نظرية الفعل الإنساني عند الفارابي

 

نظرية الفعل الإنساني عند الفارابي

الدكتور/ فيصل صلاح الرشيدي ([·])
تمهيد:
في هذا البحث سوف نتحدث عن نظرية الفعل الإنساني عند الفارابي وهي تتمثل في حقيقة الفعل الإنساني وتقسيمه إلى الأفعال الإنسانية حسب فلسفته الأخلاقية.
يفسر الفارابي سمات وخصائص الفعل الإنساني الذي يؤدي إلى الأخلاق الحميدة، والسلوك الطيب، من خلال قاعدة الحسن والقبح بالنسبة إلى الأفعال الإنسانية. ومن أركان الفلسفة الخلقية في فلسفة الفارابي دعائم الإلزام الداخلي النابع من الإيمان وضمير الإنسان وكذلك نيته. ثم نتحدث عن شروط الإلزام الأخلاقي ومن أهمها التكليف والعقل، الذي ينتج عنها المسئولية، أي أن كل إنسان في فلسفة الفارابي الأخلاقية مسئول عن فعله دون غيره، لأن قاعدة الثواب والعقاب مترتبة على مسئولية الإنسان باعتباره إنسانا كرمه الله سبحانه وتعالي بنعمة العقل، وجعله خليفته في الأرض، وكذلك ينتج عن المسئولية الجزاء، فنجد الفارابي يقسم الجزاء إلى قسمين: الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي.

ويتحدث الفارابي بشيء من التفصيل عن النية والضمير الإنساني النابع من داخل الإنسان، والنية لها علاقة كبيرة بالإعمال الإنسانية.

وبعد أن شرح الفارابي النية تحدث عن النفس وعلاقتها بالأخلاق الإنسانية، ويحدد بذلك طبائع النفس الإنسانية.

ويذكر الفارابي الفضائل والرذائل وعلاقتهما بالنفس والفعل الإنساني، لأن الفضائل عنده ترمى إلى مكارم الأخلاق الحميدة والجميلة، ويشرح الرذائل وأنواعها لكي يتجنبها الإنسان لأنها مفسدة، ومن أهم الفضائل التي ذكرها: فضيلة العلم، والخشوع، والصبر، والشجاعة، والكرم، وبعد ذلك يذكر الرذائل مثل رذيلة الرياء، والغرور، والجهل، وبذلك يصل الفارابي إلى أن الفعل الإنساني يؤدى إلى فلسفة أخلاقية متكاملة.

أولا:

 أهمية الفعل الإنساني في الدراسات الإنسانية:-

الفعل الإنساني هو محور الدراسات الإنسانية لأن الإنسان هو جوهر الوجود، وأن الإنسان مكرم بالعلم.

يقول الفارابي ([·]) العلم الإنساني: هو الذي يفحص عن الغرض الذي لأجله كون الإنسان، وهو الكمال الذي يلزم أن يبلغه الإنسان، وماذا وكيف هو؟

هو النظر فيما للإنسان بالإرادة ولسائر الأشياء الأخرى، فيفرد للأشياء الكائنة عن الإرادة نظر وشخص وعلم([1]).

والإنسان عند الفارابي مكرم بنعمة العقل، ومن خلاله يختار الإنسان أفعاله وسلوكه وإرادته فيقول ((العقل هو الذي صار الإنسان إنسانا. وأسم العقل قد يقع على إدراك الإنسان الشيء بذهنه، وقد يقع على الشيء الذي يكون به إدراك الإنسان)) والأخير يسمى عند القدماء نطقا (1).

ومن الجدير بالذكر بأن الفارابي أشار إلى أهمية وجود الإنسان، وغرضه من الحياة، لكي يبلغ أقصى درجة الكمال وهي السعادة القصوى.

حيث يقول ((وإن كل موجود إنما كون ليبلغ أقصي الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه، فالذي للإنسان من هذا هو المخصوص باسم السعادة القصوى وما لإنسان إنسان من ذلك بحسب رتبته في الإنسانية، هو السعادة القصوى التي تخص ذلك الجنس والجزئي الكائن لأجل هذا الغرض هي الصناعة الجزئية العادلة والفاضلة)) ([2]).

وهذا كله يتناسب مع فعل الإنسان ومسئوليته اتجاه الأخلاق لأن موضوع علم الأخلاق هو الإنسان من حيث هو كائن يعقل أي يسير في حياته بحرية وإدراك ذلك يقول الفارابي ((وأما المعقولات التي يمكن أن توجد خارج النفس الإرادة، فإن الأعراض والأحوال التي تقترن بها مع وجودها هي أقصي بالإرادة)) ([3]).

ويجب أن تقدر الأفعال فيعلم الأخلاق بحسب المكان، والزمان، فقال ((وفي الأخلاق فإن الأفعال إنما ينبغي أن تقدر كميتها في العدد والمقدار، وكيفتها في الشدة والضعف بحسب الإضافة إلى الفاعل، والذي إليه الفعل والذي لأجله الفعل وبحسب الوقت وبحسب المكان مثل الغضب فإن المعتدل منه بحسب حال من يغضب عليه)) ([4])

ثانيا: 

حقيقة الفعل الإنساني عند الفارابي:-

يعرف الفارابي معني الفعل الإنساني الذي يرتبط بالأخلاق، وأن فعل الإنسان مرتبط بقدرته على الإدراك والفهم، حتى يتبين للإنسان ماذا يفعل ؟ وماذا يدرك ؟ حيث يقول ((وأكمل ما تكون القوة الفكرية متى كانت إنما تستنبط أنفع الأشياء في تحصيلها، وربما كانت خيرا في الحقيقة، وربما كانت شرا، وربما كانت خيرات مظنونة أنها خيرات، فإذا كانت الأشياء التي تستنبط هي الجميلة والحسنات، وإذا كانت الغايات شرورا كانت الأشياء التي تستنبط بالقوة الفكرية شرورا أيضا وأمور قبيحة وسيئات)) ([5]).

وفي مكان آخر يفصل الفارابي أهمية العقل بالنسبة لعملية الإدراك فيقول ((قوم من الناس يسمون المتعقلين حكماء والحكمة ([·]) أفضل علم لأفضل الموجودات والتعقل إذا كان إنما يدرك في الأشياء الإنسانية، فليس ينبغي أن يكون حكمة الفهم ألا أن يكون الإنسان هو أفضل ما في العالم وأفضل الموجودات فإذا لم يكن الإنسان كذلك، فالتعقل ليس بحكمة ألا بالاستعارة والتشبيه)) ([6])، وعندما يكون الإنسان مدرك لفعله وفهمه فيؤدي به إلى السلوك الحسن.

وقد ميز الفارابي بين فعل الإنسان وغيره من الكائنات الحية لأنه مميز بنعمة العقل مختلف عن الحيوانات والجمادات، يقول الفارابي ((إن الأشياء التي توجد للإنسان بالطبيعة والفطرة ([·]) تتقدم في الزمان الإرادة والاختيار)) ([7]).

والفعل الإنساني يختص بالإنسان فقط لأنه يتميز بالذهن وهو القدرة على اختيار الأفعال والآراء حيث يقول ((الذهن هو القدرة على مصادفة صواب الحكم فيما يتنازع فيه من الآراء المتعارضة والقوة على تصحيحه، فهو جودة استنباط لما هو صحيح من الآراء، فهو إذن نوع من أنواع التعقل)) ([8]).

والإنسان عندما يكون ذا رأي فلابد أن يختار الأفضل من الأفعال الخيرة الفاضلة فقال ((جودة الرأي هو أن يكون الإنسان ذا رأي، أو جيد الرأي، وهو أن يكون الإنسان فاضلا خيرا في أفعاله ثم أن يكون قد جريت أقاويله وآراؤه ومشوراته مرارا كثيرة، فوجدت سديدة مستقيمة تنتهي بالإنسان إذا أستعملها، إلى عواقب محمودة، ويكون قد صار لذلك مقبول القول)) ([9]).

وهناك أفعال تصدر من الإنسان شبيهة بأفعال الحيوانات غير الناطقة ولكنها فضيلة، يقول الفارابي ((ولكن ينبغي أن ينظر كيف هذه الفضيلة الطبيعية ؟ هل هي بعينها هذه الفضيلة الإرادية أم لا؟ لكن ينبغي أن يقال إنها شبيهة بها مثل الملكات التي توجد في الحيوانات غير الناطقة، مثل ما يقال الشجاعة في الأسد، والمكر في الثعلب، والروغات في الذئب، والسرقة في العقعق وأشباه ذلك)) ([10]).

والإنسان مفطور على أن أفعاله الأخلاقية نحو الفضيلة لذلك يقول الفارابي ((فإنه لا يمنع أن يكون كل إنسان مفطور على أن تكون قوة نفسه في أن يتحرك إلى فعل فضيلة ما من الفضائل أو ملكة ما من الملكات في الجملة؛ أسهل عليه من حركته إلى فعل ضدها. والإنسان أولا إنما يتحرك إلى حيث تكون الحركة عليه أسهل إن لم يقسر على شيء آخر غيره، فإذا كان إنسان من الناس مفطورا مثلا على أن تكون حالة فيما تقدم عليه من المخاوف أكثر من أحجامه عنها)) ([11]).

إذن الفعل الإنساني عند الفارابي حقيقته الفعلية اختصاصه بالإنسان دون الحيوان لأنه ينظم الأشياء بالتفكير والعقل، حيث يقول ((فالفضيلة الفكرية إذن سابقة للفضائل الخلقية)) ([12]).

والفعل الإنساني لا يصدر إلا من إنسان يدرك المسئولية، وقد قسم الفارابي الأفعال إلى قسمين:

الأفعال التي تحقق المصلحة للفرد والمجتمع.

الأفعال التي لا تحقق المصلحة هي التي تنتج عنها السعادة والخيرات فيقول الفارابي ((إن التي ينال بهام اهو في الحقيقة سعادة هي الخيرات والأفعال الحسنة الجميلة والفضائل)) ([13])

أما الأفعال السيئة فينتج عنها الشرور ولا تحقق المصلحة بها، حيث يقول ((وأن ما سواها هو الشرور والقبائح والنقائص وأن وجه وجودها في الإنسان، أن تكون الأفعال والسير الفاضلة موزعة في المدن والأهم على ترتيب، وتستعمل استعمالا مشتركا)) ([14]).

والأفعال الصالحة هي التي تحقق الأخلاق الفاضلة ولكن لا يتم ذلك إلا من خلال الرئاسة الحكيمة ومسئولية الإنسان التي تتميز بالموضوعية والبعد عن الأهواء والرغبات الشخصية فقال ((إن تلك ليست تأتي ألا برئاسة تمكن معها تلك الأفعال والسير والشيم والملكات والأخلاق في المدن والأمم وتجتهد في أن تحفظها عليهم حتى لا تزول، وأن تلك الرئاسة لا تتأتى ألا بمهنه وملكة يكون عنها أفعال التمكين فيهم وأفعال حفظ ما مكن فيهم عليهم، وتلك المهنة هي الملكية والملك أو مشاء الإنسان أن يسميها)) ([15]).

ويبين الفارابي في موضع آخر أن أفعال الإنسان جزآن منها ما يحقق الشيء الفاضل المفيد للإنسان، ومنها ما لا يحقق ذلك فيقول: ((وهذا العلم جزآن جزء يشتمل على تعريف السعادة، وتمييز ما بين الحقيقة والمظنون به، وعلى إحصاء الأفعال والسير والأخلاق والشيم الإرادية الكلية التي شأنها أن توزع في المدن والأمم وتمييز الفاضل منها من غير الفاضل)) ([16]).

والآداب التي يهدف إليها الفارابي هي علم الأخلاق وهذا ما يسمي بالروح الأدبي فيقول ((إن الأخلاق والواجبات هي الروح الأدبي أو النظام الأدبي الذي أودعه الله في نفوس جماعات البشر، وجعله من أكبر العوامل في سعادتهم وشقائهم)) ([17]).

والمسئولية عند الفارابي في إصدار الأفعال لا يتم إلا عن طريق الفكر الصحيح، واستخدام العقل في التفكير المنظم والمسلسل وينال الإنسان من خلال أفعاله السليمة السعادة حيث يقول ((فواضع النواميس هو الذي له قدرة على أن يستخرج بجودة فكرته شرائطها التي بها تصير موجودة بالفعل وجودا تنال به السعادة القصوى، وبين أنه ليس يلتمس واضع النواميس استنباط شرائطها أو تعقلها قبل ذلك؛ ولا يمكن أن يستخرج شرائطها التي يسدد بها نحو السعادة القصوى أو يعقل السعادة القصوى)) ([18]).

من النص السابق يتضح لنا أن الفارابي عند تقسيمه لحقيقة الفعل الإنساني يستدل بالأمور العملية وضرب الأمثال ليبين أهداف وحقائق موضوعية للأخلاق العملية.

فيقول ((العلم الإنساني من الناحية التطبيقية، الكمال الذي يبلغه الإنسان ماذا وكيف هو؟)) ([19]).

والأخلاق العملية التي تصدر عن فعل الإنسان تحقق خصال الخير وتفارق الأهواء والرغبات الشخصية فقال ((الأدب مفارقة الهوى مع مراقبة الرضي، وقيل: حقيقة الأدب اجتماع خصال الخير، ومنه “المأدبة” لأن فيها اجتماع لطائف الأغذية)) ([20]).

ومن خلال تقسيمات الفارابي للفعل الإنساني عندما تحدث عن السعادة والأدب والأخلاق العملية للإنسان نجده يذكر أن كل ذلك ينتج من خلال العقل بالفعل فيقول ((العقل بالفعل: هو الذي تحصل فيه المعقولات التي انتزعتها عن المواد معقولات بالفعل، وكانت قبل أن تنتزع عن موادها معقولات بالقوة، وتلك الذات إنما صارت عقلا بالفعل التي هي بالفعل معقولات، فإنها معقولات بالفعل وإنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه. وهذه المعقولات بالفعل وجودها تابع لسائر ما يقترن بها فهي مرة أين، ومرة متي، ومرة وضع)) ([21]).

وهذا العقل ((إنه يفحص عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية)) ([22]).

حقائق الفعل الإنساني عند الفارابي:-

الأعمال الصالحة دالة على سبب المواهب والنور والهداية وجزيل الفضائل، لأن الإنسان لا ينوي إلا فعل نفسه، وأن الأمور المكتسبة للأفعال الإنسانية تبين حقيقة الفعل الإنساني سواء كانت قدرة أو مكتسبة حيث يقول ((اسم العلم يقع على أشياء كثيرة، إلا أن العلم الذي هو فضيلة ما للجزء النظري هو أن يحصل في النفس اليقين بوجود الموجودات التي وجودها وقوامها لا يصنع إنسان أصلا، وما هو كل واحد منها وكيف هو عن براهين مؤلفة عن مقدمات صادقة ضرورية كلية أوائل تيقن بها وحصلت معلومة للعقل بالطبع)) ([23]).

ومن أهم خصائص الفعل الإنساني عند الفارابي: أنه لابد من وجود العقل والحرية في اختيار الأفعال حيث يقول ((وعلى الغايات والكمال الذي لأجله كون الإنسان، ويعلم أن المبادئ الطبيعية التي في الإنسان وفي التعليم غير كافية في أن يصير الإنسان بها إلى الكمال الذي لأجل بلوغه كون الإنسان ويتبين أنه محتاج فيه إلى مبادئ نطقية وعقلية يسعي الإنسان بها نحو ذلك الكمال)) ([24]).

مما سبق يتبين لنا أن الفارابي يبين لنا حرية الإرادة والاختيار للفعل الإنساني يشهدها الإنسان بالبداهة والوجدان، وعندما يكون الإنسان عاقلا حرا في اختيار فعله فيزن أفعاله التي تختار الأفعال الحسنة فيقول أيضا ((يشرع العلم في العلم الإنساني، ويفحص عن الغرض الذي لأجله كون الإنسان، وهو الكمال الذي يلزم أن يبلغه الإنسان، ماذا وكيف هو، ثم يفحص عن جميع الأشياء التي بها يبلغ الإنسان ذلك الكمال إذ ينتفع في بلوغها؛ وهي:-

((الخيرات والفضائل والحسنات ويميزها عن الأشياء التي تعوقه عن بلوغ ذلك الكمال وهي الشرور والنقائض والسيئات))([25]).

ويقول أيضا ((إن الأشياء التي توجد للإنسان بالطبيعة والفطرة تتقدم في الزمان الإرادة والاختيار)) ([26]).

وعن طريق الحرية والإرادة يحصل الإنسان على الفضيلة، وتحمل المسئولية حيث يقول ((تلك الفضيلة طبيعية وكائنة الطبع، مقرنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بالإرادة، وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية)) ([27]).

ويقول أيضا ((وأول الرتبة التي بها الإنسان إنسان هو أن تحصل الهيئة الطبيعية القابلة المعدة لأن يصير عقلا بالفعل ([·])، وهذه هي المشتركة للجميع، فبينها وبين العقل الفعال رتبتان هما: أن يحصل العقل المنفعل بالفعل، وأن يحصل العقل المستفاد، وبين هذا الإنسان الذي بلغ هذا المبلغ من أول رتبة الإنسانية)) ([28]).

أحكام حقيقة الفعل الإنساني عند الفارابي:

هناك أمور فعلية للإنسان لا يمكن التوكيل فيها وهي قسمان:-

ما لا تحصل مصلحته إلا للمباشر فعلا فلا يجوز التوكيل فيها لفوات المصلحة بالتوكيل كالعبادة يقول الفارابي ((“المؤمن” من تكون طاعته لمولاه، وبغضه لدنياه وزاده تقواه، وعلامة ذكراه)) ([29])

ويستشهد بالآيات القرآنية كقوله تعالي ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) (الذاريات 56) – المراد عند مشاهير أهل التفسير ليوحدون)) ([30]).

ومن أحكام حقيقة الفعل الإنساني عند الفارابي التي لا يجوز التوكيل فيها أيضا مثل فضيلة الخشوع وهي من أهم أركان العبادة، وأن الروحانيين مدبرون مشرفون على جميع الأفعال، واستعمال تعظيم الإله والصلوات والتسابيح والتقاديس، وأن الإنسان إذا فعل هذه وترك كثيرا من الخيرات المتشوقة في هذه الحياة، وواظب على ذلك عوض عن ذلك وكوفي بخيرات عظيمة)) ([31]).

ومن حقيقة الفعل الإنساني الإرادة والاختيار فيقول ((ثم معنى الإرادة ما هو معنى الاختيار ما هو، وما الفرق بينهما وما السعادة القصوى التي لها وإن الإنسان، وما الشقاء الذي يصير إليه إذا مال عن طريق السعادة وأن الإنسان يصير إلى كل واحد منهما بإرادته واختياره وكيف يصير)) ([32]).

وبذلك تتم حقيقة الفعل الإنساني وأحكامه عند الفارابي ((أما أفعاله وقواه وملكاته التي يختص بها من حيث هو إنسان، وها تتم إنسانيته وفضائله فهي الأمور الإرادية التي بها تتعلق قوة الفكر والتمييز، والأشياء الإرادية التي تنتسب إلى الإنسان من خيرات وشرور)) ([33]).

ويقول الفارابي معلقا ((ما معني الأفعال الجميلة الفاضلة، وما معني الرذيلة والأفعال القبيحة)) ([34]).

وحقيقة الفعل الإنساني عند الفارابي يبحث عن الأخلاق فيقول ((وعن الملكات والأخلاق والسجايا والشيم التي عنها تكون تلك الأفعال والسنن وعن الغايات التي لأجلها تفعل، وكيف ينبغي أن تكون موجودة في الإنسان وكيف الوجه في ترتيبها فيه على النحو الذي ينبغي أن يكون وجودها فيه، هذا العلم ويسمي الفلسفة الإنسانية)) ([35]).

إذن يحدد الفارابي شروطا معينة عند إيقاع الفعل حتى يصير الإنسان مدركا وهي وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور، وكذلك تعلق الأمر بالفعل، ولابد للإنسان من معرفة ما ينتج عن فعله أما النتيجة قبل الفعل محال لأن الإنسان هو الذي يختار أفعاله حتى يتجنب الرذائل وهذا الاختيار لا يتم إلا عن طريق العقل فيقول ((يحصل العقل الذي كان عقلا بالقوة عقلا بالفعل، وليس يمكن أن يصير كذلك شيء سوى الإنسان)) ([36]).

ومن حقيقة الفعل الإنساني: أن يبين للإنسان ما هو أنفع وأجمل ويفسر له الفضائل حتى يتمسك بها، وأيضا يبين الفعل الحسن ([·]) والفعل القبيح فيقول ((ثم ظاهر أن كل ما هو أنفع وأجمل، فإما أن يكون أجمل في المشهور، أو أجمل في مله أو أجمل في الحقيقة، كذلك الغايات الفاضلة أما أن تكون فاضلة وخيرا في المشهور، أو فاضلة وخيرا في مله ما، أو فاضلة وخيرا في الحقيقة.

ولا يمكن أن يستنبط الأجمل عن أهل مله ما إلا الذي فضائله الخلقية فضائل تلك الملة خاصة، وكذلك من سواه، وتلك حال الفضائل التي هي أعظم قوة والفضيلة الخلقية التي هي أعظمها قوة لا يفارق بعضها بعضا)) ([37]).

واختيار الفعل الحسن من حقيقة الفعل الإنساني عند الفارابي فيقول ((العمل الإنساني: هو اختيار الجميل والنافع في المقصد المعهود إليه بالحياة العاجلة)) ([38]).

والفعل الإنساني هو الذي يحدد فضيلة الحق ورذيلة الجهل والقبيح: يقول الفارابي ((للوقوف على الحق عرف الحق)) ([39]).

وعلى عكس ذلك يقول ((كل ذلك لئلا يكون الشيء يمنع غرضه الجاهلي والقبيح)) ([40]).

ويقول أيضا ((الفلسفة العملية صنفان؛ أحدهما يحصل به علم الأفعال الجميلة والأخلاق التي تصدر عنها الأفعال الجميلة وهذه تسمي الصناعة الخلقية)) ([41]).

دعائم الفعل الإنساني عند الفارابي:

من أهم دعائم الفعل الإنساني عند الفارابي ما يلي:-

الإلزام ([·]):

ينظر الفارابي للفعل الإنساني من منظور إسلامي: وأول هذه الدعائم الأساسية للإلزام هو ما يطلق عليه لفظ تكليف، لأن التكليف متعلق بالفعل الإنساني، سواء في معرفة الفضائل والتمسك بها، أو معرفة الرذائل وتجنبها حيث يقول ((وصناعة الفقه هي التي بها يقتدر الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما لم يصرح واضح الشريعة بتحديده عن الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير وأن يتحرى تصحيح ذلك على حسب غرض واضح الشريعة بالملة التي شرعها في الأمة التي لها شرع، وكل ملة ففيها آراء وأفعال)) ([42]).

 

الخاتمة

وهكذا فقد تبين لنا بعد استعراض آراء الفارابي في الفعل الإنساني أنه جاء متسقا تماما مع فلسفته الإنسانية والأخلاقية وكانت نظرية الفعل الإنساني عند الفارابي تهدف إلى تهذيب النفوس الإنسانية مثل النفس المطمئنة والنفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة بالتمسك بالأخلاق الكريمة وكذلك فعل الخيرات والحسنات والبعد عن السيئات والعمل السوء.

ومن الجدير بالذكر بأن الفارابي قسم الأفعال الإنسانية حسب المصالح الدالة على الفضائل الأخلاقية.

وأيضا تحدث عن دعائم الفعل الإنساني وحقائقه مثل أن الإنسان لابد أن تكون لديه الحرية والاختيار عندما يقوم بأفعاله وسلوكه.

وتناول الفارابي مصادر الإلزام وهي الفطرة والهيئة الاجتماعية وكذلك تحدث عن المسئولية الأخلاقية وعلاقتها بالسريرة الداخلية عند الإنسان (النية) ويشرح لنا الجزاء لأنه من ضمن النتائج المترتبة على الفعل الإنساني وأيضا قسم الجزاء إلى الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي المرتبط بالآخرة.

بعد الانتهاء من هذا البحث يتبين لنا أن الفارابي استطاع أن يفشر مشكلة الفعل الإنساني بوجه عام من خلال فلسفته الإنسانية والأخلاقية

المصادر والمراجع

الفارابي: الحدود والرسوم: تحقيق د/ جعفر آل ياسين – عالم الكتب -الطبعة الأولي- 1405 هـ- 1985 م.

الفارابي: تحصيل السعادة – تحقيق د/ جعفر آل ياسين – دار الأندلس للطباعة والنشر – الطبعة الأولي- 1401 هـ- 1981 م.

الفارابي: فصول منتزعة – تحقيق د/ فوزي متري النجار- دار المشرق بيروت – الطبعة الثانية – 1993 م.

الفارابي: أراء أهل المدينة الفاضلة – قدمه وعلق عليه د/ ألبير نصري نادر- الطبعة السابعة- 1996 م.

الفارابي: الملة ونصوص أخري – حققها وقدم لها محسن مهدي – دار المشرق – بيروت – الطبعة الثالثة – 2001 م.

الفارابي: رسالة الأسئلة اللامعة والأجوبة الجامعة – تحقيق -محسن مهدي – الطبعة الثالثة- مطبعة مدرسة عباس الأول – سنة 1326 هـ- 1908 م.

أبن مسكوية: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق في التربية – صححه أ. عبد العليم صالح- الطبعة الثالثة – مطبعة مدرسة عباس الأول – سنة 1326 هـ – 1908 م

مصطفي عبد الجواد وعمران وآخرون: الجانب الإيماني والأخلاقي في الإسلام – مطبعة زهران – القاهرة – سنة 1379 ه- 1977 م

مراد وهبة وآخرون: المعجم الفلسفي – القاهرة – سنة 1966 م.

ظهير الدين البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام – تحقيق ممدوح حسن محمد- مكتبة الثقافة الدينية – الطبعة الأولي – 1417 هـ 1996 م.

كارل بروكلمان: تاريخ الأدب العربي – ترجمة د/ عد الحليم النجار- الطبعة الثالثة- ج -4- دار المعارف بمصر- سنة 1974 م.

عبد القادر المغربي: الأخلاق والواجبات – المطبعة السلفية – القاهرة – سنة 1347 هـ.

[·] عضو هيئة تدريس بقسم الفلسفة – كلية الآداب والعلوم زليتن – جامعة المرقب.

[·] هو محمد بن محمد طرخان من فارب، تركستان، وأصله من أسرة تركية، توفي سنة 339 م، وهو الملقب بالمعلم الثاني ولم يكن أضل منه في حكماء (الإسلام قبله)

[1] الحدود والرسوم – الفارابي – تحقيق د/جعفر آل ياسين – عالم الكتب – الطبعة الأولى 1405 هـ -1985 م ص 380

[2] التنبيه علي سبيل السعادة – الفارابي – تحقيق د/ جعفر آل ياسين – دار الأندلس للطباعة والنشر الطبعة الأولى – 1401 ه- 1981 م- ص 59

[3] تحصيل السعادة – الفارابي- ص 81 .

[4] فصول منترعه- الفارابي – تحقيق د/ فوزي متري النجار- دار المشرق – بيروت – طبعة ثانية 1993 م – ص 39.

[5] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 69 .

[·] الحكمة الخلقية: قسم من أقسام الحكمة العملية، فائدتها أن تعلم الفضائل وكيفية اقتنائها لتركزيها النفس، وتعلم الرذائل وكيفية توقيها لتتطهر عنها – المعجم الفلسفي – د/ مراد وهبة وآخرين- القاهرة- 1966 ص 67 .

[6] فصول منتزعة -الفارابي- ص 62، 61.

[·] فطري: عند ديكارت يقال هذا المصطلح علي وقائع الشعور والتجربة الباطنة والصور الأولية للمعرفة، في مقابلة (مكتسب)

فطرة سليمة: استعداد لإصابة الحكم والتمييز بين الحق والباطل؛ وهي مرادفه للعقل عند ديكارت (المعجم الفلسفي د/مراد وهبة وآخرين- ص 123..

[7] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 415

[8] فصول متنوعة – ص 59، 58

[9] المصدر السابق، ص 59.

[10] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 76

[11] المصدر السابق – ص 76،77.

[12] المصدر السابق ص 75.

[13] الملة ونصوص أخري – الفارابي – تحقيق د/ محسن مهدي – الطبعة الثالثة – سنة 2001- ص 99.

[14] المصدر السابق – نفس الصفحة.

[15] المصدر السابق – نفس الصفحة.

[16] الملة ونصوص أخرى – الفارابي ص 72.

[17] الأخلاق والواجبات – الشيخ عبدالقادر المغربي- المطبعة السلفية – القاهرة -1347 ه- ص 28 .

[18] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 91 .

[19] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 105.

[20] الملة ونصوص أخرى – الفارابي – ص 84

[21] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 368

[22] الملة ونصوص أخرى – الفارابي – ص 52.

[23] فصول منتزعة- الفارابي – ص 52، 51.

[24] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 61، 60 .

[25] المرجع السابق – ص 63

[26] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 415.

[27] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 76.

[·] العقل بالفعل: ((استكمال النفس في صورة ما أو في صورة معقولة حتى متى شاء عقلها وأحضرها بالفعل ))- المعجم الفلسفي د/ مراد وهبة -ص 111 .

[28] آراء أهل المدينة الفاضلة – الفارابي – ص 124.

[29] الأسئلة اللامعة ولأجوبة الجامعة – الفارابي – ص 64 .

[30] المصدر السابق – نفس الصفحة.

[31] آراء أهل المدينة الفاضلة – الفارابي – تحقيق د/ ألبير نصري نادر- بيروت – دار المشرق- الطبعة السابعة – 1996 م – ص 160.

[32] الملة ونصوص أخرى – الفارابي – ص 83.

[33] تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق في التربية- أبن مسكويه – صحيحه أ. عبد العليم صالح – الطبعة الثالثة – مطبعة مدرسة عباس الأول – سنة 1326 هـ 1908 م – 10.

[34] الملة ونصوص أخرى – ص 52.

[35] المصدر السابق – ص 52.

[36] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 369.

[·] حسن الخلق: مع الله عز وجل أن تودي أوامره، وتترك نواهيه، وتطيعه في الأحوال كلها من غير اعتقاد في استحقاق العوض عليه – الغنية في الخلاق والتصوف الشيخ عبدالقادر الجيلاني- دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان الطبعة الأولي 1997 م- ص 95

[37] تحصيل السعادة – الفارابي – ص 74 .

[38] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 391 .

[39] آراء أهل المدينة الفاضلة – الفارابي – ص 148 .

[40] المصدر السابق – ص 149 .

[41] الحدود والرسوم – الفارابي – ص 419

[·] الإلزام الخلقي: ((بأنه القاعدة الأساسية والمدار والعنصر النووي الذي يدور حوله كل النظام الأخلاقي الذي يودي فقده إلي سحق جوهر الحكمة العملية ذاته – وفناء ماهيته ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام فلن تكون هناك مسؤولية))- دستور الأخلاق في القرآن محمد عبدا لله دراز- ترجمة د/ عبد الصبور شاهين – بيروت – 1973 م- ص 220.

[42] الملة ونصوص أخرى – الفارابي – ص 75 .