خصائص القائد وفق منظور الفارابي

خصائص القائد وفق منظور الفارابي دراسة مقارنة

الباحث : د. غسان عيسى إبراهيم العمري*/جامعة عمان العربية – كلية الأعمال
الملخص :
هدف البحث إلى التعرف على خصائص القائد الموروثة والمكتسبة وفق منظور الفارابي ومقارنتها مع أبرز النظريات والمدارس الفكرية المعاصرة في القيادة.  ساهم البحث في تقديم معلومات ومعرفة مفيدة في مجال القيادة التي أصبحت تدرس في الجامعات ومراكز التدريب ومؤسسات تطوير القادة في مجالات متعددة منها التدريب والتنمية والتأهيل أوضح الباحث أهمية موضوع القيادة وأهدافه وافتراضاته ومشكلته وقد توصل بالقياس والاستدلال إلى مجموعة من النتائج والتوصيات في هذا الحقل المعرفي. كلمات مفتاحية: خصائص القائد الفطرية والمكتسبة، نظريات (السمات، السلوكية، الموقفية والمعاصرة) في القيادة.

المبحث الأول: الإطار العام للبحث

1-1 مدخل البحث

تتسم الممارسات الإدارية فهي قديمة قدم التاريخ البشري، إذ يندر أن تخلو حضارة أي أمة منها، رغم اختلافها في المضمون والشكل، ولعل خير مثال على ذلك الحضارة العربية والإسلامية اللتان تزخران بمثل تلك الممارسات الإدارية بصورة عامة وفي موضوع القيادة بصورة خاصة، ولقد استحوذ موضوع القيادة على اهتمام العديد من المفكرين والعلماء والكتاب الأجانب والعرب والمسلمين في تشخيص خصائص القادة على مر العصور، وإن كانت هذه الكتابات لم تأت في حقل متخصص بهذا المفهوم وبهذه التسمية على وجه التحديد إنما تم التعرض لمواضيع متداخلة للقيادة والقائد كالإمامة والرئاسة والخلافة والإمارة مثلا

إن الأمانة العلمية تملي على الباحث إرجاع الحق إلى أهله، وأنه ليس من العدل بخس الناس العقول المفكرة نتاجاتهم الفكرية، ليقول بأن الكتابات المتخصصة عن القيادة جاء بها علماء غربيون في محاولة لإخراج تلك الممارسات الإدارية إلى علوم يتم تدريسها، ومحاولة تدريب القادة وتنميتهم وتطويرهم، وإكسابهم المهارات المتصلة بجوهر مهامهم لتمكينهم من النهوض بأدوارهم القيادية والتأثير على التابعين للمساهمة في تحقيق الأهداف وفق أسلوب المشاركة والتعاون.

وبرغم غياب الاتفاق على نظرية بعينها أو مجموعة نظريات محددة فقد كانت في حقيقتها مجرد محاولات لمعرفة فاعلية، القائد، ولذلك جاءت الدراسات التي أسهمت بها مراكز بحوث القيادة في الدول الغربية على وجه التحديد لتشير إلى تلك الظاهرة بأن تركيز النظريات المختلفة في القيادة سواء أكانت نظريات السمات أم السلوكية أو الموقفية لا يزال منصبا على العوامل المسببة لفاعلية القيادة، وبعبارة أخرى هل يمكن تحديد خصائص أو أنماط سلوكية أو موافق تمكن القادة ليكونوا أكثر فاعلية من غيرهم؟

ولتوضيح ذلك فإن مهمة البحث تتجه إلى أمور مرتبطة ببعضها، إذ ينبغي التأسيس عليها والقياس بالاستدلال بمجموعة تصف جوهرها مشكلة البحث وأهميته ومبرراته وأهدافه وافتراضاته، وصولا إلى نتائج واستنتاجات وتوصيات يمكن أن تعين وترشد الباحثين في هذا الحقل المعرفي للوصول إلى الهدف المنشود والغاية المقصودة.

1-2 مشكلة البحث وأسئلته

تنطلق مشكلة البحث من وجود فجوة معرفية بين ما كتب عن القيادة والقائد من قبل المفكرين والعلماء العرب والمسلمين الأوائل من أمثال الفارابي بين ما كتب عن موضوع القائد من حيث خصائصه وسلوكياته والنظريات المفسرة لها عند العلماء الغربيين من ناحية أخرى، حيث يتعذر اعتماد منهج متكامل للقيادة يصلح للتطبيق في كل المواقف والأوقات، وبعبارة أخرى فإن البحث يشخص مجموعة تساؤلات آتية:

  • ما هي مساهمات الفارابي في مجال القيادة والقائد؟
  • بماذا تختلف مساهمات الفارابي في القيادة عن مساهمات علماء القيادة الغربيين.
  • كيف يكون القائد ناجحا وفق منظور الفارابي
  • من هو القائد وما هي خصائصه الفطرية والمكتسبة وفق منظور الفارابي
  • أين موقع القائد في الهيكل التنظيمي وما هي أهمية وجوده في المؤسسة وفق منظور الفارابي؟
  • هل يمكن إكساب القائد خصائص تجعله ناجحا في قيادته؟
  • إذا فطر القائد على خصائص واكتسب أخرى فهل ستكون قيادته فاعلة في كل الظروف والأحوال؟

1-3 أهمية البحث

نظراً لأهمية موضوع القيادة وموقعها في العمليات الإدارية والدور الذي يلعبه من يرأس الجماعة ويقودها وطبيعة المهام الملقاة على عاتقه وعلاقاته مع مرؤوسيه، فإن هذا البحث المتواضع جاء ليلقي الضوء على خصائص القائد الموروثة والمكتسبة التي أشار إليها العديد من الكتاب والمفكرين العرب والمسلمين وعقد مقارنة بينها وبين النظريات الحديثة التي أصبحت تدرس في ميادين هذا العلم ومحاولة التوفيق بين الآراء المتباينة للنظريات المختلفة بهذا الخصوص

ولا بد من إبراز دور بعض علماء المسلمين والعرب في الإشارة إلى موضوع خصائص القائدة منذ أزمان خلت ومقارنتها مع أبرز نظريات الإدارة الحديثة ولإثراء المكتبات التي قد تفتقر إليها أحيانا.

1-4 أهداف البحث

يهدف هذه البحث إلى:

  • التعرف على خصائص القائد الفطرية وفق منظور الفارابي.
  • التعرف على خصائص القائد المكتسب وفق منظور الفارابي.
  • التعرف على خصائص القائد وفق ما جاء به العلماء العرب والمسلمين
  • محاكاة منظور الفارابي لخصائص القيادة مع ما جاء به علماء القيادة المحدثين
  • إلقاء نظرة على أبرز نظريات القيادة وأنماط القيادة كما وردت في أبيات القيادة المعاصرة
  • تجسير الفجوة المتعلقة بمشكلة البحث.

1-5 منهجية البحث

اعتمد الباحث في إجراء البحث على استخدام المنهج التاريخي والمنهج الوصفي في عقد المقارنات وبيان جوانبها وعلاقاتها المختلفة.

1-6 محددات البحث

محدودية المراجع التي بحثت في موضوع القيادة والقائد وفق منظور الفارابي وتوجه نظريات القيادة.

محدودية المراجع المنشورة التي بحث في موضوع القيادة عند العلماء والمفكرين المسلمين إلا ما ذكر كإشارات عابرة عن تلك المساهمات الفكرية ومن قبل علماء غربيين.

1-7 محتويات البحث

اشتمل البحث على مباحث أربعة: تناول المبحث الأول: الإطار العام للبحث، وأفرد المبحث الثاني: لخصائص القائد الفطرية (الموروثة)، وخصص المبحث الثالث: لخصائص القائد المكتسبة، واختتم المبحث الرابع: بالنتائج والتوصيات.

المبحث الثاني: 

خصائص القائد الموروثة( الفطرية)

2-1تمهيد

الخصائص لغة: من الفعل الثلاثي خصص: خصصه بالشيء يخصه خصا “وخصوصا” وخصوصية وخصيصي وخصصه واختصه: أفرده به دون غيره، أو آثره به على غيره واختصه لنفسه: اختاره فهو خاص. والخاصة: خلاف العامة. والخصيصة هي الصفة التي تميز الشيء وتحدده وجمعها خواص. أما الخصلة: فهي خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رذيلة[(1)].

القيادة لغة: مصدر القيادة: قال ابن منظور في لسان العرب: والقود نقيض السوق، يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها، ويقال: هذه الخيل قود فلان القيادة وجمع قادة الخيل قادة وقواد، والقائد من الإبل الذي تقدم الإبل[(2)].

القيادة اصطلاحا من القيادة، والقيادة كلمة يونانية الأصل مأخوذة من معنى الفعل اليوناني بمعنى يبدأ أو يقود أو يحكم، وتقوم القيادة على علاقة اعتمادية متبادلة بين من يبدأ بالفعل ومن ينجزه، ويترتب على هذه العلاقة تمثيل دورين متباينين: الأول: من يتولى القيام بالعمل، وهو القائد، ووظيفته إعطاء الأوامر وهذا واجب عليهم، ومن هنا فإن القائد هو الشخص الذي يوجه أو يرشد أو يهدي الآخرين[(3)].

وقد عرفت القيادة الإدارية بأنها “القدرة في التأثير على مجموعة نحو تحقيق الرؤية أو مجموعة الأهداف”[(4)]، ولتحسن مقدرة القائد وقيامه بدوره بفعالية لا بد له من معرفة أحوال الأفراد الذين يعملون معه ويتطلب منه ذلك سلوكا معينا كالاعتناق والتقمص: وهي مقدرة الشخص على تفحص الأمور والنظر إليها من زاوية الشخص ألآخر، الإدراك الذاتي ويعني تقيم نفسه بين الآخرين تقيما صحيحا، الموضوعية: وهي المقدرة على تحليل الوضع الراهن تحليلا عقلانيا دون تدخل مؤثر للعاطفة.

شبه الفارابي القائد بالقلب بالنسبة للجسد، عندما ذكر بأن القلب يفوق بقية الأعضاء تماما وكمالا فهو أكملها بنفسه من جهة خلقه وتركيبة أجزائه، أيضا فيما يختص به من الوظائف والأعمال التي يشاركه فيها غيره من الأعضاء[(5) ].

وذكر الفارابي بصريح العبارة الخصائص الموروثة (الفطرية) عندما قال: ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق فإن الرئاسة إنما تكون بشيئين أحدهما بالفطرة معداً لها وهو موضوع هذتا المبحث الثاني، فيما ذكر الثاني: بالهيئة والملكية الإرادية وهو ما سيكون عليه المبحث الثالث

الخصائص الفطرية أو الموروثة: وهي الخصائص التي لا دخل للقائد بها من حيث صناعتها ووجودها، فهي من الله وحده الذي خلقه، وأودع فيه هذه الخصائص وأمده بها كي يمتاز عن غيره ويضطلع بالدور الذي سيوكل إليه، ويعينه على الواجب الذي ينتظره.

قال تعالى في سورة الزخرف:” ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا “[(6) ]، بضم السين من التسخير بمعنى: الاستخدام، لا من السخرية بمعنى: الهزء.

2-2 

خصائص القائد الموروثة (الفطرية) وفق منظور الفارابي: 

(265 – 339)[(]

ذكر الفارابي خصائص القائد الموروثة في معرض قوله “فهذا الرئيس الذي يرأسه إنسان آخر أصلا، وهو الأمام وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة وهو رئيس الأمة الفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلها، ولا يمكن أن تصير هذه الحال إلا لمن اجتمعت فيه بالطبع اثتنا عشرة خصلة قد فطر عليها:

أن يكون تام الأعضاء قواها مؤاتية أعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكون بها، ومتى هم عضو ما من أعضائه بعمل يكون به أتى عليه بسهولة، ثم أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له فيلقاه بفهمه على ما قصده القائل وعلى حسب الأمر في نفسه، ثم إن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه وفي الجملة لا يكاد ينساه، ثم أن يكون جيد الفطنة ذكيا إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل، ثم أن يكون حسن العبارة يؤاتيه لسانه على إبانه ما يضمره إبانة تامة، ثم أن يكون محبا للتعليم والاستفادة منقادا له سهل القبول لا يؤلمه تعب التعليم ولا يؤذيه الكد الذي يناله منه، ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح متجبنا بالطبع للعب مبغضا للكذب وأهله، ثم أن يكون كبير النفس محبا للكرامة تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها، ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده، ثم أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله، ومبغضا للجور والظلم وأهلهما يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه ويؤتي من حل به الجور مؤاتيا لكل ما يراه حسنا وجميلاه، ثم أن يكون عدلا غير صعب القياد ولا جموحا ولا لجوجا إذا دعى إلى العدل بل صعب القياد إذا دعى إلى الجور وإلى القبيح، ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل جسورا عليه مقدما غير خائف ولا ضعيف النفس[(7)].

ومما تجدر الإشارة إليه أن كلود جورج الابن، قد أشار في كتابه تاريخ الفكر الإداري إلى إسهام الفارابي في هذا المجال عندما ذكر خصائص القائد أو عام 900م[(8)]، وفيما يلي تفصيل خصائص القائد وفق منظور الفارابي.

“أن يكون تام الأعضاء قواها مؤاتية أعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكون بها، ومتى هم عضو ما من أعضائه بعمل يكون به أتى عليه بسهولة”

توضح هذه الخاصية سلامة الجسم والصحة: لكي تقوم هذه الأعضاء التي يتكون منها الجسم بأعمالها التي خلقها الله سبحانه لها، لأن النقص فيها سيؤدي إلى قصور في عملها، وهذا ما يجب أن يسلم منه القيادة وخاصة إذا ما ارتقى إلى أعلى درجات السلم القيادي وهو رئاسة الدول، ولتوضيح هذا الأمر فإن فقدان اليدين على سبيل المثال يؤثر في النهوض وسرعة الحركة وتشوه المنظر كما أنها تضعف من هيبة القائد في نفوس أتباعه.

“أن يكون بالطبع جيد الفهم والمنظور لكل ما يقال له ويتلقاه بفهمه على ما يقصده القائل وعلى حسب الأمر في نفسه”.

وتتعلق هذه الخصيصة بالعقل وجودة الفهم والإدراك والفكر والرؤية والذكاء والفطنة التي تمكن القيادة من التفكير في قضايا الرعية، وإيجاد الحلول المناسبة لها، ولذلك لا يكفي من القائد أن يكون عاقلا غير مجنون.

“ثم أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه في الجملة فلا يكاد ينساه”.

تتعلق هذه الخصيصة بجودة الحفظ لكل ما سبق وأن فهمه وإدراكه، ولما سبق وأن رآه أو سمعه، ولكل ما سيأتي من أمور تستحق منه فهما بالشكل الذي هي عليه بالحال وأبعد من ذلك بما ستكون عليه مستقبلا وبهذا إشارة إلى التجديد والتحديث المستمرين.

“أن يكون جيد الفطنة ذكيا إذا رأى شيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل”.

جودة الفطنة والذكاء، وهي هبة من الله تعينه على فهم الأمور وتتعلق ببعد نظره وأنه يفهم بالتلميح، ويعي الأمر على الوجه الذي قصد منه كأنه تصريح، مما سيعينه على الحكم الأصوب على الأمور.

“أن يكون حسن العبارة يؤاتيه لسانه على إبانة كل ما يضمره إبانة تامة”.

تدل هذه الخصيصة المحمودة على حلاوة اللسان وفصاحته وطلاقته، حيث أنه يستطيع التعبير عما في داخله ويوضحه للسامع بما يمكنه من الاطلاع على مكنونات صدره، وبذلك يكون واضح المعالم تبدي علانيته ما تضمر سريرته، ويكون ذلك بانتقاء الألفاظ الحسنة ذات الدلالات الواضحة المعبرة، وفي هذا إشارة إلى معنى الخطابة والإلقاء واستخداماتها في مهارات الاتصال والإقناع والتوجيه.

“ثم أن يكون محبا للعلم والاستفادة منقادا له سهل القبول لا يؤلمه تعب التعليم ولا يؤذيه الكد الذي يناله منه”.

لقد ذكر الماوردي في شروط أهل الإمامة، الشرط الثاني، بأنه العلم الذي يؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام[(9)]، وهو ضرورة للإمام أو القائد حيث أن العلم وحبه من واجبات القائد، فالعلم ليس غاية إنما وسيلة، يستطيع من خلال مدلولاته التحاور مع الآخرين، مما يسهل عليه مناقشتهم بما ليس مقنعا من الأمور وقبول الآراء المقنعة بالحوار حينا وبالتفاوض حينا آخر، وبالجدال بالتي هي أحسن في أحايين أخرى، كما انه يكون متشوقا لطلب العلم، صبورا على متابعه، فلا يرهقه ولا يؤذيه الجد في طلبه، ويترتب على ذلك إكرامه للعلماء وتشجيعه للتعليم وفتح المدارس والمعاهد والجامعات واعتبارها منارات هداية بحيث يقدم لها كل الإمكانات المتاحة في سبيل الرقي بها نحو أهدافها المنشودة ومنها الاستثمار في رأس المال البشري وهو العنصر الأهم في الاقتصاد والتنمية.

“ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح متجبنا بالطبع اللعب مبغضا للذات الكائنة عن هذه”.

على القائد وهو ينظر لإشباع حاجاته الأساسية أن تكون بمثابة وسيلة للعيش لا غاية يفنى عمره في تحقيق المزيد منها نحو ما قد يوصله إلى التخمة والسمنة المخلة بالصحة، ولعل الحديث الشريف الذي دعا المسلم ليجعل ثلثا لطعامه وثلثا لشرابه وثلثا لنفسه خير معين على فهم المقصود، وحتى النكاح أن يكون مقتصدا فيه مبتغيا الأجر وأن ينصرف على المحرمات، ثم أن يتجنب اللهو والملذات وما فيها من ضياع للوقت والجهد، إذ أن مهمته عظيمة وواجباته كبيرة يتنافى معها اللهو على إطلاقه والملذات على كواهلها.

“أن يكون محبا للصدق وأهله ومبغضا للكذب وأهله”.

لم يكتف الفارابي بذكر خاصية الصدق وإنما اشترط على القائد حب الصدق وأهله وبغض الكذب وأهله، وهذا معنى عميق لقيمة عظيمة تقتضي من القائد عدم مجالسته (الكذابين) وعدم الاستماع إليهم ولا تقريبهم منه منصبا ولا وظيفة، وعلى العكس من ذلك عليه حب الصدق وأهله وتقريبهم منه مجلسا ومنصبا ووظيفة، وهنا إشارة إلى ضرورة صلاح البطانة ممن حوله مما يعينه على المشورة الصادقة في إبداء الرأي وتبادله لا في إبداء القول الذي يوافقه هواه حتى وإن كان مجافيا للحقيقة وبعيدا عن الصواب.

“أن يكون كبير النفس محبا للكرامة، تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها”.

أي أن يكون عزيز النفس غير متكبر، يحب الكرامة وعدم إحراج الآخرين أو أهانتهم أو التسبب بإيذائهم، وبفعله هذا تكبر نفسه بنظره وبنظر الرعية حوله، كيف لا وهو القدوة أو هكذا ينبغي أن يكون، كما عليه أن يبذل جهده للترفع عن كل ما يشين من الأفعال غير اللائقة بمركزه ومكانته وان تسمو نفسه بالطباع الحميدة.

“أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده”.

وهذا توضيح لمعنى الزهد في حب الدنيا وأعراضها، فلا يكون همه جمع المال واكتنازه، كما أن سائر مغريات الحياة لن تغويه، ولن تجعله يحيد عن جادة الطريق، ليس حب المال وجمعه بشتى صنوفه غاية يلهث ورائها، وإنما هي وسيلة لسد حاجاته وقوته ومصروفاته الضرورية متمثلا قول الله سبحانه ” إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ “[(10) ].

“أن يكون محبا للعدل، وأهله مبغضا للجور والظلم وأهلهما، يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه ويؤتي من حل به الجور، مؤاتيا لكل ما يراه حسنا وجميلا ويكون عدلا غير الصعب القياد، ولا جموحا ولا لجوجا إذا دعى إلى العدل، بل يصعب القياد إذا دعى إلى الجور وإلى القبيح”.

توضح هذه خصيصة العدالة فهي مهمة جداً للقائد وحب العدل وأهله أهم، فالقائد ينتظر منه الحكم بالقسط بين الناس حتى وإن كانوا أقرب الخلق إليه، وفي الحديثين الشريفين التاليين دعوة لإحقاق الحق، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال بأن تردعه عن ظلمه ففي ذلك نصر له”، وقوله – صلى الله عليه وسلم: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، وأن يكون سهل الانقياد إذا دعى إلى العدل وصعب القياد إذا دعى إلى الظلم والعمل الرديء.

“أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل، جسورا عليه مقداما غير خائف ولا ضعيف النفس”.

قوة الإرادة والتصميم على تنفيذ الحق بجرأة وعزيمة أمر واجب ومطلوب من القائدة، أما الخوف والجبن وضعف النفس والتردد في اتخاذ القرار المناسب عن الوقت الملائم فهو أمر مذموم يقلل من قيمة القائد ومكانته وينتقص من شخصيته وهيبته أمام مرؤوسيه.

وأضاف الفارابي بقوله إن اجتماع هذه كلها في إنسان عسر، فلذلك لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد والأقل من الناس[(11)].

 

2-3 الخصائص الموروثة (الفطرية) التي ذكرها علماء المسلمين غير الفارابي

ذكر مجموعة من العلماء والباحثين خصائص للقائد يمكن أن يكون مفطورا عليها ومنها:

اللياقة الذهنية واللياقة البدنية: أبرز الحق جل جلاله هذه الصفة في حديثه لبني إسرائيل عندما وضع على رأسهم ملكا بقوله: ” وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ “[(12)]، ومن هنا تتضح معايير الاختيار الأساسية للقائد من حيث اللياقة الذهنية والبدنية وفي هذا المقام فإن الاختيار يتضمن أمران: الأول: العلم ليتمكن من معرفة أمور السياسية، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد”[(13)].

الرشد: هو تمام العقل ونضجه، يقول الله سبحانه بهذا المجال: ” ولَقَدْ آتَيْنَا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ “[(14)]، وفي هذا المقام يتبين بأن الرشد شرط أساسي وركن هام من أركان القيادة السليمة، فلا مكان في المجتمع لقائد سفيه، وقد رأينا كيف سادت الأمة وعز جانبها وعلت كلمتها أيام الخلفاء الراشدين المهدبين[(15) ].

العفة: من أهم خصائص القائد لأن القائد ليس مسئوولا عن سياسات العمل الرسمية فقط بل عن السياسات الاجتماعية في المنظمة خصوصا تلك المتعلقة بالأفراد رجالا ونساء وقد برزت العفة في كتاب الله في سورة يوسف عندما قال الله: ” ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ “[(16)].

الحلم: من خصائص القائد الناجح الحلم، وفي السيرة العطر للرسول – صلى الله عليه وسلم – مثال يحتذي وذلك عندما قدم رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم لمطالبته بالدين وأخذ يتهجم عليه قائلا أنتم يا بني هاشم قوم مطل، فاستل عمر رضي الله عنه سيفه وأراد أن يبطش بالرجل فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم –  يا عمر أجدر بك أن تعلمه حسن المطالبة وتعلمني حسن الأداء، فما كان من الأعرابي إلا أن أعلن إسلامه، ويتكرر الموقف مع عمر نفسه عندما أصبح خليفة فأوقفته امرأة وقالت له يا عمر ولم تقل يا خليفة أو يا أمير المؤمنين (لقد كنت في الجاهلية عميرا وجاء الإسلام فسواك عمرا” والآن أنت (أمير المؤمنين) اتق الله يا عمر.. ويقول لا خير فيهم إن لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها)[(17)].

من هاتين القصتين يتضح لنا بأن هذه الخصائص لن تكون بالكامل فطرية فأحيانا يمكن أن تتعلم وتكتسب بالممارسة، فلئن كانت في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فطرية (القصة الأولى) فهي في عمر مكتسبة (القصة الثانية)، حين اكتسبها من ممارسة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لها وأصبحت بمثابة قصة نجاح وممارسة فضلى في سلوك القيادة حياته انعكست على أتباعه وهذه إحدى آليات إدارة المعرفة المعاصرة.

 

2-4

 مقارنة الخصائص وفق منظور الفارابي مع نظريتي الرجل العظيم والسمات

2-4-1

 نظرية الرجل العظيم

يرى أصحاب النظرية أن الرجال العظام يبرزون في المجتمع لما يتمتعون به من قدرات وما يمتلكون من مواهب عظيمة وخصائص وراثية تجعل منهم قادة أيا كانت المواقف التي يواجهونها ونستند هذه النظرية إلى الافتراضات التالية.

يمتلك الرجل العظيم حرية الإرادة المطلقة.

يتمتع القادة بالقدرة على رسم مسارات التاريخ الحالية والمستقبلية.

3.يتمتع القادة با لقدرة على السيطرة على الازمات بما ينسجم مع رؤيته[(18)]

يرى الباحث بأن الفارابي قد سبق أنصار نظرية الرجل العظيم في ذكر خصائص القائد من حيث قوة العزيمة والإرادة والتصميم والخصائص الموروثة الأخرى التي ميزت القائد ليكون رئيسا للمدينة الفاضلة وأنه بمثابة القلب للجسد إذ لا يمكن صلاح الأخير بدون الأول

2 – 4 – 2

 نظرية السمات (الخصائص):

ركزت دراسات القيادة في فترة الأربعينات والخمسينات على سمات القائد، وقد اختلف الباحثون في الوصول إلى سمات (خصائص) محددة تميز بين القائد الناجح وغير الناجح، وأشاروا إلى الخصائص الجسمية (كالطول والوزن…) والخلفية الاجتماعية والاقتصادية والذكاء والشخصية (التي تتميز باليقظة والثقة بالنفس والتكامل الذاتي والسلوك الأخلاقي والإبداع) والخصائص المرتبطة بالعمل وأخيرا الخصائص الاجتماعية: فالقادة الفعالون هم الذين يشاركون في النشاطات المختلفة ويتفاعلون مع عدد كبير من الناس ويتعاملون مع الآخرين التعاون والمهارات الشخصية والإشراف والاستقامة.

إلا إن التجارب أثبتت اختلاف الخصائص ومقدرتها على التحكم بفعالية القيادة، فالخصائص المهمة لوظيفة ما قد لا تكون مهمة بالنسبة للوظائف الأخرى، ولذلك فإن وجود مجموعة موحدة من الخصائص لكل المستويات في المنظمة غير مؤكدة، وإذا كانت الخصائص تحدد من هو القائد إلا أنها لا تحدد الأنماط السلوكية التي يبديها القائد في محاولة التأثير على أفعال المرؤوسين. كما أغفلت نظرية السمات تأثير المرؤوسين على القادة، لأن التأثير علاقة متبادلة بين شخصين أو أكثر، لذلك فإن التركيز على طرف واحد لا يعطي الصورة الكاملة للقيادة، وتضاف نقطة أخرى بهذا الخصوص وهي اعتماد فعالية القيادة إلى حد بعيد على البيئة المحيطة بالتأثير، فإذا كان أسلوب معين للقيادة فعالا في مجموعة من العاملين في مهنة معينة فإنه ليس بالضرورة أن يحقق نفس الفعالية على عاملين في مهنة أخرى غيرها[(19)].

لقد افترضت نظرية السمات أن القائد يولد ولا يصنع، لأن القيادة موهبة وذلك من خلال منهجيتها المتبعة للوصول إلى صفات القيادة الوراثية ويكون ذلك بدراسة الشخصيات القيادية ثم جمع مواصفاتها لاحقا.. وبهذا يشير الباحث إلى الربط بين الخصائص الموروثة التي ذكرها الفارابي في معرض حديثه عن خصائص القائد الفطرية وبين هذه النظرية أو المدخل الذي درس في فترة (الأربعينات والخمسينات) ويكون الفارابي بذلك قد سبق أيضا في هذا المضمار وحدد معالم لهذه النظرية منذ قرون طويلة خلت.

 

المبحث الثالث: 

خصائص القائد المكتسبة عند الفارابي

هناك خصائص عديدة ذكرها العلماء في هذا المجال يصعب ذكرها جميعها ولكن سيحاول الباحث إبراز أهمها مما له دلالات واضحة وجلية على أن القائد يستطيع أن يكتسبها من البيئة المحيطة وينميها في نفسه، وأن يجعلها مثالا يحتذي ومنارات طريق تهتدي، بالتدريب والتمرين والممارسة الذي يتلقاه من مختلف الجامعات أو مؤسسات تطوير القيادة التي تنتشر هذه الأيام ويزداد الطلب عليها سواء في القطاع العام أم في قطاع الأعمال.

3-1 

خصائص القائد المكتسبة وفق منظور الفارابي: 

(بالهيئة والملكة الإرادية)[(20)]

أن يكون حكيما: يقول الله سبحانه لرسوله محمد – صلى الله عليه وسلم ” ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ “، وقوله: ” يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ومَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ” [(21)]، الحكمة هنا تعني الحنكة في الرأي والسداد في الفكر الموجودة جذوره في بواطن الهدوء المطلق في النفس، وليست العصبية الهوجاء والتعجل الأعمى، ومما تجدر الإشارة إليه أنه في هرم التدرج المعرفي في إدارة المعرفة الحديثة تأتي الحكمة في أعلى الهرم بعد الذكاء إذ إن قاعدة التدرج هي البيانات ثم المعلومات ثم المعرفة فالذكاء وأخيرا الحكمة  على رأس الهرم.

” أن يكون عالما حافظا للشرائع والسنن والسير التي دبرها الأولون للمدينة محتذيا بأفعاله كلها حذو تلك بتمامها”

أي العلم بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين كما قال – صلى الله عليم وسلم – “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ”[(22)]، وأن يعضها أمامه لتكون له نبراسا في أعماله وهاديا ومرشدا وأن يقتبس منها ما يناسبه في تنظيم مدينته أو مؤسسته.

“أن يكون له جودة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة ويكون فيما يستنبطه في ذلك محتذيا حذو الأئمة الأولين”، وفي هذا إشارة واضحة القياس حيث يقيس ما يستجد من أمور على ما حصل فيما يس فيه نص من الشرع، وذلك على هدى الكتاب والسنة والإجماع.

” أن يكون له جودة ورؤية وقوة استنباط لما سبيله أن يعرف في وقت من الأوقات الحاضرة من الأمور والحوادث التي تحدث مما ليس سبيلها أن يسير فيه الأولون ويكون متحريا بما يستنبطه في ذلك صلاح حال المدينة”، وفي هذا إشارة إلى الاجتهاد الذي يلزم في الأمور المستجدة التي لم يكن لها مثال في الماضي حيث يأتي دور التشريع والقوانين التي تحكم المدينة بما يحقق صالحها، ومن الأمثلة الإدارية على ذلك إقرار عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لفكر الدواوين التي كانت مطبقة لدى الفرس في عهد كسرى لتكون في الدولة الإسلامية بمثابة مؤسسات تعنى ٍ في حفظ الأموال والأعمال، إذ أن الديوان هو موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، ومن هذه الدواوين ديوان الإنشاء وديوان العطاء وديوان الجند وديوان الجباية (الخراج والجزية)

” أن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الأولين وإلى التي استنبطت بعدهم مما احتذى فيه حذوهم”، وفي هذا معنى للتعلم المنفتح المتبصر والدلالة على ما كان عليه الأولون وتدريب الرعية لكي ترتقي معرفتها وجدارتها إلى درجة الإجادة التي كان عليها من سبق من جهة، ومن لحقهم ممن سبيه الإبداع والتجديد والتطوير لمواكبة مستجدات البيئة والحداثة من جهة أخرى.

“أن يكون له جودة ثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب”، وذلك أن يكون معه من الصناعات الحربية الخادمة الرئيسة، وتوضح هذه الخصلة القدرة الجسدية والمعنوية والمادية، التي تعين القائد على الحرب كونه القائد العام للجيش الذي سيكون في مقدمته لإظهار الشجاعة والثبات أمام الجند في ساحة المعركة.

 

3-2 

الخصائص المكتسبة التي ذكرها علماء مسلمون وغربيون

ذكر مجموعة من الباحثين خصائص للقائد يمكن اكتسابها من خلال التدريب والممارسة منها:

القدوة: قال تعالى في محكم التنزيل: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا “، وقوله: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ “[(23)] وفي هذا المجال يقوم الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم”.

فالقائد هو المثل الأعلى فكرا وسلوكا، يقول ج. كورتوا بهذا الصدد “لا تكونوا من الرؤساء الذين يأمرون بالمعروف وينسون أنفسهم فهؤلاء أسوأ الرؤساء”، ويقول أيضا “تتكلم حياة الرئيس بصوت أقوى من حديثه، فإذا ما تناقضت حياته، وتصرفاته مع المثل التي ينادى بها إشماز مرؤسوه من خديعته وثاروا”، ويقول أيضا “كلما علت مرتبة المرء خفت مراقبة الرؤساء له لذا يجب أن يزداد وجدانه المسلكي بازدياد ارتقائه في السلم ليصبح له وازعاً ودافعاً”[(24)].

العلم: وردت آيات كثيرة في كتاب الله تحث على العلم وترفع درجة العلماء وتميزهم عن غيرهم منها قوله تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العلماءُ) ويقول عن اختياره لطالوت ملكا (إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ والْجِسْمِ) وقوله (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا) وقوله (وأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)[(25) ].

والعلوم مختلفة ويلزم القيادة منها:

العلم الشرعي: قال ابن مسعود عن عمر بن الخطاب، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله.

العلم التخصصي: العلم الذي يخص الأمر الذي تولاه القائد حسب الموقع الذي يشغله عسكريا أم مدنيا أم إداريا ، ومن الطبيعي أن يبدع صاحب التخصص في تخصصه حيث يتفاعل معه ويطوره[(26)].

الشورى: الشورى في الإسلام من أهم الخصائص الواجب على القائد امتثالها تحقيقا لقوله تعالى” وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ “[(27)]، والمتتبع لنزول هذه الآية يجدها نزلت بعد معركة أحد رغم الهزيمة التي لحقت بجيش المسلمين في تلك المعركة لتقرر حقا للأمة ودستور حياة، مع العلم بأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد استشار أصحابه قبلها وكان هذا شأنه في جميع الغزوات كبدر التي سبقتها وكالخندق التي لحقتها، هذا من جانب القائد ومن جانب الأمة فهي حق من حقوقها لقوله تعالى: (وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)[(28)]، من هنا يتبين بأن الشورى ليست منة من الحاكم أو القائد ولا هي صدقة يتصدق بها على الرعية

العدل: يقول الله تعالى: ” إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا با العدل”[(29)]، يلاحظ هنا بأن لفظ الناس جاء عاما ليشمل الجميع بغض النظر عن اختلاف اللون والجنس والدين.

يقول كورتوا في كتابه لمحات في فن القيادة (العدل هو اعتراف الرئيس عند النجاح بجهد كل من اشتركوا معه واعتقاده الصادق بأن الفوز ناجم عن مجموعة الجهود الصغيرة والكبير فلا يدعي الفخر كله لنفسه ولا يجر المغانم كلها نحو أو يجعل البطولة وقفا عليه من دون مرؤوسيه)[(30)].

الإيمان والتقوى: في خطاب أبي بكر الصديق الأول “أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”، دليل هام على أولى ركائز القيادة في الإسلام، لأن موقع القيادة في الإسلام ديني فكيف يحمي الدين من خلع رداء الدين ولم يتخلق بأخلاقه ولم يأتمر بأمره ولم ينته عن نواهيه[(31)].

يقول نابليون: “قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية ثلاثة إلى واحد أي (75%)” ويقول مونتغمري في كتابه السبيل إلى القيادة عن مواصفات القائد “أنه يجب أن يكون ملتزما إلى أبعد الحدود بالدين) ويضيف متسائلا (هل للدين علاقة بالقيادة؟ ويجيب بأن القائد لا بد أن يكون متمسكا يمثل عليا وبالفضائل الدينية وقد أجملها بالآتي:

الهدى: هي عادة إرجاع كل الأمور إلى الإرشاد الإلهي، وإلى هذه الفضيلة تستند الحكمة والإنصاف في التصرف، فالعدالة وهي إعطاء كل فرد حقه، حق الله، حق الإنسان نفسه. وإلى هذه تستند الواجبات الدينية والطاعة والشكر والنزاهة وحسن النية نحو الآخرين، ويقول ج. كورتوا “إن الرئيس الذي لا يؤمن بهدفه ليس أهلا للقيادة، أيضا إن مثل القائد الذي لم يستطع نقل الإيمان بالهدف إلى مرؤوسيه كمثل المخترع الذي يريد أن يدفع القاطرة دون بخار”[(32)].

القوة: يقول الله تعالى بشأن نبيه موسى عليه السلام وعلى لسان إحدى ابنتي شعيب ” قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ “[(33)]، تشمل القوة بالإضافة إلى القوة البدنية الذهنية والعلمية وغيرها، تلك التي تلزم المنصب نفسه وتختلف باختلافه وتشمل الحزم والإرادة وقوة الشخصية التي تضمن احترام القيادة وتنفيذ قراراته، وبهذا الصدد يقول مونتغمري “والتردد لدى الضابط أمر مميت أما لدى القائد الأعلى فهو جريمة”[(34)].

ذكر في الأدب الإداري المعاصر بأن مصادر القوة للقائد هي: ما يأت من مركز القيادة أي من السلطة الرسمية: وتشمل القوة الشرعية وقوة المكافأة وقوة الإكراه ومنها ما يأتي من الخصائص الفردية المتميزة ومنها: قوة المرجعية وقوة الخبرة، وأن القوة التي تأتي من الخصائص الفردية المتميزة هي الأكثر فعالية، وإن القائد الناجح هو الذي يعرف متى يستعمل كل نوع من أنواع القوة المذكورة وفق الموقف[(35) ].

تحمل المسؤولية: يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “كلكم راع وكل مسئول عن رعيته”، ويقول عمر – رضي الله عنه – “لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها لمَ لم أمهد لها الطريق”، فالله الله يا عمر تحمل هم الحيوان وتعتبر من مسؤوليتك تمهيد الطريق له، وبعض القادة لا يحملون مسئولية الإنسان وما عرفوا حقيقة أخون الخيانة كما يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم “إن من أخون الخيانة تجارة الوالي في رعيته

– الوسطية:

قيادة وسطية لا استبدادية ولا متسيبة، ومنا قول الخليفة الأول أبو بكر “الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ الحق له إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله”، ومنها قول عمر “إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا اللين في غير ضعف والقوي في غير عنف”.

التفويض:

وهي مهارة سلوكية تعكس مدى الثقة المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس وبما أن وحدة الهدف تجمع بين الرئيس والمرؤوس في الإسلام فلا وجود للنزاعات وبالتالي تتولد الثقة التي ينتج عنها التفويض دون الخوف من أن الأتباع سيسيئون استخدام السلطة ومثال ذلك عندما كلف أبو بكر أسامة قيادة الجيش في حرب الروم وفوض له السلطة ومكنها منه.

الاهتمام بإشباع الحاجات المادية والروحية للأتباع:

تكاملية إشباع الحاجات المادية حيث إن الإنسان مخلوق من طين وهو مادة، قوله تعالى ” إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ “، والحاجات الروحية حيث أنه مخلوق من روح الله، قال تعالى ” فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ “[(36)].

أما إسداء النصيحة للأتباع: فيتمثل في قول الرسول – صلى الله عليه وسلم ما من عبد استرعاه الله رعيه فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة.

الطاعة في المعروف:

يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف ويقول علي – رضي الله عنه – “لا رأي لمن لا يطاع”.

فيما سبق أبرز الخصائص المكتسبة التي ينبغ على القيادة تعلمها والتدريب عليها والتي يمكن اكتسباها، وأنه برأي الباحث لا يوجد حد فاصل يفصل بين هذه الخاصية وتلك، فلا بد من أرضية خصبة تبنت بها هذه الزهرة التي ننوي غرسها وامتدادها، فوجود الأرض الخصبة ثم النبتة الجيدة والصالحة مع توفير العناية اللازمة لها الكفيلة بإنباتها سيوصل في النهاية إلى ثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وصدق الله إذ يقول ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا ويَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ “[(37)].

 

3-3 

مقارنة الخصائص المكتسبة وفق منظور الفارابي مع النظريات السلوكية

جاءت النظريات السلوكية في فترة (الخمسينات والستينات) على أثر الانتقادات السابقة الذكر التي وجهت إلى نظرية السمات حيث اهتم العلماء السلوكيون بالسلوك الفعلي للقائد أي ما يفعله والكيفية التي ينصرف بها، ومن هنا ظهرت الأنماط القيادية حيث أن القادة المؤثرون يستخدمون أنماطا أو أساليب معينة في القيادة لتحقيق الأهداف التنظيمية، وأن التركيز يتم على فعالية القائد وسلوكه وليس على ظهور شخص القائد.

يفترض المنهج السلوكي بأن القادة لا يولدون ولكنهم ينمون، على عكس افتراض المنهج الأول في نظرية السمات، ولهذا فإن معظم تركيز العلماء السلوكيين انصب على عنصرين هامين هما: الاهتمام بالعمل والاهتمام بالأفراد، ومثال ذلك الدراسات التي أجريت في جامعة أوهايو ومتشجغان، وما تلاها من نظريات الفلسفة الإدارية (XY) لماكريجور، وشبكة أنماط المديرين لبليك وموتون، وقد لوحظ نتيجة هذه الدراسات والنظريات بأنه لا يوجد نمط قيادي يصلح لجميع الوظائف وخاصة مع تعقيدات المؤسسات الحديثة سواء أكانت مؤسسات عامة أم مؤسسات أعمال، وأنه لا بد من الأخذ بالحسبان العوامل الموقفية الأخرى لقياس فعالية القائدة ومن هنا برزت الحاجة لوجود النظريات الموقفية في القيادة[(38)].

من خلال ما تقدم يتضح بأن الفارابي وفق منظوره للخصائص المكتسبة قد أشار إلى الخصائص المكتسبة وأنه لا يجب التركيز فقط على الخصائص المميزة الفطرية للقائدة فقط، بل إنه قد يتم تنميته وتطويره وتدريبه وإكسابه خصائص ومهارات أخرى مطلوبة لفعالية القيادة.

 

3-4

 مقارنة الخصائص المكتسبة للقائد وفق منظور الفارابي مع النظريات الموقفية

أدرك الباحثون قصور النظريات السلوكية مما جعلهم يركزون على النظريات الموقفية مع أنهم استفادوا من الخصائص وأنماط السلوك كأساس للبحث، وأصبحت النظريات الموقفية تعني بتشخيص وتقييم العوامل العديدة التي يكون لها أثر في فعالية الأسلوب المتبع في القيادة، هذه النظريات الموقفية تطلب من القيادة النظر في أربعة مجالات هامة: خصائص القيادة وخصائص المرؤوسين وهيكل الجماعة وطبيعة مهامها والعوامل التنظيمية، من هذه النظريات القيادة الموقفية (فيدلر)، ونظرية الموقف (هيرسي وبلانشارد)، ونظرية المسار – الهدف (روبرت هاوس).

إن محور التركيز في هذه النظريات ينطلق من الافتراض بأنه لا يوجد نمط قيادي يصلح للتطبيق في كل الظروف والأحوال وإنما تعتمد فعالية القائد على ما يختار من نمط حسب الموقف (المهمة)، وبعبارة أخرى لا بد للقائد من أن يشكل من قيادته أدوار مبنية على التوجيه والتشيع وباستخدام أنماط القائد الموجه والمدرب والمشجع والمفوض بما يتناسب ويتواءم مع أنماط المرؤوسين في المواقف والمهام ممن يتوفر فيهم الكفاءة والحماس سواء أكانوا مبتدئين أم متوسطين أم متقدمين أم خبراء وأن يوزع المهام على المرؤوسين بكفاءة وحماس.

في أدبيات القيادة المعاصرة نجد أن القائد يقوم بأدوار رئيسة تجعله يختلف عن المدير ومن هذه الأدوار: التخطيط والإبداع وحل المشكلات المزمنة وتطوير الذات والآخرين وتقدير المتميزين[(39)].

لدى مقارنة ما أورده الفارابي من خصائص مكتسبة مع ما جاءت به النظريات الموقفية نجد بأن الفارابي قد سبقها من خلال ما أشار إليه من خصائص تتعلق بالحكمة والعلم والاستنباط والقياس وجودة الرؤية والإرشاد والثبات لتناسب الأدوار القيادية التي يقوم بها من خلال قيادته الموقفية الداعمة للعلم والعمل والموجهة لسلوك الأتباع والمشاركة لهم فيما يعود بالنفع على التابعين وعلى المصلحة العامة للمدينة الفاضلة التي يعملون فيها ولأجلها

 

3-5 مقارنة الخصائص المكتسبة للقائد وفق منظور الفارابي مع النظريات المعاصرة في القيادة

أشار كل من Robbins & Judge  إلى وجود أنماط حديثة في القيادة يمكن إجمالها فيما يلي:

1) القيادة الكارزمية Charismatic Leadership ويتمته القائد بالجاذبية والقادرة على الهام وتحفيز الأفراد لعمل المزيد من العمل المعتاد مما يتجاوز التوقعات منهم بالإضافة إلى إزالتة المعيقات من أمامهم وتقديمه التضحيات الشخصية أمامهم.

ويتضح أثر قيادته من خلال الخصائص والسلوكيات التي تميزه وهي الرؤية والفصاحة والرغبة في تحمل المخاطر والحساسية لحاجات الأتباع وحفز الأتباع على الإبداع والحداثة.

وقد أضافت القيادة الجاذبية ما عرف بالمستوى الخامس من القيادة Level – 5 Leaders وهو المزج بين التواضع والمهنية الشخصية والاحتراف في العمل

2) القيادة التحويلية Transformational Leadership

القائد التحويلي هو قائد يتمتع بالجاذبية أيضا ولكنه أوسع نطاقا، إذ يمتلك قدرات خاصة متميزة تمكنه من إحداث التغيير من خلال التركيز على الرؤية والمشاركة في القيم والأفكار التي تمكن الأتباع من النظر إلى المشكلات القديمة بطرق حل جديدة، ويستطيع فعل ذلك من خلال إلهام الأتباع لتجاوز مصالحهم الشخصية لمصلحة المنظمة من جانب ولما له من تأثير عميق واستثنائي على الأتباع.

3) القيادة التبادلية Transactional Leadership

القائد التبادلي هو القائد الذي يوضح للأتباع أدوار ومتطلبات المهمة ومؤشرات الأداء التي تعينهم في تحقيق الأهداف

ومما تجدر الإشارة إليه هنا القيادة التحويلية تختلف عن القيادة التبادلية من خلال أربع مجالات هامة هي:

القائد التحويلي يطور الأتباع إلى قادة من خلال منحهم المزيد من الحركة لضبط سلوكياتهم.

1) القائد التحويلي يرفع اعتبارات إشباع حاجات الأتباع من المستويات الدنيا كالأمن والسلامة إلى المستويات العليا منها مثل احترام الذات وتحقيق الذات.

2) القائد التحويلي يلهم الأتباع للذهاب إلى ما وراء اهتماماتهم الشخصية إلى الاهتمام بمصلحة الجماعة.

3) القائد التحويلي يصبغ رؤية المستقبل المرغوب ويعمل على تفعيل الاتصالات التي توصل إليه بطريقة تجعل من التغير الجديد ما يستحق الجهود المبذولة لتحقيقه.

هذا وقد أظهرت نتائج دراسة تطبيقية حديثة في القيادة التبادلية والتحويلية وقد أجريت في المستشفيات الأردنية وجد أثر لممارسة السلوك القيادي التحويلي على إكساب العاملين مهارات التفكير الناقد والاستعداد للتفكير الناقد، يعود لأبعاد أهمها: بعد اهتمام القائد بمرؤوسيه، يليه بعد التأثير المثالي (الخصائص)، ثم بعد التأثير المثالي السلوكي، ثم بعد الدافعية الإلهامية، وأخيرا بعد الاستثارة الفكرية[(40)].

4) القيادة الأصيلة Authentic Leadership والقائد الأصيل هو الذي يعرف نفسه ويعرف ما يؤمن به من قيم ويعمل بناء على ما يؤمن به من قيم ومعتقدات بشكل صريح وجريء ومن الجدير ذكره أن هذه القيادة تعد الأخلاق والثقة أساسا لها، وأن الثقة تمثل التوقع الإيجابي من الآخرين بحيث لن يتصرف الآخرين بانتهازية وتتكون الثقة من أبعاد خمسة هي النزاهة والقدرة (الفنية والمعرفية) والاتساق والمعولية والولاء والانفتاح على قول الحقيقة[(41)]، وبهذا تتشكل الموثوقية في صدقيتها والحقيقة في ممارستها وتصبح مقنعة لأتباعها.

هذا وقد أضاف كل من Daft & Noe أنواعا أخرى من القيادة هي:

1. القيادة الحالمة Visionary Leadership

وهي القيادة التي ترى ما وراء الحقائق الحالية، من خلال خلق الرؤية المستقبلية وحث الأتباع على بلوغها، وتمثل الرؤية الثنائية البؤرة أساس هذه القيادة، إذ أنها وهي تتجه نحو المستقبل الساطع برؤيتها تستمر في تأكيد التزامات العمل الحاضر.

2. القيادة الخادمة Servant Leadership

ويمتثل القائد هنا فيما يتجاوز اهتماماته بنفسه لخدمة حاجات الأتباع ومساعدتهم في التعلم والنمو بالوقت الذي هم يعملون على تحقيق الهدف الكبير للمنظمة.

3. القيادة من خلال التمكين: وتسمى أحيانا قيادة الإدارة الذاتية أو القيادة الفائقة أو القيادة المشاركة، إذ يركز القائد هنا على تمكين العاملين ومساعدتهم لقيادة أنفسهم.

4. قيادة الفرق Leading teams: وهي القيادة التي تركز على فرق العمل المدارة ذاتيا والتي تمارس عملها في العمليات الرئيسية للمنظمة أكثر من النظر إلى الإدارات الوظيفية بصورة منفصلة[(42)].

وأضافت Brooks, lan نوعا آخر هو القيادة الريادية Entrepreneurs Leadership.

وهي القيادة التي تؤكد على إبداع وابتكار الثروة الاقتصادية للمنظمة من خلال إثراء القيمة بعناية والمخاطرة المحسوبة والطاقة والوقت، حيث يحرص القائد الريادي على قيادة القابليات ذات القيمة المضافة وتطوير الأفكار الحديثة وطرق حل المشكلات القديمة[(43)].

وأخيرا يلاحظ المتتبع لخصائص القيادة المكتسبة والموروثة وفق منظور الفارابي ومقارنتها بالمداخل الجديدة في القيادة بأن المداخل والنظريات الحديثة والمعاصرة قد استفادت في توجهاتها الحالية والمستقبلية من التراكم المعرفي لما كتب عن خصائص القيادة للفارابي وغيره من العلماء المسلمين كما استفادت من نظريات الخصائص والسلوكية والموقفية في القيادة لتؤسس أنماطا جديدة معاصرة من الكارزمية والتحويلية والحالمة والخادمة وغيرها.

 

المبحث الرابع:

 النتائج والتوصيات 

4-1 النتائج

تبين من خلال المباحث السابقة خصائص القائد الموروثة والمكتسبة وفق منظور الفارابي ومقارنتها مع ما جاء به العلماء المسلمين من ناحية وما جاء به العلماء الغربيين من ناحية أخرى، وبذلك يأتي الباحث إلى تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها الباحث على النحو التالي

إن حضارتنا العربية الإسلامية زاخرة بالممارسات الإدارية العملية ومنها القيادة وإن لم تكن تحت هذا المسمى بالتحديد وإنما تحت مواضيع أخرى مثل الإمامة  والرئاسة والخلافة والإمارة.

موضوع القيادة الإدارية كعلم متخصص يدرس ويدرب عليه جاء به العلماء الغربيون وقد أشار بعضهم معجبا بالخصائص التي جاء بها الفارابي عام 900م مثل كلود جورج الابن في كتابه تاريخ الفكر الإداري.

للقائد خصائص فطرية لا دخل له بصناعتها ووجودها، إنما هي من الله وحده الذي خلقه وأودع فيه هذه الخصائص نظرا للدور الذي سيوكل إليه وقد ذكرها العلماء العرب والمسلمون من أمثال الفارابي وغيره.

للقائد خصائص مكتسبة يستطيع اكتسابها من البيئة المحيطة ويكون ذلك بتنميتها واكتسابها بالتدريب والممارسة وقد ذكرها العلماء العرب والمسلمون والغربيون.

من أبرز نظريات القيادة:

نظرية الخصائص (السمات) وقد ظهرت في فترة الأربعينات والخمسينات وركزت على خصائص القائد البيولوجية والشخصية والعاطفية والجسدية والفكرية وغيرها.

النظريات السلوكية وقد ظهرت في الخمسينيات والستينيات ركزت على السلوك الفعلي للقائد

النظريات الموقفية وقد ظهرت منذ السبعينيات وحتى الوقت الحاضر تركز على أهمية الحالة والموقف من خلال فهم طبيعة الموقف ثم مطابقة الأسلوب القيادي الصحيح له.

الاتجاهات الحديثة في القيادة تركز على وجود القائد الكارزمي (الجذاب)، والحالم والتحويلي الذي يمارس سلوكيات خادمة تمكنهم من القوة في أداء مهامهم.

مكانة القيادة مهمة والقائد على رأس الهيكل التنظيمي هو بمثابة الرأس للجسد ووظيفته كوظيفة القلب بالنسبة لسائر الأعضاء كما ذكر الفارابي

المداخل الجديدة في القيادة اعتمدت في توجهاتها الحالية والمستقبلية تلك الجذور المنبثقة من نظريات الخصائص والسلوكية والموقفية في القيادة لتؤسس أنماطا جديدة من الكارزمية والتحويلية والحالمة والخادمة وغيرها.

 

4-2 التوصيات

يوصي الباحث زملاءه الباحثين والمهتمين بأن يكملوا ما اعترى هذا البحث من نقص إن هم أرادوا الوصول إلى حقائق أكبر في موضوع خصائص القائد ويقترح عليهم الآتي

هناك العديد من العلماء والفقهاء العرب والمسلمين كالفارابي ومنهم الغزالي والماوردي والشافعي وغيرهم ممن كتبوا في مواضيع الخلافة والإمامة والرئاسة يستطيع من يريد التعميق وتأصيل البحوث والرجوع إلى كتاباتهم في إغناء بحثه.

هناك العديد من العلماء الغربيين كتبوا في مواضيع القيادة والقائدة معتمدين في كتاباتهم على كتابات علمائنا المسلمين من أمثال سبنسر وهوبز وأوغست كونت وغيرهم تجدر الإشادة والإفادة من كتاباتهم.

لا بد للقائد من مشاركة رعيته ومن هم تحت إمرته في عملية صنع القرار والاهتمام في مصلحة الجماعة وتحقيق حاجاتها والبعد عن الفردية والذاتية.

المؤسسية عنوان نجاح الإدارة على القائد غرسها في مؤسسته كي لا تفشل بذهابه.

القائد راع ومسئول عن رعيته فليتق الله في نفسه وفي رعيته امتثالا لقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”.

على القائد معرفة الموقف في كل أبعاده كمي يحسن التصرف بمعطياته

 

5- المصادر والمراجع والهوامش

4-5-1با العربية

[(] الفارابي: محمد أبو نصر الفارابي، لقب بالمعلم الثاني، تركي الأصل مستعرب، ولد عام 260هـ الموافق 874م. عمل ناطورا لدى سيف الدولة الحمداني، أتقن لغات رئيسة مثل التركية والفارسية واليونانية والعربية والسريانية وألف ما يزيد على السبعين مؤلفا في علوم متعددة.

[(1)]القرآن الكريم

إبراهيم مدكور وآخرون، 1989، المعجم الوسطي، الطبعة الثانية، (دار الدعوة، استانبول – تركيا)، ص237.

[(2)] إبراهيم مدكور وآخرون، مرجع سابق، ص238.

[(3)] أحمد بصبوص، 1989، فن القيادة في الإسلام، الطبعة الثانية (الأردن، الزرقاء، مكتبة المنار)، ص25.

[(4)] Robbins, Stephen, Judge, Timothy, 2009, Organizational Behavior, Pearson, Prentice Hall, New Jersey, p 419

[(5) ] على وافي، 1973، المدينة الفاضلة للفارابي، (القاهرة، دار عالم للنشر للكتاب). ص42.

[(6) ] القرآن الكريم، سورة الزخرف، الآية، 32.

[(7)] سعيد زايد، 1962، الفارابي (القاهرة، دار المعارف)، ص ص 96 – 97.

[(8)] كلود جورج، 1972، تاريخ الفكر الإداري، ترجمة أحمد حمود (القاهرة – مكتبة الوعي العربي) ص10.

[(9)] الماوردي، أبي الحسن، 1985، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، بيروت، دار الكتب العلمية، ص6.

[(10) ] القرآن الكريم، سورة التغابن، الآية 15.

[(11)] علي وافي، مرجع سابق، ص7.

[(12)] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 247.

[(13)] محمد الصابوني، 1981، صفوة التفاسير، الطبعة الرابعة، (بيروت – دار القرآن الكريم)، ص157.

[(14)] القرآن الكريم، سورة الأنبياء، الآية 51.

[(15) ] جعفر العبد، 1977، القيادة والقائد من تعاليم الإسلام، مقالة في مجلة الإدارة (يصدرها اتحاد جمعيات التنمية الإدارية بالقاهرة)، المجلد العاشر، العدد الأول، ص52.

[(16)] القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 23.

[(17)] محمد تيسير التميمي، 1992، موضوعات في فن القيادة، (عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ص29.

[(18)] محمود سلمان العميان، 2005، السلوك التنظيمي في منظمات الأعمال، (عمان، دار وائل للنشر، ط3، ص263.

[(19)] Robbins, Stephen, Judge, Timothy, Ibid., PP 420 – 421

[(20)] سعيد زايد، 1962، الفارابي، (القاهرة، دار المعارف)، ص98

[(21)] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 159، سورة البقرة، الآية 269

[(22)] محي الدين مستو، 1980، متن الأربعين النووية، الطبعة السابعة، (عمان – مؤسسة الرسالة)، 65.

[(23)] القرآن الكريم، سورة الصف، الآيتان 2 – 3.

[(24)] ج. كورتوا، 1980، لمحات في فن القيادة، تعريب المقدم الهيثم الأيوبي (بيروت، مؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ص ص 88 – 90

[(25) ] القرآن الكريم، (سورة فاطر، الآية 27، سورة البقرة، الآية 247، سورة الأنبياء، الآية 79، سورة النساء، الآية 113)

[(26)] محمد صوالحة، 1987، القيادة المؤمنة كما يعرضها القرآن الكريم، (رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان)، ص125.

[(27)] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 159.

[(28)] القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 38.

[(29)] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 58.

[(30)] ج. كورتوا، مرجع سابق، ص79.

[(31)] فاروق مجدلاوي، 1991، الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، (عمان، دار مجدلاوي) ص100.

[(32)] ج. كورتوا، مرجع سابق، ص35.

[(33)] القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 26.

[(34)] محمد صوالحة، مرجع سابقة، 77.

[(35) ] Daft, Richard and Noe, Raymond, 2001, Organizational behavior, Harcout College Publisher, NY, PP 402 – 406.

[(36)] القرآن الكريم، سورة ص، الآيتان 71 – 72.

[(37)] القرآن الكريم، سورة إبراهيم، الآيتان 25 – 26

[(38)] Robbins, Stephen, Judge, Timothy, Ibid., pp 422 – 424

[(39)] Robbins, Stephen, Judge, Timothy, Ibid., 425 – 432

[(40)] ابتسام الضمور، 2009، أثر القيادتين التبادلية والتحويلية في إكساب مهارات التفكير الناقد للعاملين في قطاع المستشفيات الأردنية: دراسة تطبيقية، أطروحة دكتوراه غير منشورة بجامعة عمان العربية للدراسات العليا

[(41)] Robbins, Stephen, Judge, Timothy, Ibid., 447 – 459.

[(42)] Daft, Richard and Noe, Raymond, P 402 – 409.

[(43)] Brooks, Lan, 2006, Organizational behavior: Individual, Groups and Organization, 3rd, Prentice Hall, Pearson Education, NY, P 163