في بيان أوجه الشبه بين القلب في البدن، والرئيس في المدينة، فهو بالطبع أكمل الأعضاء وأتمها، وكذلك رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة، “وكما أن القلب يتكون أولاً ثم يكون هو السبب في أن يكون سائر أعضاء البدن، والسبب في أن يحصل لها قوة، أن تترتب مراتبها… كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أولاً، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها”([28]) ويمكن القول إن هذا التصور الذي يجعل رئيس المدينة هو المركز والمحور لكل شيء فيها، ويجعل كل شيء فيها مرتبطاً به ومستنداً إليه، ومعتمداً عليه يختلف عن المفاهيم التي شاعت في الديمقراطيات الغربية الحديثة التي تجعل الشعب مصدر السلطات، ومركز الثقل الحقيقي في المجتمع، وهو الذي يحتار بإرادته الحرة من يمثلونه أو ينوبون عنه، وهم الذين يختارون بطريق مباشر أو غير مباشر قمة الهرم في السلطة السياسية، وهي مفاهيم ترجع في جذورها إلى بعض الكتابات اليونانية القديمة، وإن كان التطبيق الغربي الحديث لها قد سار بها شوطاً أبعد مما كانت عليه عند اليونان الذين لم تكن الديمقراطية عندهم هي الصورة المثالية للحكم([29]) على أن الفارابي لا يتوقف – في بيانه لأهمية رئيس المدينة عند هذه المشابهة بين البدن والمدينة، بل إنه ينظر إلى هذه المسألة وكأنها تطبيق لقانون من قوانين الوجود، وهو قانون لا ينطبق على العلم المنظور أو عالم ما تحت فلك القمر بحسب تعبير الفارابي، بل إنه ينطبق كذلك على العالم العلوي الذي يتكون من سلسلة من العقول التي تفيض عن المبدأ الأول أو السبب الأول للوجود كله وهو الله تعالى الذي يفيض منه كل وجود كما يقول الفارابي([30]) وفي هذا المعنى يقول “وكذلك كل جملة كانت أجزاؤها مؤتلفة منتظمة مرتبطة بالطبع فإن لها رئيساً، حالة من سائر الأجزاء هذه الحال. وتلك أيضاً حال الموجودات، فإن السبب الأول نسبته إلى سائر الموجودات كنسبة ملك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها، فإن البرية من المادة (= المعقول أو الموجودات الثواني) تقرب من الأول، ودونها الأجسام السماوية، ودون السماوية الأجسام الهيولانية، وكل هذه تحتذي حذو مقصد رئيسها الأول على الترتيب”([31]) ولا يخلو هذا التشبيه من مبالغة شديدة؛ إذ إن الفارابي لا يقنع بتشبيه رئيس المدينة بأنه كالقلب في البدن، بأنه مضى بعيداً فجعل علاقة رئيس المدينة بالمدينة ومراتبها كالعلاقة الله بالعالم، وكأنه بهذا يضفي عليه وجوداً كونياً يفوق الطبيعة البشرية وهذا غير مسلم للفارابي؛ لأنه مهما بلغ من الكمال والتأشير الروحي لا يمكن أن يرتقي إلى هذه المشابهة التي تحدث عنها الفارابي، فالله بحسب التعبير الشرعي هو الخالق للوجود كله علويه وسفليه، وهو الذي يفيض عنه الوجود، أو هو السبب الأول لوجود كل موجود كما يقول الفارابي، أما رئيس المدينة فلا علاقة له بالوجود أصلاً، بل إنه هو – نفسه – موجود بغيره، ثم إن ما يتحقق له من كمال لا يمكن أن يقارب بالكمال الإلهي؛ لأن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، ويمكن تفسير هذه النزعة الغالية بأنها ربما كانت أثراً من آثار تلك النظرة المثالية التي خلق في سمائها عقول الفلاسفة، ولعلها كانت صدى بعيداً لبعض آراء الفرق الشيعية عن الإمام([32]) ولعلها – إذا أحسنا الظن به – كانت رفضاً غير مباشر لما كان عليه خلفاء عصره من ضعف وخذلان وهوان، وكان هذا سبباً في انصرافه عما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون.

ويتصل بهذه الوجهة في فكره: حديثه عن صفات هذا الرئيس الذي جعل له هذه المكانة السامقة، وهي صفات لا ينالها كل أحد، ولا يمكن أن تكون لأي إنسان اتفق، بل لابد أن تتحقق فيه شروط، منها: أن يكون بالهيئة النفسية والملكة الإرادية الخيرة، وبالسمو العقلي الذي يجعله في أعلى مراتب المعرفة بحسب نظرية الفيض التي سبق الحديث عنها، وذلك يتحقق له باستكمال قوته العقلية بأن يكون عقلاً ومعقولاً بالفعل، ثم بأن تكون قوته المتخيلة – كذلك – في أقصى درجات كمالها بحيث يتقبل صاحبها بعقله أو بمخيلته ما يفاض عليه من المعارف في اليقظة أو النوم([33]).

وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة، وهي الغاية العظمى بل هي غاية الغايات، أو هي الخير على الإطلاق([34]).

وهذا الإنسان هو الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلاً، وهو الإمام، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمة الفاضلة، وهو رئيس المعمورة من الأرض كلها([35]) كما يقول.

ولا يكتفي الفارابي بذكر هذه الشروط العامة بل إنه يتحدث عن شروط تفصيلية يلزم اتصاف هذا الرئيس بها، وهي شروط تتعلق بقوته البدنية والعقلية، وصفاته النفسية والخلقية، ومقدرته البيانية الإرشادية التعليمية، وكفاءته الإدارية والسياسية وجدارته للقيادة في الأمور المدنية والعسكرية، وعلو نفسه عن كل ما يشين، وزهادته في الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا، وتنزهه عن الشر والاستنكار من المأكول والمشروب والمنكوح “ثم أن يكون محباً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله، ومبغضاً للجور والظلم وأهلهما، يعطي النصف من أهله ومن غيره، ويحث عليه… ثم أن يكون عدلاً غير صعب القياد، ولا جموحاً ولا لجوجاً، إذا دعي إلى العدل، بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح، ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل، جسوراً عليه، مقداماً غير خائف ولا ضعيف النفس” ويعقب الفارابي على هذه الشروط بأن اجتماعها في إنسان واحد أمر عسير، ولهذا لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد والأقل من الناس. فإن لم يتيسر أن يوجد شخص تجتمع فيه هذه الشروط كلها فإنه لا مناص من التنازل عن بعضها، وبقدر ما يقع من تنازل فيها يقع النقص أو الضعف في المدينة التي يحكمها حتى إنها تهدد بالهلاك والزوال([36]) أما المدينة التي يكون من حظها أن يوجد لها رئيس من هذا النوع الكامل فإنه يحفظ على المدينة سعادتها بما يسوقه إلى أهل هذه المدينة من معارف فلسفية تتعلق بالسبب الأول وبما يتلوه من العقول المفرقة، وبما يعقبها من مراتب الوجود، حتى يصل الأمر إلى المعرفة بالمدينة الفاضلة وأهلها، والسعادة التي تصير إليها أنفسهم في الآخرة، ثم بالمدن المضادة لها وبما تؤول إليه نفوسهم بعد الموت من هلاك أو خلود في الشقاء([37])، وليست المعرفة وحدها – على أهميتها – هي التي تحقق بها السعادة، وهي مبنية على العلم بالفضائل، ثم بذلك الجهد في اكتسابها والتمرس بها حتى تصبح غادة خلقية أو هيئة نفسية ثابتة مستقرة، تفعلها الناس دون روية أو عسر، وينشأ ذلك عن توجه الإرادة والقصد، ثم عن الاعتياد الذي ينشأ عن تكرار فعل الشيء مراراً كثيرة، في زمان طويل، وفي أوقات متقاربة، فإذا فعل كل واحد من أبناء هذه المدينة الفاضلة ذلك “أكسبته أفعاله تلك هيئة نفسية فاضلة، وكلما داوم عليها أكثر صارت هيئته تلك أقوى وأفضل، وتزايدت قوته وفضيلتها… ويكون الالتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانية أكثر، واغتباط الإنسان عليها نفسه أكثر، وحبه لها أزيد، وتلك حال الأفعال التي ينال بها السعادة”([38])، والأمر في اكتساب الفضائل كالأمر في اكتساب الصنائع التي لا يستطيع الإنسان أن يحقق المهارة فيها إلا بمداومة ممارستها. وهذا ما ينبغي أن يتنبه إليه القائمون على أمر المجتمعات؛ إذ إن من الممكن أن تنتقل هذه المجتمعات من حالة إلى حالة أو من خلق إلى خلق، عن طريق التعود الذي يحملهم عليه حكامهم “فإن أصحاب السياسات إنما يجعلون أهل المدن أخياراً بما يعودونهم من أفعال الخير”([39]).

وهكذا يكون الحفاظ على خصائص هذه المدينة الفاضلة حصيلة جهد مشترك بين رئيس هذه المدينة والمقيمين بها على اختلاف مراتبهم وصنائعهم، وهي تستمد مقومات البقاء والاستمرار من تحقق تلك الشروط التي لا ينبغي التفريط فيها، وإلا فإن هذه المدينة مهددة بالتحول إلى نوع آخر من المدن التي تختلف عنها في الخصائص والغايات. ويتحمل رئيس المدينة القسط الأكبر من عبء الحفاظ عليها؛ بسبب مستوى الكمال المعرفي والأخلاقي الذي يتحقق له؛ ثم لأنه هو المسئول الأكبر عن إداراتها وقياداتها، وإنما فعله “أن يدبر المدن تدبيراً ترتبط به أجزاء المدينة بعضها ببعض، وتأتلف، وترتب ترتيباً يتعاونون به على إزالة الشرور وتحصيل الخيرات، وأن ينظر في كل ما أعطته الأجسام السماوية، فما كان منها معيناً ملائماً بوجه ما نافعاً بوجه ما، في بلوغ السعادة استبقاه وزيد فيه، وما كان ضاراً اجتهد في أن يصيره نافعاً، وما لم يكن ذلك فيه أبطله وقلله، وبالجملة يلتمس إبطال الشرِّين جميعاً، وإيجاب الخيرين جميعاً”([40]).

ويتضمن كلام الفارابي عن المدينة الفاضلة تحذيراً من طائفة يسميها النوابت، وهم مختلفون عن أهل هذه المدينة اختلافاً بيناً، فليسوا على مسلكهم في المعرفة أو منهجهم في الأخلاق، بل إنهم كالحصى في الحنطة، أو كالشوك أو الحشائش الضارة التي قد تتخلل الزروع فتضرها، وهؤلاء مصدر إيذاء لهذه المدينة الفاضلة وأهلها. ويخشى أن يكون وجودهم ثم تكاثرهم مؤدياً إلى ما يمكن أن يوصف بأنه تغير اجتماعي يهبط بالمجتمع من المستوى العالي الذي يفترض أن يكون عليه إلى درجات من السلوك المتدني الذي يتخلق به هؤلاء، وهو يصف هؤلاء بصفات تجعلهم أقرب إلى البهيمية منهم إلى الإنسانية، فبعضهم يرعى النباتات البرية، ويعضها يأكل اللحم نيئاً، وبعضهم متوحش كالسباع، وبعضهم كالبهائم المستأنسة، وبعضهم كالبهائم الوحشية، وهؤلاء – كما يقول الفارابي – يوجدون في أطراف المساكن المعمورة([41])، ويشبه حديث الفارابي عن هؤلاء الحديث عما يسمى العشوائيات ومدن الصفيح التي تنشأ على أطراف المدن الحديثة، وهي تضم بين جنباتها طوائف من ذوي المهن المتواضعة أو من العاطلين أو من الفارين من أحكام صدرت بحقهم أو ممن يعملون في تجارات غير مشروعة. ولقد كان الفارابي – هنا – يتحدث عن ظاهرة أصيلة من صميم الظواهر التي يعني بها علماء الاجتماع بالمعنى العلمي الحديث للعلم، وقد كان حديثه عنها أقرب إلى الرصد والوصف الدقيق، ولكنه كان بحاجة أكثر إلى الإمساك بها وتحليلها والغوص على معرفة أسبابها واحتمالات تأثيرها في المجتمع، أو احتمالات إخراج هؤلاء من ظروفهم الاجتماعية البائسة التي يحيونها، ولو فعل ذلك لخرج من نطاق الفكر النظري الذي سيطر على كثير من أفكاره الاجتماعية التي ساقها ضمن آرائه الفلسفية.

ولم تصل المثالية بالفارابي إلى الحد الذي يحصر فكره في تأمل المدينة أو المدن الفاضلة دون سواها، بل إنه تناول أنواعاً أخرى من المدن التي تختلف عن هذه المدينة أو تضادها، وهو يذكر من هذه الأنواع ثلاثة: المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة الضالة([42]) ثم يقسم كل واحد من هذه الأنواع أقساماً أخرى؛ فالمدينة الجاهلة أو الجاهلية تنقسم إلى عدة مدن، منها: المدينة الضرورية ومدينة النذالة ومدينة الخسة والشقاوة ومدينة الكرامة وهي أعلاها، وأقربها إلى المدينة الفاضلة، ثم مدينة التغلب والتسلط والمدينة الجماعية([43]) وأما المدن الفاسقة، فهي تمثل صورة من صور المدن الجاهلة، فأفعالهم كلها أفعال المدن الجاهلة، وأخلاقهم أخلاقهم، وكذلك المدن الضالة([44]).

ومن أول ما نشير إليه – في هذا المقام – الأساس الذي لاحظه الفارابي عندما قام بتقسيم هذه المدن إلى هذه الأنواع، وقد تمثل هذا الأساس في فكرته عن “السعادة” التي تعد جوهر الخير الأعلى عند كثير من الأخلاقيين، وقد تغلغلت في معظم المذاهب الأخلاقية، وإن ظهرت بصور مختلفة منذ ظهور الفلسفة الخلقية إلى يومنا هذا، وأتضح ذلك بصورة مذهبية منظمة عند أرسطو([45]).

ويرى الفارابي أن كل موجود في الوجود إنما وجد ليبلغ أقصى درجة من الكمال الذي يليق به بحسب رتبته في الوجود([46]) ولا يختص هذا السعي إلى تحصيل السعادة بالفرد وحده، بل إنه ينطبق على المجتمعات أيضاً، وعلى هذا “فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة، والاجتماع الذي به تعاون على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل، والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة هي الأمة الفاضلة”([47]) وأصحاب هذه المدن يعرفون السعادة، ويعملون على تحقيقها، أي أنهم يجمعون الفضائل النظرية والعملية الخلقية جميعاً، وهم يكتسبون هذا كله ويمارسونه حتى يتعودوا عليه بحيث يصير كامنا في فطرتهم، مغروساً في طبيعتهم، وهؤلاء هو الجديرون بالسعادة، وهم أهل المدينة أو الأمة الفاضلة. وعلى عكس هؤلاء يكون أهل المدن المضادة لهذه المدينة: فالمدينة الجاهلة أو الجاهلية هي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم، وأن أرشدوا إليها لم يقيموها ولم يعتقدوها، وإنما عرفوا من الخيرات بعض ما يظن أنه من الخيرات كسلامة الأبدان واليسر في المعايش والتمتع باللذات، وأن يكون الفرد منهم مخلّي وهواه، دون مبدأ حاكم أو ضابط ملزم، وأن يكون مكرماً أو معظماً، فكل واحد من هذه سعادة عند أهل المدن الجاهلية، وهؤلاء متفاوتون في مقاصدهم وغاياتهم، وفي وسائلهم لتحقيقها؛ ولهذا كانت مدنهم واجتماعاتهم في مقاصدهم وغاياتهم، وفي وسائلهم لتحقيقها؛ ولهذا كانت مدنهم واجتماعاتهم على أنحاء كثيرة منها المدينة الضرورية أو مدينة الضرورة التي تقتصر على ضرورات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ونكاح، ومنها المدينة التي يسميها مدينة النذالة، ومدينة الخسة ومدينة الكرامة ومدينة التغلب والمدينة الجماعية([48]).

وأما المدن الفاسقة فهي التي تصور أهلها المبادئ العقلية التي يرتبط بها نظام الوجود كالسبب الأول والعقول الثاني، ثم اعتقدوها، وتخيلوا السعادة واعتقدوها، وأرشدوا إلى الأفعال التي ينالون بها السعادة وعرفوها واعتقدوها، غير أنهم لم يتمسكوا بشيء من تلك الأفعال، ولكن مالوا بهواهم وإرادتهم نحو شيء ما من أغراض أهل المدن الجاهلة، وأهل هذه المدن لا ينالون السعادة، ولا ينعمون بها([49]) بسبب انحرافهم عما علموه، وهم أشبه بهؤلاء الذين أضلهم الله على علم، ولا عذر لهم فيما أوقعوا فيه أنفسهم من حرمان. وأما المدن الضالة فهي التي اتخذت لأنفسها مبادئ غير التي ارتضتها لهم أفعال وآراء لا تنال بشيء منها السعادة بالحقيقة([50]) ويترتب على هذا أن تفسد عقائدها ومعارفها وأخلاقها، ويكون لرئيسها الأول دخل في هذا، فربما أوهمهم أنه يتلقى المعارف الفيضية أو الوحي من غير أن يكون كذلك، ويكون قد استعمل في ذلك التمويهات والمخادعات والغرور([51]).

وأساس التقسيم قائم – إذن – على أساس من المعرفة الحقة والأخلاق الفاضلة، ويكون ذلك باستنارة العقل وخيرية الإرادة، فإذا عرف هذا وتحقق فإن ذلك سبيل المدن الفاضلة، وإذا جُهل هذا أصبحت المدن الجاهلية، وإذا ضل الناس عن الحق والخير أصبحت المدن ضالة.

ويسوقنا هذا إلى فكرة أخرى يمكن استخلاصها من حديثه هذا عن أنواع المدن، وهي فكرة تتضمن محاولة لتفسير ظواهر التمسك والتعاون أو التنازع والصراع في المجتمعات الإنسانية، وما يقع بين أفرادها من علاقات اجتماعية قد تصل إلى حد التباين أحياناً، وتقوم هذه المحاولة على عرض الآراء المختلفة حول هذه المسألة الجوهرية التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات البشرية. وقد اتجه قوم إلى ملاحظة ظاهرة التضاد التي تقع بين الموجودات، حتى إن كل واحد منها – كما يقول – يلتمس إبطال وجود الآخر للحفاظ على نفسه، والدفاع عنها ضد عدوان الآخرين، مستخدماً في سبيل ذلك كل ما يمكنه من وسائل لتحقيق غايته تلك. وهي غاية أنانية تدفع إلى استئثار صاحبها بالخير لنفسه دون من يشاركونه الحياة في المجتمع، بل إنها تدفعه إلى قهر الآخرين حتى يضمن أن يحوز – وحده – أفضل الوجود دون غيره. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى وجود هذه الظاهرة في عالم الحيوان “فإنا نرى كثراً من الحيوان يثب على كثير من باقيها، فليلتمس إفسادها وإبطالها من غير أن ينتفع بشيء من ذلك نفعاً، ويظهر كأنه قد طبع على ألا يكون موجود في العالم غيره، أو أن وجود كل ما سواه ضار له”، وكلما كان الواحد منهم قاهراً لسواه كان أتم وجوداً، وهذا الذي يحدث في عالم الحيوان بالغريزة يحدث مثله أو قريب منه في عالم الكائنات ذات الإرادة والاختيار.

وبناء على هذا رأوا أن المدن ينبغي أن تكون متصارعة متغالبة، وأن يكون كل إنسان متوحداً بكل خير هو له، وأن الإنسان الأقهر لكل ما يناوئه هو الأسعد، ومن شأن من تسيطر عليهم مثل هذه الأفكار – التي تجعل أصحابها يشبهون عالم الحيوان – أن تكون العلاقات بينهم قائمة على التنافر والصراع، وأن الترابط بينهم لا يقع إلا في حالات الضرورة، وإذا اضطر واحد من هؤلاء أن تكون له علاقة بشخص آخر فهي علاقة بين قاهر ومقهور، ثم هي علاقة مؤقتة “وإن اضطرا لأجل شيء وارد من خارج أن يجتمعا ويأتلفا فينبغي أن يكون ذلك ريث الحاجة. وما دام الوارد من خارج فإذا زال فينبغي أن يتنافرا ويفترقا”([52]) وربما ذهب بعض أصحاب هذا الرأي إلى أن الاجتماع ينبغي أن يكون بالقهر للآخرين، وإذا واقع القهر لفريق من الناس فإنه يمكن استخدامهم في قهر الآخرين، وهؤلاء يقعون تحت تسخير القاهرين كأنهم آلات لتحقيق أهواء هؤلاء القاهرين([53]).

ولا يخلو هذا الرأي من قسوة وغرابة ونظرة سوداوية للطبيعة البشرية، ولعل أصحابه لاحظوا أن التجمع البشري – في بداياته الأولى – وقعت فيه جريمة قتل، قَتَلَ فيها أحد الأخوين أخاه، ولعلهم لاحظوا ما وقعت فيه بعض المجتمعات القديمة من تقبل لفكرة العبودية، واعتبارها نظاماً طبيعياً يحق بمقتضاه للأقوياء أن يستعبدوا الضعفاء، ويجعلوهم عبيداً لهم، ويحق فيه لبعض الشعوب أن تستعبد شعوباً أخرى. ولقد كانت هذه الفكرة متقبلة حتى لدى بعض الفلاسفة الكبار كأرسطو الذي يقول “ومهما يكن من شيء فبِّينّ أن البعض هم بالطبع أحرار، والآخرين بالطبع عبيد، وأن الرق في حق هؤلاء ناقع بمقدار ما هو عادل” ويقول: “فيلزم بالضرورة التسليم بأن بعض الناس يكونون عبيداً أينما كانوا، وأن آخرين لا يكونونهم في أي مكان”([54]) ولعلهم لاحظوا كذلك ما تمتلئ به الحروب من مظالم وتدمير وغلظة ووحشية تنال الأبرياء الذين لا ناقة لهم في الحروب ولا جمل، لكن هذا كله لا ينبغي أن يدفع بنا إلى خطأ التعميم أو إساءة الظن بالبشرية كلها، حتى لكأنها وحوش في غاية تتبادل القهر والقتل والإذلال والاستبعاد للآخرين، ولعل مما يخفف حدة هذا الرأي وما فيه من نزعة تشاؤمية أنه جاء – عند الفارابي – في سياق الحديث عن المدن الجاهلة و الفاسقة، لا في سياق الحديث عن المدينة الفاضلة التي تبرأ من هذه الصور المنحطة لسلوك بعض البشر.

وقد اتجه آخرون – في تفسير أسباب الترابط الاجتماعي – وجهة أخرى معاكسة لما سبق، وقد لحظ هؤلاء وجود أسباب كثيرة تؤدي إلى الألفة بين الناس، وتوثيق الروابط بينهم، وإن اختلفوا في هذه الأسباب، فأرجعها بعضهم إلى وحدة الأصل التي تتم بسبب الانتساب إلى أب واحد، وأرجعها آخرون إلى التقارب عن طريق النسب والمصاهرة، أو الانتساب إلى مؤسس الجماعة أو رئيسها الأول الذي جمعهم ودبر أمورهم حتى نالوا خيراً. ومن هؤلاء من ذهب إلى أن الارتباط يرجع إلى المعاهدات والأحلاف التي تقع بين الجماعات بقصد النصرة والدفاع عن هؤلاء الذين عقدوها ضد محاولات التغلب عليهم، وذهب آخرون إلى أن الارتباط “هو بتشابه الخلق والشيم الطبيعية والاشتراك في اللغة واللسان” وقد يشير آخرون إلى الاشتراك في المنزل والمسكن والزقاق والحي. وهذه كلها من أسباب الترابط المستمر بين أفراد هذه الجماعات التي تتقارب بالعرق أو بالنسب أو التعاهد أو المسكن بدرجاته المتعددة، ثم يشير إلى بعض صور الارتباط العارض أو الجزئي، وهو لا يخلو من إقامة علاقة اجتماعية قد تكون وثيقة أيضاً، ومن هذه الصور: الاشتراك في الطعام، أو الاشتراك في الصنائع “ومنها الاشتراك في شر يدهمهم، وخاصة متى كان نوع الشر واحداً، ومنها الاشتراك في لذة ما، ومنها الاشتراك في الأمكنة التي لا يؤمَنُ فيها أن يحتاج كل واحد إلى الآخر مثل التوافق في السفر”([55]).

ولا يمضي هؤلاء في الشوط إلى نهايته، بل إنهم يكادون ينظرون إلى هذه العوامل الداعية إلى الارتباط وكأنها عوامل طارئة أو عارضة، أو خاصة بكل جماعة على حدة، بحيث تكون مطبقة في التعامل بين أفرادها، دون من يماثلهم من أفراد الجماعات الأخرى. أما التعامل مع الآخرين فإنه يخضع لمعايير أخرى، تقوم – في مجملها وغالب أمرها – على المغالبة والدوافع والقهر للآخرين، ويتحدث هؤلاء عن هذه العلاقة على نحو لا يختلف كثيراً عما قاله أصحاب الرأي الأول. فالقاهر للآخرين هو الفائز السعيد المغبوط، وهذا هو الموافق لما عليه الطبع؛ بل إنه – ويا للغرابة – هو الموافق للعدل “فاستبعاد القاهر للمقهور هو أيضاً من العدل، وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضاً عدل، فهذه كلها من العدل الطبيعي وهي الفضيلة”([56]) وقد يتبدل الحال فيكون القاهر مقهوراً والمقهور قاهراً، وقد يتداولان القهر، ويطول ذلك بينهما “فحينئذ يجتمعان ويتناصفان ويترك كل واحد منهما للآخر مما كانا يتغالبان عليه قسطاً ما… ويشرط كل واحد منهما على صاحبه ألا يروم نزع ما في يديه إلا بشرائط، فيصطلحان عليها… وإنما يكون ذلك عن ضعف كل من كل، وعند خوف كل من كل، فما دام كل واحد من كل واحد في هذه الحال فينبغي (!) أن ينقض الشريطة ويروم القهر” بحيث لا يستمر التحالف والاتفاق إلا لضرورة قاهرة أو لتوازن القوى أو لدفع عدو خارجي([57]) ويقطع الفارابي عرضه لتلك التفسيرات ليبين أن هذه الآراء وما أشبهها “هي آراء الجاهلية التي وقعت في نفوس كثير من الناس عن الأشياء التي تشاهد في الموجودات”([58]) ولعله قال ذلك ليدفع عن نفسه أنه يوافق على هذه الآراء القاسية التي تسئ الظن بالبشرية، وأنها لا تقيم العدل، أو ترضي بالمسالمة إلا خوفاً أو ضعفاً أو اضطراراً. وقد يذكرنا هذا ببعض الآراء التي تظهر عندما تضعف الأخلاق، وتفسد الطبائع وتتحكم القوة الغاشمة التي لا تخضع لقانون أو قيمة خلقية، وعندئذ يمكن أن يقال:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يلظم

أو أن يقال:

وأحياناً نكرٌ على أخينا

إذا ما لم نجد إلا أخانا([59])

وقد يذكرنا هذا – كذلك – ببعض الدعوات العنصرية التي تظهر من حيث إلى حين، كالنازية والفاشية ونحوهما، وأصحاب هذه الدعوات يعطون أنفسهم الحق في الهيمنة والسيطرة على الآخرين، واحتلال أرضهم ونهب ثرواتهم، وإزهاق أرواحهم، ومعاملتهم معاملة العبيد، بل إن هذا قد يذكرنا – على نحو ما – ببعض النظريات التي تتحدث عن نهاية التاريخ وصدام الحضارات، وهي نظريات تؤسس للهيمنة وتأجيج الحروب وتأريث العداوات بين الأمم والشعوب.

وقد كان من بين الآراء الكثيرة التي عرضها الفارابي رأي كان جديراً به أن يزكيه ويحتفى به، وهو الرأي الذي يقول: إن التصارع والتغالب بين الموجودات إنما هو بين الأنواع المختلفة، وأما المنتمية إلى نوع واحد، فإنها ينبغي أن تقوم علاقاتها على السلم والتوافق، وهذا ما ينطبق على النوع الإنساني الذي تجمع الإنسانية أفراده، وتربط بينهم، ولهذا ينبغي أن يتسالموا فيما بينهم، ثم يكون لهم أن يغالبوا غيرهم لتحقيق منافعهم ومصالحهم “فإذا كان كذلك بالمعاملات الإرادية، والتي سبيلها أن تكتسب وتستفاد من بعض فينبغي أن تكون بالمعاملات الإرادية، والتي سبيلها أن تكتسب وتستفاد من سائر الأنواع الآخر فينبغي أن تكون بالغلبة؛ إذ كانت الأخرى لا نطق لها، فتعمل المعاملات الإرادية، وقالوا: فهذا هو الطبيعي للإنسان، فإما الإنسان المغالِبُ فليس بما هو مغالب طبيعياً” ويكمل الفارابي هذا الرأي بأن ذلك لا يعني أن بني البشر جميعاً يستجيبون لمبدأ المسالمة هذا، بل إن منهم من يخرجون عن هذا الموقف الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان فيقع منهم الاعتداء على غيرهم، أو على الخيرات التي يتمتع بها هؤلاء الآخرون، ولذلك كان على الذين اختاروا نهج السلم والكف عن العدوان أن يخصصوا طائفة من بينهم للوقوف في وجه هؤلاء المعتدين إذا جاءوا إليهم يطلبون مغالبتهم. والقتال هنا أو الدفاع عن الحقوق ليس نكوصاً عن مبدأ السلم الذي اختاره المجتمع، وإنما هو ضرورة واضطرار، لدفع هذا العدوان الخارجي، الذي يرى أصحابه أن الأصل هو المغالبة والعدوان إلا إذا اضطروا إلى السلم([60]) والأولون أخيار ذوو نفوس سليمة وفضائل قويمة، أما الآخرون فإنهم ذوو نفوس رديئة لأنهم يرون أن المغالبة هي الخير، وأنهم يسلكون السبيل إليها على حسب ما يتيسر لهم من وسائل المجاهرة أو المخاتلة، ثم يبين الفارابي أن الإيمان بالخلود، والبقاء في عالم غير هذا العالم هو من أسباب انحياز مجتمع السلم إلى هذا السلم؛ لأنهم اعتقدوا أن هناك سعادة وكمالاً يصل إليه الإنسان بعد موته وفي الحياة الأخرى، فإن هنا فضائل وأفعالاً فاضلة في الحقيقة يفعلها لينال بها السعادة بعد الموت([61]) وليس هذا من شأن المدن الجاهلة أو الفاسقة وإنما هو من شأن أهل المدينة الفاضلة الذين عاشوا تحت رئاسة حكيم فيلسوف أو نبي، فزكت عقولهم ونفوسهم، وكان مقصدهم من اجتماعهم أن يتعاونوا على الأشياء التي تنال بها السعادة الحقيقة([62]). وقد كان مثل هذا الرأي جديراً بالتفضيل والتقديم والمؤازرة من الفارابي؛ إذ هو يميل إلى حسن الظن في تفسيره للطبيعة الإنسانية، دون إغفال لما في بعض أفرادها من ميل إلى نزعات عدوانية، ثم إن فيه انحيازاً لطابع السلم، الذي يعين على تحقيق الأمن والعدالة للبشر، ويساعد على حفظ الحقوق، واستقرار العمران، واتزان الأفكار، ونمو الحضارة، ثم هو اللائق بحكمة الفلاسفة، ودعوات الأديان إلى تعارف بني البشر وتآخيهم، والوقوف جميعاً في وجه أهل البغي منهم. ولو أفصح الفارابي عن تأييده لمثل هذا الرأي لكان هذا من غُرَر أفكاره، ولحق له أن يجعله من مواطن فخره، لكن الفارابي ساق هذا الرأي كما ساق غيره من الآراء التي لا يخلو سرده لها من غموض، بل إن بعضها جاء في نشرات لا تخلو من تحريف وأخطاء، والأمر يدعو إلى التريث في تحديد مواقفه النهائية في هذه المسألة، وفي كثير غيرها.

على أن ذلك لا يحول بيننا وبين الذهاب إلى أن هذا التفضيل الدقيق لهذه الآراء يدل على إلمامه الواسع بكثير من جوانب النفس الإنسانية، وأنماط سلوكها، ويكشف عن درايته بكثير من أحوال الاجتماع الإنساني.

ولعل بعضها، أو كثيراً منها كان ثمرة لتأمل عميق لهذه الأحوال، على نحو ما نشاهد في تقسيمه للمدن وأنواعها وما يغلب على كل نوع منها، وإمكانه التحول أو التغير في معارف أهلها وأخلاقهم وسلوكهم. ومن هذا الباب حديثه عن النوابت الذين ينشأون في ظل المدن الفاضلة، ولكنهم يفارقون أهلها، ويتزحزحون عن المبادئ والقيم السائدة فيها عجزاً أو انحرافاً، وكذلك طرق العلاج التي ينبغي إتباعها معهم([63]).

تعقيب:

يمكن لنا الإشارة – وقد شارف البحث على نهايته – إلى الملاحظات التالية:

1- أن ما قدمه الفارابي في مجال الفكر الاجتماعي قد امتزج بآرائه السياسية والأخلاقية وآرائه الفلسفية بصفة عامة، وهي مسبوقة ببيان فلسفته الأساسية في الوجود الإلهي والطبيعي، لذلك لم يكن غريباً أن يقدم بين يدي هذه الآراء نظريته في الفيض، وهي إحدى النظريات الجوهرية التي قالها الفارابي، وهي حاضرة في الحديث عن المدينة الفاضلة ورئيسها، وفي الكلام عن المعرفة والأخلاق ونظريته في السعادة، ومن ثم يمكن النظر إلى آرائه الاجتماعية بوصفها امتداداً لتلك الآراء الفلسفية التأسيسية، بحيث لا تقوم لها قائمة دونها، ولا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إلا بعد فهمها.

2- أن ما قدمه الفارابي في هذا المجال يُعَدُّ كثيراً، إذا ما قورن بآراء كثير من الفلاسفة الإسلاميين السابقين واللاحقين، والبحث عن هذه الأفكار لدى الكندي يظلمه؛ لأن كثيراً من مؤلفاته مفقود لم يتم العثور عليه بعد، وقد كان اهتمام ابن سينا (428هـ) بتقديم دائرة معارف فلسفية تتناول الفلسفة في أقسامها المختلفة، من طبيعيات ورياضيات وإلهيات ومقدمات منطقية أكثر من اهتمامه بهذا الجانب الخاص الذي نتحدث عنه هنا، ثم هو تلميذ نجيب تربي على فكر الفارابي وتأثر به. ويكفي – فيما يتعلق بابن باجة – (533هـ) أن نشير أن واحداً من أهم كتبه يتحدث عن “تدبير المتوحد” الذي يسعى عن طريق التأمل العقلي والزهد الروحي إلى الاتصال بالعقل الفعال: ولذلك يظل هذا المتوحد غريباً في عائلته ومجتمعه([64])، وقد كان هذا المتوحد هو موضع الاهتمام الأكبر عنده، ومن ثم قلت العناية بالفكر الاجتماعي. وينطبق هذا الموقف نفسه – وإن يكن بدرجة أقل – على ابن طفيل (851هـ) في رسالة حي بني يقظان التي تدور أحداثها حول ثلاث شخصيات إنسانية: حي بن يقظان وسلامان وأبسال. وقد نشأ حي بن يقظان وحيداً بعيداً عن المجتمع في جزيرة نائية، وأما سلامان وأبسال فقد كانا يعيشان ضمن مجتمع آخر، لكن أبسالا اضطر إلى مفارقة هذا المجتمع لما يسوده من تشدد لا يسمح بتأويل النصوص الدينية؛ بل يقف عند ظاهرها التي اعتمدت في خطابها للجمهور على ضرب الأمثال، لكن أبسالا كان يخالفهم في ذلك؛ لأنه كان “أشد غوصاً على الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل” ولذلك فارق المجتمع الذي كان فيه إلى مكان آخر طلباً للعزلة، واستدامة للفكرة، وملازمة للعبرة والغوص على المعاني، وساقه القدر إلى الجزيرة التي كان يعيش فيها حي بن يقظان منفرداً فالتقى بحي بني يقظان، مع أنه كان عازماً على التناهي في طلب العزلة والانفراد، وقام أبسال بتعليم حي اللغة التي لم يكن يعرفها، لأنه لم يعش مع أحد من بني الإنسان إلى هذه اللحظة، ورغب حي – بعد تجارب عديدة – أن يقوم بتعليم الناس ما عرفه، فاصطحب أبسالاً إلى جزيرته الأصلية، لكنه أخفق في تحقيق ما أراد، بسبب ما وجده من نقص في فطرة أكثر الخلق، وميلهم إلى إتباع الأهواء والشهوات، والتكالب على حطام الدنيا، ولأخذهم بالظواهر، وعجزهم عن التأويل، فاضطر إلى العودة مرة أخرى إلى جزيرة حي بنيقظان ليعبدا الله – في عزلة ووحدة – حتى أتاهما اليقين([65]).

ويتضح من تفاصيل القصة أنه تنصبُ على تقديم منهج في الارتقاء المعرفي، أو بيان رأي في التوفيق بين الدين والفلسفة، ولهذا لم تعن بالمجتمع ولا بالجانب الاجتماعي إلا قليلاً.

ولعل هذه النماذج السابقة تكفي للبرهنة على أن الفارابي – مع سبقه الزمني على من جاءوا بعده – كان أكثر منهم اهتماماً بهذا الجانب الاجتماعي([66]).

3- أوضحنا فيما سبق أن الفارابي لم يقصد إلى دراسة هذا الجانب قصداً، وأن عرضه لهذه الأفكار قد تخلل عرضه لأفكاره وآرائه الفلسفية، ولذلك جاءت وثيقة الصلة بنظرية الفيض الإشراقية، وبآرائه في الوحي والنبوة، وليس غريباً أن تتأثر الآراء العامة للفيلسوف بفلسفته الأساسية، سواء أكانت إبداعاً خالصاً، إذا سلمنا بوجود مثل هذا النوع من الإبداع، أم كانت مزيجاً متناسقاً من فكره الخاص، ومما اقتبسه من فكر الآخرين، بحيث يظهر القسمان وكأنهما شيء جديد موسوم بطباعه الشخصي. ويمكن القول إن هذا الطابع النظري الفلسفي قد غلب على ما ساقه من فكر اجتماعي، حتى إنه لم يلتفت كثيراً إلى ملاحظة الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش في ظله، وهو واقع لم يكن ضحلاً ولا هزيلاً من الناحية الاجتماعية أو السياسية أو الفكرية أو الدينية، وقد كان الانتباه إلى هذا الجانب حقيقاً بأن يمنح أفكاره حيوية ومعاصرة، ويفتح الآفاق لرصد ومعايشة لهذا الواقع بحيث يلامسه ويحلله ويحدد مشكلاته، لكن العزلة التي كان يعيش فيها كان لها دخل في ذلك، لاسيما وقد جاء في ترجمته أنه كان “منفرداً بنفسه لا يجالس الناس. وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون – غالباً – إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ويؤلف هناك كتبه”([67]).

غير أن ذلك لا يكفي وحده للانصراف عن ملاحظة الواقع، فقد سافر وارتحل، وانتقل بين بلاد كبيرة، وطلب العلم في مواطن عديدة، وأدرك من مسائل الفلسفة غوامضها، وألف وشرح، واتصل بالدولة في دوائرها العليا خاصة بعد عيشه في كنف سيف الدولة الحمداني، ومن ثم يبقى للتأثر بالفلسفة وطابعها النظري، وتراثها القديم الوافد من الفلسفة اليونانية الأثر الأكبر في أن تتجه عنايته الكبرى إلى الفلسفة بفروعها المختلفة: الطبيعية والرياضية والميتافيزيقية وبالمنطق ثم بالسياسة والأخلاق. ويزكي هذا الفهم المسلك الذي سلكه الفارابي في حديثه عن إحصاء العلوم، عندما خصص الفصل الخامس من فصول الكتاب للحديث عن العلم المدني([68]) الذي يتضمن آراءه عن الأخلاق والسياسة التي هي ضرورة للحفاظ على الأخلاق، وهكذا تخلو العلوم عنده من علم خاص بالمجتمع؛ لأن سابقيه من الفلاسفة لم يهتموا بهذا الجانب اهتماماً واضحاً، حتى وإن خصص له بعضهم – كأرسطو – علماً ضمن العلوم العملية هو علم تدبير المنزل، الذي يأتي وسطاً بين الأخلاق وعلم السياسة أو علم تدبير المدينة.

4- وإذا كان الاهتمام بهذا الطابع الفلسفي التأملي قد صرف الفارابي عن ملاحظة الواقع الذي كان يعيشه المجتمع الإسلامي في عصره وقبل عصره فإنه صرفه – كذلك – عن استمداد بعض أفكاره – في هذا الجانب – من المصادر الأصيلة للفكر الإسلامي، متمثلة في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وقد كان لهما فضل إنشاء مجتمع جديد قامت دعائمه على الأخوة الإيمانية والإيثار والتكافل ونبذ العصبية، وتأسست العلاقات فيه على أسس جديدة غير التي كانت سائدة في العصر السابق على الإسلام، وتمثل هذا – في صورة أقرب إلى المثالية – في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة من مكة إلى المدينة، ثم كانت العصور التي عاشتها الأجيال اللاحقة زاخرة بعناصر تجربة شديدة التنوع والثراء، بحيث كانت تستحق النظر والتأمل، بحثاً عن الثوابت والمتغيرات فيها، وبياناً لمدى قربها أو بعدها من النموذج القرآني والنبوي، الذي شهده العصر الأول للإسلام، وقد امتلأت الحياة الإسلامية آنذاك بظواهر متضاربة من الفقر والغنى، والزهد والترف، ودب دبيب العصبية والشعوبية مع رفض الإسلام لهما، وانقسمت الحياة الدينية والعلمية مذاهب شتى وفرقاً مختلفة، وقد غاب هذا عن فكر الفارابي وأمثاله، مع أن بحثه كان أولى بالنظر، أو على الأقل كان ينبغي أن يكون له موضع منه، بدلاً من الإغراق الخالص في عرض الآراء والتفسيرات لأسباب الاجتماع الإنساني، وصوره المختلفة. وإنه ليثير الدهشة أو الاستغراب أنه لا يوجد في مثل هذا العرض المفصل عود إلى آية قرآنية أو تأمل لحديث نبوي أو استشهاد بواقعة تاريخية أو استئناس باجتهاد أو رأي لعالم كلام أو فقيه أصولي أو حكمة عربية، ولقد كان بإمكان الفارابي – هو أحد كبار المؤسسين للجانب الفلسفي من الثقافة العربية الإسلامية – أن يجد في هذه الثقافة ما يعمق أفكاره، ويكسبها حيوية وواقعية، ولو أنه صرف همته إلى تأملها واستحيائها والاستمداد منها كما فعل مع التراث اليوناني الذي اجتهد في فهمه وتقريبه إلى الناس بعبارة ميسرة.

وكان هذا ثمرة لطول عشرته لهذا التراث ودأبه في تحصيله حتى إنه ليقال “إنه وُجد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي: إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة. ونُقِل عنه أنه كان يقول: قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس الحكيم أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته”([69]).

وقد لا تخلو هذه الروايات من مبالغة، ولكنها تكشف عن هذه الصلة الوثيقة بهذا التراث والحرص على الإدراك العميق له، وحل مشكلاته وتعقيداته الناشئة عن اختلاف اللغة والمرجعية الثقافية والدينية، والحضارية، ولقد كان يمكن أن تكون المعرفة بهذه التراث سبيلاً لإجراء المقرنات بين ما هو وافد وما هو أصيل، واستكشاف القسمات العامة التي تخضع لها المجتمعات الإنسانية في تطورها وتدهورها، ثم استكشاف الخصائص الذاتية التي تتميز بها أمة عن أمة، ولقد كان يمكن الاهتداء – عندئذ إلى بعض القوانين العامة التي جاءت في سياق القصص القرآني، أو في مقام التعليق على بعض الأحداث المهمة التي وقعت في عصر النبوة، وهي قوانين نفسية واجتماعية لا تقل في ثباتها وتأثيرها عن القوانين الطبيعية، فكلاهما لا يحدث صدفة، ولا بطريقة عشوائية، وهما لا يحدثان بعيداً عن الإرادة الإنسانية والفعل الإنساني، كما يرى القائلون بالجبرية الطبيعية من الفلاسفة والمتكلمين والصوفية، بل وبعض علماء الاجتماع في القديم والحديث، ومن ذلك على سبيل المثال لا ا لحصر:

– (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) [آل عمران: 137].

– (إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ…) [آل عمران: 140].

– (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165].

– (ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ…) [النساء: 104].

– (إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…) [الرعد: 11].

– (وتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) [الكهف: 59].

– (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 52].

– (وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: 16].

– (واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 116، 117].

– (………إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ) [يونس: 81].

– (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ) [البقرة، 251]، وانظر الآية [الحج: 40].

– (ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]، إلى آيات كثيرة أخرى.

وهي قوانين صالحة للتطبيق على المجتمعات الإنسانية، إذا تحققت شروطها، وهي مبثوثة في القرآن لاستخلاصها والانتفاع بها في معرفة الواقع وتصور المآلات التي يمكن أن يؤوب إليها، وهي تتحدث عن تداول الأيام وتدافع القوى الاجتماعية على مستوى المجتمع الواحد أو على مستوى الحضارات، وعن تأثير الظلم والترف والفساد في حياة وأخلاقها، وما يترتب على ذلك من ضعف أو تدهور أو زوال.

5- ولقد كان على علم الاجتماع أن ينتظر طويلاً حتى يخرج إلى ساحة العلم – في العالم الإسلامي – رجل كابن خلدون (808هـ) الذي قصد إلى دراسة التاريخ الذي هو “خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض… وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم بطبيعته من الأحوال”([70]) ولم يكن التاريخ لديه مجرد سرد للوقائع، وحكاية للأحداث، على أي نحو أتفق، بل إنه كما يقول “… وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق”([71]) وكان من أهم وسائله للتأكد من صدق الأخبار وإمكان وقوعها أنه عني بالنظر “في أحوال العمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية”([72]).

ومن أجل هذا لم يترك شيئاً مما يعرض في العمران “من دولة وملة، ومدينة وحلة، وعزة وذلة، وكثرة وقلة، وعلم وصناعة… وأحوال متقلبة مشاعة، وبدو وحضر، وواقع ومنتظر…” ([73]) وكان العلم بطبائع العمران من أهم الأسس التي لجأ إليها لتمحيص الأخبار “فإذا كان العلم بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيض الخبر، [و] على تمييز الصدق من الكذب”([74]) وأداء هذا إلى التوصل إلى علم جديد كأنه مستقل بنفسه كما يقول “فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل، وهي بيان ما لحقه من العوارض والأحوال الذاتية”([75]) ولم يكن ابن خلدون وهو يستنبط هذا العلم الجديد بمعزل عن الإفادة من التراث الإنساني شرقيه وغربيه، أو بعيداً عن كلمات بعض علماء الخليقة كما يقول ولا متجاهلاً لفلسفة بعض فلاسفة اليونان كأرسطو([76]) ولكنه لم يكن كذلك بعيداً عن الدراية العميقة بالعلوم الإسلامية التي كان لها شأن عظيم في اكتشافه لهذا العلم، ومنها: علم الحديث ومصطلحه وعلم أصول الفقه وعلم الفقه، وما استمده منها من أصول، وما أرشدت إليه من مقاصده الشريعة في الأحكام، وقد كان من بين مسائلها ما جعله عناوين لبعض مباحثه، وهي ترجع في أصلها إلى القرآن الكريم([77]).

وهكذا سلك علم الاجتماع أو علم العمران طريقاً جديداً على يد ابن خلدون الذي استحق أن يكون موضع تقدير الباحثين في تاريخ ها العلم، المتتبعين لتطوره، حتى جعلوه من أكبر رجاله من قدامى ومحدثين([78]).

المصادر : 

  • [*] الأستاذ بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
  • [1] أرسطو: السياسة، ترجمة من الإغريقية إلى الفرنسية بارتلمي سانتهيلير، ونقله إلى العربية الأستاذ لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979م، ص96.
  • [2] يراجع كتاب “الجمهورية”، ترجمة أ.د. فؤاد زكريا، طبعة الهيئة العامة للكتاب 1985، ص179 وما بعدها.
  • [3] انظر مثلاً: ص290، 325 ومواطن أخرى.
  • [4] انظر: الساسة ص97، وكذا ص96.
  • [5] انظر مقدمة: سانتهيلير لترجمة كتاب السياسة لأرسطو إلى الفرنسية، ثم نقله على العربية أحمد لطفي السيد: ص32.
  • [6] انظر: الأستاذ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر ط5/1966 ص118.
  • [7] انظر: د. علي عبد الواحد وافي: علم الاجتماع، دار نهضة مصر للطبع والنشر ط2/1979 ص23، 24.
  • [8] انظر: د/ محمد عاطف غيث: مقدمة في علم الاجتماع، دار المعارف، مصر ط1/1963، ص13، 14، د. عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، عالم المعرفة، الكويت، 1981 ص77 وما بعدها، د/وافي، مرجع سابق، 27، 92 – 94 ومراجع أخرى.
  • [9] انظر المراجع المذكورة في الهامش السابق، في مواضيع مختلفة، وانظر كذلك: مقدمة د. محمود قاسم لترجمة كتاب دور كايم: قواعد المنهج في علم الاجتماع، النهضة المصرية 1974 ص3 وما بعدها، وبوتومور: تمهيد في علم الاجتماع، ترجمة د. محمد الجوهري وآخرين، دار المعارف، مصر ط6/1983 ص31، 32، 38.
  • [10] جمال الدين أبو الحسن القفطي: أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دار الآثار للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان ص182.
  • [11] ظهير الدين البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام بعناية الأستاذ محمد كرد علي، مطبوعات اللغة العربية بدمشق، طبعة مصورة عن الطبعة الأولى 1988 ص30.
  • [12] ابن خلكان: وفيات الأعيان… تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 5/153.
  • [13] انظر: الموضعين السابقين.
  • [14] انظر أوليري: الفكر العربي ومكانه في التاريخ، ترجمة د. تمام حسان، طبع المؤسسين المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر د.ت ص166.
  • [15] انظر ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق د/ نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت د.ت، ص609.
  • [16] انظر القفطي: أخبار… 182، 183.
  • [17] انظر ابن أبي أصبيعة: عيون الأنباء ص603 وقد امتدت أسفاره إلى مصر أيضاً كما يقول ابن أبي أصبيعة في المواضع نفسه.
  • [18] هتنري كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلامية مذ الينابيع حتى وفاة ابن رشد، ترجمة نصير مروة، وحسن قبيسي، منشورات عويدات، بيروت باريس ط3/1983 ص243، وقد كتب الكتاب بالتعاون مع السيد حسين نصر، والسيد عثمان يحي كما جاء في صفحة العنوان.
  • [19] انظر مثلاً: قائمة كتبه وشروحه ومختصراته في عيون الأنباء 608، 609.
  • [20] الفارابي: كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح ط2/1948 ص77، 78 وسنشير إليه – اختصاراً فيما بعد بـ: آراء، وانظر: كتاب السياسة المدنية نشره د. علي بو ملحم، دار مكتبة الهلال، بيروت ط1/1996 ص73.
  • [21] انظر د. عاطف غيث: مقدمة في علم الاجتماع 38، 39، ومقدمة د. محمود قاسم لترجمة كتاب: قواعد المنهج في علم الاجتماع لدور كايم ص5.
  • [22] انظر: اتجاهات نظرية في علم الاجتماع: مرجع سابق 18، 19 وما بعدها، علم الاجتماع د. وافي ص101 وما بعدها، د. علي الوردي: منطق ابن خلدون: دار كوخان، بيروت ط2/1994 ص157، 158.
  • [23] انظر عبد الحميد مدكور: دراسات في علم الأخلاق، نشر دار الهاني 20005 ص28 وما بعدها، 195 وما بعدها.
  • [24] آراء… ص78 ويشبه أن يكون معنى المحلة هو ما نطلق عليه الآن: الحي، ويدل على ذلك قوله في السياسة المدنية “والاجتماعات في المحال والاجتماعات في القرى كلتاهما لأجل المدينة، غير أن الفرق بينهما أن المحال أجزاء للمدينة، والقرى خادمة للمدينة” ص74 وأما السكة فهي الزقاق أو أوسع من الزقاق، سميت بذلك لاصطفاف الدور فيها على التشبيه بالسكة من النخل. لسان العرب، مادة سكك.
  • [25] آراء… ص78.
  • [26] آراء… ص79، وانظر 80.
  • [27] آراء: 80.
  • [28] آراء: 81.
  • [29] انظر مقدمة سانتهيلير لترجمة كتاب السياسة ص39 – 41، وانظر 326 وما بعدها، 331 وما بعدها.
  • [30] انظر آراء… ص21 وهذا ما تتضمنه نظرية الفيض الفارابية، التي تأثر بها وادخل عليها بعض التعديلات: ابن سينا، وقد هوجمت النظرية هجوماً شديداً حتى من الفلاسفة كابن رشد: انظر مثلاً: تهافت التهافت، نشرة – سليمان دنيا، دار المعارف 1969، ح1/401، 402، 411 وتحتاج أوجه النقد التي وجهت إليها من المفكرين الإسلاميين كالغزالة وابن تميمة وأمثالها إلى عرض مفصل لا يتسع له المجال.
  • [31] آراء: 82، 83.
  • [32] انظر كوريان: تاريخ الفلاسفة الإسلامية ص242، 247، 249.
  • [33] آراء: 83 – 85 ويقول الفارابي إنه لا يصل إلى هذا المقام إلا من كان في أكمل مراتب الإنسانية، وهذا الواصل إما فيلسوف حكيم وإما نبي منذر. وأداة التلقي في الفيلسوف هي العقل، وأداة التلقي في النبي هو القوة المتخيلة. آراء: ص86 ويلقي هذا القول ظلالاً كثيفة على مسألة المفاضلة بين النبي والفيلسوف عند الفارابي.
  • [34] آراء: 86، والسياسة المدنية ص79.
  • [35] آراء: 87.
  • [36] آراء: 87 – 90. ويلاحظ أنه يذكر بعض هذه الشروط في شروط الفيلسوف الحق لا الفيلسوف الزور، مقتبساً إياها من أفلاطون في كتابه السياسة، انظر: كتاب تحصيل السعادة، تحقيق د. جعفر آل ياسين – دار الأندلس، ط1/1981 ص94، 95، ثم يلاحظ – كذلك أن هذه الشروط وإرادة لدى إخوان الصفا في الرسائل، انظر: ج4/129، 130، فهل نقلا معاً عن أفلاطون؟ أو نقل أحدهما عن الآخر؟ وإذا كان فمن الذي نقل عمن؟ وهي أسئلة تتعذر الإجابة عنها دقيقة أو يقينية في ظل غيبة الوثائق والمعلومات المتعلقة بإخوان الصفا.
  • [37] انظر: آراء 102، 103.
  • [38] آراء: 93، 94 وانظر: التنبيه على سبل السعادة، ضمن مجموع رسائل الفارابي، طبع حيدر أباد الدكن 1926 من 7 – 9.
  • [39] الآراء والتنبيه في الموضوعين السابقين.
  • [40] السياسة المدنية ص95، والمقصود بالأجسام السماوية: الأجسام الفلكية التي تؤثر حركتها في الأرض وما عليها ومن عليها، والمقصود بالشرِّين: الشر الكامل المطلق والشر الغالب الكثير الذي يمتزج به قليل من الخير، والمقصود بالخيرين: الخير التام المطلق والخير الغالب الذي يمتزج به شر قليل.
  • [41] انظر السياسة المدنية 99، 100 ثم هو يقسمهم – بعد ذلك – أقساماً عديدة انظر 120 – 125 وهو يقسو في الحكم عليهم ويدعو إلى معاملتهم مثل البهائم ص100.
  • [42] انظر: آراء 90 وما بعدها، والسياسة المدنية 99 وما بعدها ثم يضاف إلى هؤلاء كلامه عن النوابت، فكأن المضادات أربعة أنواع.
  • [43] انظر آراء 90 – 92، والسياسات المدنية 100 – 119 وهي أكثر تفصيلاً وقارن: الضروري في السياسة 168، 169، 178، 185 ومواضع أخرى.
  • [44] انظر السياسة المدنية 119 – 120، وانظر 92، 93 آراء…
  • [45] انظر: أزفند كولبه: المدخل إلى الفلسفة، ترجمة د. أبو العلا عفيفي، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1942 ص92، 342.
  • [46] تحصيل السعادة 90.
  • [47] آراء: 79.
  • [48] انظر آراء: 91، 92، وانظر السياسة المدنية 100 – 115 وقارن الضروري في السياسة 168، 169، 178، 185.
  • [49] انظر السياسة المدنية: 119، 120.
  • [50] انظر السياسة المدنية: ص120.
  • [51] انظر آراء: ص92، 93.
  • [52] انظر آراء 107 – 109.
  • [53] السابق 109، 110.
  • [54] أرسطو: السياسة ص103، 105، ومواضع أخرى.
  • [55] آراء: 110 – 112.
  • [56] آراء: 112، 113.
  • [57] آراء: 113: 114.
  • [58] آراء: 117.
  • [59] انظر: ديوان المتنبي دار صادر، ط1/2000 ص369… وعيون الأخبار لابن قتيبة، طبع لهيئة المصرية العامة للكتاب 2/191، ودراسات في الأخلاق لصاحب هذا البحث 99 – 101.
  • [60] انظر آراء: 118، 119.
  • [61] انظر آراء: 119، 120.
  • [62] انظر آراء: 79.
  • [63] انظر: السياسة المدنية 120 – 123.
  • [64] انظر: كوريان: تاريخ الفلسفة الإسلامية 344 – 346.
  • [65] انظر: ابن طفيل، حي بن يقظان، نشره الأستاذ أحمد أمين، دار المعرف، مصر ط3/1966 ص113، 114 وما بعدها إلى ص122.
  • [66] من المعلوم أن ابن رشد كتب كتاب الضروري في السياسة، الذي يقوم – في مجمله وجوهره – على ترجمة كتاب الجمهورية لأفلاطون، وإن كان ما كتبه من خارج الأفق الأفلاطوني يناهز ثلث الكتاب، كما يقول د. محمد عابد الجابري في مقدمته لتعريب الكتاب (ص56). وقد تحدث في (ص57) من المقدمة، وص139، 168، 169 من النص نفسه، والكتاب بصفة عامة يغلب عليه الطابع السياسي الأفلاطوني، ويقل فيه الكلام عن الجانب الاجتماعي، الذي هو موضوع هذا البحث. راجع الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. نقله عن العبرية إلى العربية: د. أحمد شحلان. مع مقدمة تحليلية للدكتور محمد عابد الجابري. طبع مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط1/1998، ولا يخلو الكتاب من تأثر بالفارابي ومصطلحاته، – ومنها الكلام عن رئاسة الكرامة ورئاسة الخسة، والكلام عن درجة رئيس المدينة من حيث الإدراك النظري أو القدرة على الإقناع والتخيل أو الاستنباط. انظر 168، 169 وهي مسائل ليست واردة على هذا النحو الذي لدى أفلاطون، ولكنها واردة عند الفارابي في كلامه عن رئيس المدينة الفاضلة وأنواع المدن غير الفاضلة في كتابيه: آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية. والأمر – على كل حال – يقتضي مقارنة تفصيلية أوسع، ولكن لا يتسع لها المقام.
  • [67] وفيات الأعيان 5/156.
  • [68] انظر: إحصاء العلوم، تحقيق د. عثمان أمين، الأنجلو المصرية ط3/1968 ص134 وما بعدها.
  • [69] وفيات الأعيان 5/154.
  • [70] مقدمة ابن خلدون، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، طبع مكتبة الأسرة 2006، القاهرة عن طبعة لجنة البيان، حـ1/329.
  • [71] السابق 1/282.
  • [72] السابق 1/285
  • [73] السابق 1/287، وانظر 1/320، 329.
  • [74] السابق 1/330.
  • [75] السابق 1/332.
  • [76] انظر: المقدمة 1/333 – 336.
  • [77] السابق 1/334.
  • [78] انظر مثلاً: د. علي الوردي: منطق ابن خلدون 103 وما بعدها، د. سفتيلانا باتسييفا: العمران البشري في مقدمة ابن خلدون، ترجمة عن الروسية أ. رضوان إبراهيم، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986 ص83، 164، 2020، 238، 239، د. عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نظرية في علم الاجتماع 77 وما بعدها إلى 83، 95، 137، د. علي عبد الواحد وافي: علم الاجتماع: في صفحات كثيرة منها: 92 – 95، 99، 116، 117… الخ.