صحيفة أبي نصر الفارابي في الفصيح من لغات العرب: دراسة وتأصيل

 

صحيفة أبي نصر الفارابي فيالفصيح من لغات العرب:دراسة وتأصيل

كمال أحمد المقابلة ومحمد علي مقابلة *جامعه ال البيت وجامعه البلقاء التطبيقيه الاردن : ملخـص أورد السيوطي في كتابيه المزهر والاقتراح نصا نَسَبه إلى أبي نصر الفارابي، عُرف عند الباحثين باسم (صحيفة الفارابي)، وتعرض هذه الصحيفة لفصاحة القبائل العربية، وتميّزِ بعضها عن بعض في هذا المجال. وقد صّدّرّ بعض الباحثين المحدثين عن مواقف متباينة من هذه الصحيفة، فمنهم من أكدها نسبة ومضمونا، ومنهم من شكك في مضمونها، وأنكر نسبتها لأبي نصر الفارابي.

وتحاول هذه الدراسة أن تقف على حقيقة الصحيفة دراسة وتحقيقا من حيث نسبتها لصاحبها (أبي نصر الفارابي)، فضلا عن دراسة أفكارها ومضمونها دراسة وتحقيقا.

وحتى تحقق الدراسة هدفها، كان لزاما تقسيمها إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة، سيحقق المبحث الأول في نسبة النص لصاحبه، أما المبحث الثاني فسيناقش مضمون الصحيفة، وسيحاور آراء المحدثين، وختاما ستسجل الدراسة أهم النتائج التي ستتوصل إليها. الكلمـات الدالـة: الفارابي، صحيفة، المضمون.

صحيفة الفارابي

أفرد السيوطي في كتابه المزهر فصلا أسماه (في معرفة الفصيح من العرب) قال فيه: “وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عما في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط ولا من قضاعة وغسان وإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية ولا من تغلب واليمن فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس ولا من عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدؤوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب”[i].

المقدمـة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛ فقد عرض الباحثون المحدثون لنصَّ أبي نصر الفارابي الذي أورده السيوطي في كتاب المزهر في علوم اللغة[ii] والمنقول عن كتاب (الحروف)[iii] لأبي نصر الفارابي، وقد ناقش الدكتور حنّا حداد هذا النص مناقشة مستفيضة تتسم بالدقة والجديّة، وذلك في بحثه الموسوم بـ: “أهل اللغة ولغة الأهل… “[iv].

فقد بحث في نسبة هذا النص لصاحبه، وناقش مضامينه وأفكاره، ولعلّ الدكتور حداد في بحثه هذا يشكك في صحة نسبته لأبي نصر محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف المعروف بـ (المعلم الثاني)، كما أنّه يحاول إنكار بعض مضامين هذا النصّ، وبخاصة ما يتعلّق منها بالقبائل العربية الأكثر فصاحة والتي احتُجّ بلغتها دون غيرها.

ومع أنّ الباحث قدّم جهدا لا يمكن إنكاره، ومع أنّه حاول استقصاء كلّ ما وقعت عليه عينه بما يتصل بنصّ الفارابي سابق الذكر، ومع أنّه اتّبع منهجا علميا أثناء مناقشته لنصّ الفارابي إلا أنّه اندفع إلى إنكار صحّة نسبته لصاحبه وصولا إلى إنكار مضمونه.

وتعمد هذه الدراسة إلى مناقشة آراء الباحثين المحدثين ومنهم الدكتور حنّا حدّاد والردّ على موقفهم من صحيفة الفارابي من حيث نسبتها لصاحبها، ومضامينها، فضلا عن الوقوف عند بعض الأحكام العامة التي نجدها متناثرة في ثنايا آراء المحدثين ومناقشتها.

وحتى تحقق الدراسة أهدافها، كان لزاما تقسيمُها إلى: مقدمة ومبحثين وخاتمة، سنعرض في المبحث الأول لموقف الباحثين من نسبة الصحيفة لصاحبها، وسنناقش في المبحث الثاني موقف الباحثين من مضامين النص وأفكاره، أما الخاتمة فسنجمل فيها أهم النتائج التي ستتوصل إليها الدراسة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين.

المبحث الأول: نسبة الصّحيفة للفارابي

استهلّ الدكتور حدّاد بحثه بقوله: “يتعاور اللغويون والمهتمون برواية اللغة وتدارس قضاياها نصّا يتّصل بتقييم لغات القبائل العربية، ساقته المظانّ منسوبا لمن يُدعى (أبو نصر الفارابي)، هذه صورته “[v].

ومن يمعن النظر في استهلا له هذا يجد أن الدكتور حداد يقف موقفا سلبيا من نصّ الفارابي، وذلك من خلال استعماله ألفاظا اختارها بعناية، تتسم بالدّقة، وتوحي بالشك وعدم اليقين، ومنها: (يتعاور اللغويون)، ولم يقل مثلا (نقل لنا اللغويون)، وكأنّهم يتداولون[vi] النص على غير هداية أو معرفة أو تدقيق، وقال: (يتّصل بلغات القبائل) على التشكيك، ولم يقل (يبين أو يفصّل أو يصف…) على التحقيق، ثمّ يقول: (ساقته المظانّ منسوبا)، وكأن هذا النصّ سيق إلينا دون أن يرتبط بمؤلف، وبعد ذلك يقرر الدكتور حداد أنّ النصّ منسوب خطأ إلى أبي نصر الفارابي فيقول: (لمن يُدعى أبو نصر الفارابي). فهذه العبارة تكشف عن عدم اعتراف الدكتور حداد بصحّة هذه النسبة، وعندما أراد الدكتور حداد أن يقدّم النص للقراء قال: (هذه صورته)، ولم يقل (هذا متنه أو مضمونه).

ولا شكّ أن الدكتور حداد عمد إلى اختيار هذه الألفاظ عن قصد ووعي وإحاطة بدلالتها، كي تكون معبّرة عن موقفه من نصّ الفارابي فكل عبارة، وكل كلمة، تُعبّر عن معنى في نفسه.

وبعد أن يعرض الدكتور حداد لمتن النصّ نجده يعلّق على سبب كثرة استشهاد العلماء والباحثين – قديما وحديثا – بهذا النصّ، وكثرة إفادتهم منه، واتّكائهم عليه، ويعلّل ذلك بقوله: “لأنّ هذا النصّ هو الأكملُ في موضوعه”[vii]، فيختار علّة خارجة عن النصّ نفسه، بعيدة عن سلامة أفكاره أو صحة نسبته، ويضيف قائلا: “على الرغم مما يشوبه من الاضطراب في بعض ألفاظه، ومما يعتريه من الشكّ في صحة نسبته”[viii]. وهنا يصرّح الدكتور حداد بموقفه تجاه نصّ الفارابي، ويشكك في صحّة نسبته لصاحبه، يقول: “وقبل أن نلج في النصّ لمناقشة ما تضمنّه من أحكام، لا بدّ من معرفة صاحبه والكشف عن شخصيّته”[ix]، علما بأنه لم يكشف عن شخصية صاحب النص البديل وفق افتراضه إنما ترك النص دون نسبة!![x]، ومما يلاحظ عليه هنا أنّه استخدم كلمة (أحكام)، ولم يقل (مضامين أو أفكار أو حقائق) مثلا؛ لأنّه يعتقد أنّ ما جاء في النصّ ما هو إلا أحكام قابلة للرد، وربما توصف بأنها جائرة أو ظالمة !!!

وبعد ذلك يطرح الدكتور حداد السؤال الكبير: من هو أبو نصر الفارابي هذا؟[xi]، ثمّ يجدُّه في محاولته العثور على إجابة لهذا السؤال، متتبعا سند النصّ وطرق تناقله عند العلماء، فيجد أنّ المصدرين الوحيدين لهذا النص هما: السيوطي في كتابيه (الاقتراح في أصول النحو، والمزهر في علوم اللغة[xii])، وأبو حيّان الأندلسي في كتبه (تذكرة النحاة[xiii]، وشرح التسهيل، وارتشاف الضرب)[xiv]، ونشير هنا إلى أنّ الباحث تجاهل كتاب (الحروف)[xv] لأبي نصر الفارابي، وهو الكتاب الأم الذي حوى النصّ، علما بأنه من الكتب التي اعتمد عليها الدكتور حداد في بحثه.

وبعد أن يقرّ الدكتور حنا حداد بوجود النص في مؤلفات السيوطي ومن قبله أبو حيان، نجده يحاول إنكار العلاقة بين ما جاء عندهما من ذكر لنصّ الفارابي، وبين ما كُتب أصلا في كتاب الحروف، وكان منطلقه في هذا الإنكار أمران:

الأول: نعته لرأي الدكتور محسن مهدي – محقق كتاب الحروف – بأنّه اتّهام!! وذلك عندما وصف النص الذي ذكره السيوطي بأنّه تلخيص لما قاله الفارابي مع أشياء أضافها السيوطي من عنده[xvi]. ويعلّق الدكتور حدّاد على هذا بقوله: “يسقط عندنا الاتّهام الذي وجهه للسيوطي الدكتور محسن مهدي… فقد ثبت أنّ السيوطي كان أمينا على النصّ، وصادقا فيما نقله”[xvii]. علما بأنّ السيوطي لم يكن ناقلا فحسب فغالبا ما نجده يعلّق على النصوص التي ينقلها، ويضيف إليها ما يخدمها ويقوي مضمونها، مع المحافظة على الأمانة في النقل.

الثاني: إسقاطه هذا الاتّهام، محاولة منه لإثبات دعواه في عدم وجود علاقة بين ما ذكره السيوطي وما جاء في كتاب (الحروف) للفارابي. يقول الدكتور حداد معلقا على كلام السيوطي: “على الرغم من إغفاله ذكر اسم المصدر الذي استقى النصّ منه”[xviii]. وبعد الرجوع إلى السيوطي وجدناه استفتح كلامه بقوله: “وقال أبو نصر الفارابي في أوّل كتابه المسمّى بـ الألفاظ والحروف”[xix]. ولا أجد أكثر بيانا وإفصاحا من هذا، من ذكر المصدر الذي استقى منه السيوطي نصّ الفارابي، فهو يحدد كنية المؤلف وينسبه إلى (فاراب)، ويذكر اسم الكتاب الذي استقى منه النصّ[xx]، وهذا نهج السيوطي في جميع مؤلفاته، خلافا لما نجده عند معاصريه من الإقلال في التوثيق. والدكتور حدّاد يقرّ بهذه الحقيقة عندما ختم فكرته بالقول:” وليس ذا من عادته”[xxi]. ونجد عددا من الباحثين المحدثين يستشهد بنص الفارابي الذي أورده السيوطي دون أدنى شك[xxii]، فهم يتعاملون مع النص على أنه حقيقة ثابتة صحيح النسبة إلى إبي نصر الفارابي.

عنوان الكتاب

ومع أنّ عالمين كبيرين أمينين على النقل أكّدا صحة نسبة النصّ لأبي نصر الفارابي – وهما الأقرب إليه زمانا – إلا أنّ هذا لم يكن كافيا لإقناع الدكتور حدّاد بصحة نسبة النصّ لصاحبه، فهو لم يسلّم بصحة نسبة النصّ لأبي نصر الفارابي الفيلسوف، فما زال الشكّ يراوده!! يقول: “الحقيقة، أنّ ثمّة أمورا تستوقف الباحث وهو يحاول الوصول إلى رأي يطمئنّ إليه في هذه المسألة، فمصدر النص كما ذكر الذين ساقوه كان كتابا باسم (الألفاظ والحروف). وقد ثبت أنّ للفارابي كتابين: أحدهما باسم (الحروف)، والثاني باسم (الألفاظ المستعملة في المنطق) ولا أثر للنص كما وصلنا في أيّ من الكتابين”[xxiii]. ثمّ يستثني الدكتور حداد من كلامه ما جاء عند الفارابي في كتابه (الحروف) من الحديث عن القبائل التي أُخذت عنها اللغة[xxiv]، مُنكرا صلة النص بما ذكره السيوطي[xxv]. ويعلّق على ذلك بأنّ نصّ الفارابي الوارد في كتاب الحروف “يحمل في ثناياه روح النصّ موضوع البحث، ولكنه لا يتطابق معه تطابقا تامّا أو قريبا منه”[xxvi]. وأتساءل هنا: ما مقاييس التطابق التي ينشدها الدكتور حداد بين ما ورد في كتاب الحروف وبين ما جاء به السيوطي ومن قبله الأندلسي؟؟ وعليه لا نتردد في القول بأن ما جاء به الأندلسي والسيوطي هو عينه ما ورد في كتاب (الحروف) للفارابي، وهي الفكرة نفسها من أنّ قبائل حققت مقاييس الفصاحة دون غيرها، وأنّ التي لم تحقق هذه المقاييس إنما لمخالطتهم أو مجاورتهم لغيرهم من غير العرب لإفسادهم اللسان العربي، ومن هؤلاء: أهل الحبشة، والهند، والفرس، والسريان، أهل الشام، وأهل مصر[xxvii].

أما مسألة التطابق التام فهذا أمر يفتقر إليه كلّ نصّ باستثناء القرآن الكريم ؛ لأنّ الله تعالى تكفّل بحفظه، وقد رأينا الباحث ساق إلينا اختلافا عند السيوطي نفسه بين كتابيه: المزهر والاقتراح، ورأيناه أثبت اختلافا بين السيوطي وأبي حيّان، وهما متقاربان، فهل يعقل أن نطلب تطابقا تاما بين السيوطي والفارابي وبينهما قرون من الزمن؟! والباحث نفسه يؤكد ما ذهبنا إليه بقوله: “يجوز أن نقول إنه صورة له، أو إنه منقول عنه بتصرّف”[xxviii]. ولو أننا وافقنا الدكتور حداد في التشكيك الذي أورده السيوطي، لحُقّ لنا أن نشكك في جميع النقول التي أوردها في كتابه هذا وفي كتبه الأخرى، وهذا أمر مستحيل؛ فجميع النقول التي أورها السيوطي عن علماء آخرين نجدها متطابقة مع ما جاء في مؤلفاتهم، من مثل الباب التاسع والثلاثين في المزهر للسيوطي، جاء تحت عنوان (الملاحن)، وبالعودة إلى كتاب الملاحن[xxix] لابن دريد – وقد أشار السيوطي إلى ذلك – نجده متطابقا مع ما ورد في المزهر ولكن باختصار.

أما إذا كان قصد الدكتور حداد ذكر صلاة النصارى عند السيوطي والأندلسي وعدم ذكرها عند الفارابي في (الحروف)، فنرى بأن الفارابي اكتفى بذكر أهل الشام، وأهل مصر، ومعلوم أن الشام ومصر موطنا الديانة النصرانية قبل الإسلام وبعده.

ومما يدعو إلى التأمل إصرار الدكتور حداد على إنكار العلاقة بين ما جاء في كتاب (الحروف) للفارابي وبين ما جاء به السيوطي والأندلسي، حيث يعدّ ذلك وهما من أبي حيّان وتابعه السيوطي[xxx]. ثم يلجأ للبحث عن كتاب آخر للفارابي علّه يجد تطابقا، وأرى بأنّ ذلك من نافلة القول وبخاصة أنه يختم كلامه بقوله: “ولكننا لا نعرف عنه شيئا”[xxxi]. فما فائدة أن نطرح مثل هذاالطرح إذ ما دام البديل لا سبيل إلى الوصول إليه؟! أما ما ذكره الدكتور حداد عن كتاب (الألفاظ المستعملة في المنطق)، فأرى بأنه كتاب لا علاقة له بالنصّ/ مدار البحث لا من قريب أو بعيد، فهو كتاب آخر مختلف عن كتاب الحروف، وهو ألصق بالفلسفة منها باللغة.

وبعد مناقشة مستفيضة من الدكتور حداد لعلاقة النصّ بأبي نصر الفارابي يخلص إلى قرار حاسم ينفي العلاقة بين كتاب (الحروف)- بما في ذلك النصّ الذي تضمنه – وبين أبي نصر الفارابي، بل وينفي العلاقة بينه وبين أيّ من الفارابيين الثلاثة[xxxii] على النحو الآتي:

يقول: هو مدفوع عن الفارابي الفيلسوف بثلاثة أمور: 

أكد الذين نقلوا النصّ وحفظوه لنا، أنّه من كتاب واحد يحمل اسم (الألفاظ والحروف)، وليس للفارابي الفيلسوف – كما أثبت التحقيق – كتاب مستقل بهذا الاسم.

قال الذين نقلوا النصّ إنه من أول كتاب (الألفاظ والحروف)، والذي عثرنا عليه من الكلام القريب في معناه العام من النص المعني جاء في وسط كتاب (الحروف)، وليس في أوله.

لا أثر للنص كما أوردته المظان في أيّ من مصنفات الفارابي الفيلسوف.

ونردّ على هذا الكلام بالآتي:

أولا: ما ذهب إليه من أن الفارابي الفيلسوف ليس له كتاب مستقل باسم (الألفاظ والحروف)، أقول: إن كتاب (الحروف) المعروف اليوم عرفه المتقدمون باسم (الألفاظ والحروف)، ربما من باب الحمل على مضمون الكتاب، حيث يعرض لدلالة حروف المعاني ثم يأتي بعد ذلك على باب الألفاظ، وربما لجأ بعض المتقدمين إلى الجمع بينهما إما من باب التقارب في شكل العنوان، وإما من باب الدمج بين المؤلَّفَين بوصفهما لمؤلف واحد. وقد أكّد هذا الدكتور محسن مهدي محقق كتاب الحروف[xxxiv]. فالعبرة ليست في استقلال الكتاب أو اندماجه مع غيره، إنما العبرة في وجود الكتاب أو عدمه[xxxv].

ثانيا: فيما يتعلق بموقع النص أهو في أول كتاب (الحروف) أم في وسطه، فلما كان موقع النص في أول كتاب الألفاظ والحروف كما ذكر السيوطي، فمن الطبيعي أن تتعرض أجزاء الكتاب إلى تبديل أو تقديم وتأخير مع مرور الزمن، وبفعل أخطاء النساخ أو سهوهم، وبخاصة أن كتب الفارابي كانت عبارة عن كراريس، وكل كراسة تحتوي عنوانا مستقلا عن الآخر[xxxvi]. ناهيك عن آلية نسخ الكتاب عند المتقدمين، وتصرّف النسّاخ فيه، وتعرضه للفقد أو النقصان في زمن ما، واختلاف طبعه وتحقيقه، فهذه أمور تساهم جميعها في تقديم موقع النص أو تأخيره. وفي الحقيقة يبقى الأمر شكليا لا جوهريا، وما يعنينا وجود النص أو عدم وجوده، فما دمنا متفقين على أن النص موجود في كتاب (الحروف) لأبي نصر الفارابي الفيلسوف، فهذا مبتغانا، ولم يعد مسوّغ للاختلاف في موقع النص من الكتاب.

ثالثا: فيما يتعلق بذكر النص في مصنفات أخرى للفارابي، فلا يشكل هذا دليلا على نفيه عنه، فالفارابي – وغيره من المُصنِّفين – ليس ملزما بذكر نصّ ما، أو نصوص متعددة في جميع مؤلفاته، وإن كان هذا المعيار يصلح للإثبات فإنه لا يصلح للنفي، فإذا أردنا إثبات نصّ لعالم ما نبحث عنه في مصنفاته الأخرى للاستئناس به، ولا يمكننا أن نفعل العكس لأننا عندها نطالب المصنِّف أن يكرر نصوصه في جميع مصنفاته.

وثمّة أمر آخر يؤكد مقولتنا: إذا كنا لا نثق بما نقله لنا أبو حيان الأندلسي والسيوطي، فهل نُبقي باب الشك مفتوحا في كلّ ما نقلاه لنا؟ وهل نرفض جميع النقولات التي أثبتاها في مصنفاتهما بحجة عدم التطابق التام؟ نرى أنّ هذا مدخلا لا يمكن لنا الخلاص منه، والقاعدة المشهورة عند الفقهاء تقول: (لا اجتهاد مع وجود نصّ)، فالنصّ موجود في الكتاب الأم، والنصّ موجود في كتب المتقدمين، وبما أننا عجزنا عن إثبات العكس، فالأخذ بالمحسوس أولى.

فارابيّ آخر؟!

ولعلّ الباحث أراد أن ينتصر لفكرته من نفي نسبة النص لأبي نصر الفارابي الفيلسوف، فترك ما ذهب إليه من عدم التطابق، ولجأ إلى بحث احتمال آخر، مفاده أن يكون النص لفارابي آخر غير أبي نصر الفيلسوف، فيستعرض من ذكرهم أهل العلم ممن ينتهي نسبهم إلى فاراب، فيذكر ثلاثة:

أبو نصر محمد بن محمد الفيلسوف المعروف بـ “المعلّم الثاني”.

أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب الصّحاح.

أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم، صاحب ديوان الأدب في اللغة، خال الجوهري صاحب الصّحاح[xxxvii].

ويعتمد الباحث على رأي لأحمد مختار عمر محقق ديوان الأدب يستبعد فيه أن يكون كتاب الألفاظ والحروف للفارابي الفيلسوف أبي نصر، بحجة أن الرجل غير لغوي متخصص[xxxviii]. ونتساءل: هل اطّلع أحمد مختار عمر على إنتاج الفارابي كلّه ؟ وهل تتبع مجالسه مع سيف الدولة؟ وهل اطّلع على حواراته اللغوية معه، وهل عرف مدى تضلّع هذا الرجل بعلوم اللغة؟ أما عَلِمَ أحمد مختار عمر بأن الفارابي الفيلسوف كان موسوعة في شتى العلوم والمعارف، فهو- وإن غلب عليه طابع الفلسفة والمنطق – إلا أنّه متعمق في الفنون والموسيقى واللغات العربية وغير العربية[xxxix]، فقد وردنا من أخباره أنّه كان يتقن قرابة السبعين لغة.

أما ما ذهب إليه أحمد مختار عمر من خلط المؤرخين بين أبي إبراهيم وأبي نصر الفارابيَيْن، فهذا حكم لا يخلو من التعميم، ويفتقر للدليل، فالفرق واضح بين اسميهما وكنية كلّ منهما.

ويندرج في سياق التشكيك ذاته ما ذهب إليه صبحي الصالح من نسبة كتاب (الحروف) والنصّ الذي تضمنّه إلى اللغوي المشهور أبي نصر إسماعيل الجوهري صاحب الصحاح[xl]. ولا شك في أن هذا خلط وقع فيه صبحي الصالح دون تحرّ أو تدقيق؛ فالجوهري صاحب الصّحاح – وإن كان يُنسب أحيانا إلى فاراب – إلا أنّه اشتُهر بين الدارسين والعلماء بالجوهري، ولم يُشتهر بالفارابي، وليس له كتاب باسم الحروف،وإنما كتاب الحروف لأبي نصر الفارابي الفيلسوف لا غير.

أما فيما يتعلق بالفارابيَيْن: أبي إبراهيم صاحب ديوان الأدب، وأبي نصر الجوهري صاحب الصّحاح، فلا حاجة لنا لتقديم أدلة لدفع ذلك وردّه ؛ لأنه مردود حكما ومنطقا، فالأول مردود بكنيته (أبو إبراهيم)، والفيلسوف كنيته (أبو نصر). والثاني مردود بنسبه (الجوهري)، والفيلسوف نسبه (الفارابي) فلم يبق لدينا إلا عالم واحد ينطبق عليه ما ذكره السيوطي ومن قبله أبو حيان عندما صدّرا كلامهما بقولهما: “قال أبو نصر الفارابي”، هذا العالم هو أبو نصر محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف المعروف بـ (المعلم الثاني).

ويؤكد ما ذهبنا إليه من أن الدكتور حداد تمكن من دفع النص عن أبي إبراهيم وعن الجوهري، ولكنه لم يتمكن من دفعه عن أبي نصر الفارابي الفيلسوف، يقول: “لم تذكر مصادر ترجمة الرجلين والتعريف بهما أنّ لأيّ منهما كتابا باسم (الحروف) أو آخر باسم (الألفاظ والحروف) حتى نظن أن النص قد يكون من أحد الكتابين، ثم نثبت نسبته لواحد منهما”[xli] فالقصور عن النفي يعني الإثبات، فالنص لا يمكن أن يكون إلا لأبي نصر الفارابي الفيلسوف، مع أن الدكتور حداد يلحّ على فكرة “أن النص لفارابي مجهول أغفلت ذكره المظانّ ولم يلتفت إليه المترجمون وكتّاب السير”[xlii]، وما نرى هذا إلا ليّا للنصوص، وإرهاقا للعقول، فكيف نقبل مثل هذا الرأي الذي ينقلنا من دائرة المعلوم إلى دائرة المجهول ؟ كيف نقبل هذا ونحن نملك الإشارات الكثيرة التي تؤكد بطلانه؟ فهذا أبو حيان الأندلسي يقول في تقديمه لنصّ الفارابي: “وُجد بخط أبي نصر محمد بن محمد الفارابي كتاب صنّفه وسمّاه (الألفاظ والحروف) وكان أوّله: كانت قريش…”[xliii]. ولاحِظ أن أبا حيان يذكر الكنية والاسم والنَسَب[xliv]، وقبل ذلك يؤكد أنّ النصّ وُجد مكتوبا بخط الفارابي لا بخط غيره، فإذا لم نثق بأبي حيان في هذه الرواية، فكيف نثق به بما نقله لنا من أخبار أخرى؟ فهل نأخذ ببعض ما أخبرنا به ونعرض عن بعض؟! ثم ما فائدة أن نترك النص دون نسبة لصاحبه الأصلي؟ وما غايتنا من ذلك؟ وهل العبرة هنا في إثبات نسبة النص لصاحبه أم في إثبات النصّ نفسه؟ فالنصّ غايتنا، والكلّ متفق على وجوده، وهو مقصدنا، والعبرة في مضامينه وأفكاره، تماما كالشاهد الشعري في النحو، لا يمكن لنا استبعاده فقط لجهلنا بصاحبه، فكم من شاهد شعريٍّ اعتمده علماء النحو وهم يجهلون قائله!

المبحث الثاني: موقف الباحثين من مضمون صحيفة الفارابي

بدأ الدكتور حداد بمناقشة مضمون نصّ الفارابي بمقارنة متن النص حسب وروده في مصادره الثلاثة: كتاب تذكرة النحاة لأبي حيان الأندلسي، وكتابيّ المزهر والاقتراح للسيوطي. ويخلص الباحث من هذه المقارنة إلى إثبات اختلافات طفيفة بين النّصوص في الكتب الثلاثة، ناتجة – فيما نرى – عن تصحيف النسّاخ أو موافقة لأفهام السامعين، وهو اختلاف في الشكل لا في المضمون.

وعندما ناقش الباحث الفكرة الرئيسة في النصّ، وهي ذكر القبائل التي أُخذت عنها اللغة، والقبائل التي لم يؤخذ عنها، وجدنا الباحث قد استنكر استثناء النصّ لقبائل (لخم وجذام، وأهل مصر والقبط وقضاعة وغسّان وإياد) “لأنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، ومخالطين لهم، وكان أكثرهم نصارى يقرؤون في صلواتهم بغير العربيّة”[xlv]. كما استنكر استبعاد النصّ لتغلب والنمر؛ لأنّهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانيّة، وكانوا أيضا نصارى”[xlvi].

وفي محاورته للنص ردّ عليه قائلا: “إنّ علماء العربيّة ورواتها بمنهجهم هذا قد ضيّقوا الخناق، وسدّوا الفُرج، حين استثنوا لغات هذه القبائل المشهورة، وحصروا العربية السليمة في قبائل بأعيانها فنقلوا عنها وهجروا ما عداها”[xlvii]. ويرى أنّ هذا النصّ “لا يمثل رأي العربيّة بإجماع”[xlviii]. ويستدل على ذلك بما وصفه بأنه ” اضطراب واضح في آرائهم (علماء العربية) واختلاف بيّن في تقييمهم لفصاحة القبائل وسلامة لغاتها”[xlix]. والحقيقة أن الباحث يشكك في مضمون النصّ،ويسعى إلى هدمه من داخله بمثل صنيعه عندما سعى به لهدمه من خارجه، على الرغم من أنه اعترف ضمنيا – دون أن يقصد – بصحة مضمونه عندما قال: “النص لا يمثل رأي العربية بإجماع”، إذا النص موجود ومعترف به، وليس بالضرورة أن يمثل رأي العربية بإجماع.

أما الثقةُ بصحة الكلام، أو فصاحتِه فمدارُها على مَنْ يتكلم بالعربية بمقتضى النشأة والفطرة. وكيف يُحْتَجُّ بأقوال هؤلاء المولَّدِيْنَ وقد وقعوا في أغلاط كثيرة، لا يستطيع أحدٌ تخريجها على وجه مقبول. فإن ذُكِرَتْ أقوالهم على سبيل الاستئناس به، ولم تجعل دليلاً فلا بأس به.

ولا يُفْتَحُ بابُ الاحتجاج بأقوال المولَّدِيْنَ؛ كيلا يلزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام المحدثين، كالحريري وأضرابه، والحجة فيما رووه، لا فيما رأوه، وقد خطَّأوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة، كما هو مسطور في شرح تلك الدواوين، ويُرى ذلك بوضوح في كتب النحو والصرف. وليس بسديد أن تُصَحِّحَ بعض الكَلِمِ أو الأساليب، استناداً على استعمالات العلماء في مصنفاتهم إن وردت مخالفة لأساليب العرب في عصور الاحتجاج، فلكل جَوَادٍ كَبْوَةٌ، ولكل صارمٍ نَبْوَةٌ. فما يلفظ به رواة الشعر وعلماءُ العربية لا حجة فيه، إلاَّ أن تذكَره على وجه الاستئناس، وأنت مَالىء يدك بما هو حجة، أو منتظرٌ لأن تظفر بالحجة. والفساد في اللغة أسرع إلى ألسنة أبناءِ العرب، ومَنْ نشأ في بيئتهم منذ وَصَلَتِ الفتوحُ الإسلامية العرب بالعجم. وقد ظهر اللحن بجلاءٍ في أواخر عهد الدولة الأموية، وكان انقراضها سنة 132هـ.

أما سكان الجزيرة فإنهم ما برحوا على فصاحة اللغة إلى أواسط القرن الرابع. وأما الخاصة من سكان المدن فبقوا على فصاحة اللهجة إلى أوائل عهد الدولة العباسية. ونقل ثعلب عن الأصمعيِّ أنه قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هَرْمة، وهو آخر مَنْ يُحْتجُّ بشعرهم. وقد توفي في خلافة الرشيد سنة 176. والذين نشأوا في بيئة عربية لم ينتشرْ فيها فسادُ اللغة انتشاراً يرفع الثقة بفصاحة لهجتها، يُوثَقُ بأقوالهم، ولو كانوا في القرن الثالث.

قال ابن جني في الخصائص (باب في ترك الأخذ عن أهل المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهل الوَبَرِ) عِلَّةُ امتناع ذلك ما عَرَضَ للغاتِ الحاضرةِ وأهل المَدَرِ من الاختلال والفساد والخَطَل. ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم، ولم يعترضْ شَيْءٌ من الفساد للغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر[l].

وكذلك أيضاً لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المَدَرِ من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاضِ عادةِ الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، وترك تلقِّي ما تَرِد عنها. وعلى ذلك العملُ في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بَدَوِيًّا فصيحاً. وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه، لم نكد نعدَم ما يُفْسِدُ ذلك ويقدح فيه، وينال ويَغُضُّ عنه.

وبناء على هذا، فإنه يمكننا أن نقرر القول بأن للقرآن الكريم لغة وليست لهجة، ويمكن تعريف تلك اللغة بأنها: مجموع لهجات القبائل التي اشتهرت بالفصاحة والبيان قبل نزول القرآن، واستخدم القرآن أساليبها وقوانينها تبييناً وتفصيلاً وتأسيساً. وتأكيداً تنتمي هذه اللهجات – جغرافياً – إلى كبرى قبائل الجزيرة العربية، وهذه اللهجات التي تتكون منها لغة القرآن الكريم لابد لها من أن تكون سائدة في ذلك الحين، مما يعني أن اللهجات الأخرى التي تولدت بعد اكتمال نزوله لا يمكن إدراجها ضمن لهجات القرآن، كما هو الحال في جل اللهجات العربية الحديثة التي ينطق بها اليوم السواد الأعظم في الدول العربية، فلئن كانت لهجات تلك الدول تنتمي في أصولها إلى بعض اللهجات التي نزل بها القرآن الكريم، غير أنها في واقع نشأتها اختلطت بجملة من اللهجات التي كانت سائدة كالآرامية (4) في الشام وغربي بلاد الرافدين، والقبطية (5) بمصر، والفارسية في عراق العجم، والبربرية في المغرب العربي الخ… وأما اللغة العربية، فيراد بها: مجموع لهجات القبائل العربية العاربة والمستعربة سواء منها تلكم التي اشتملتها لغة القرآن، أم تجاوزها القرآن إن استغناءً أو لأي سبب آخر. وتنتمي تلكم جغرافياً إلى الجزيرة العربية وشبهها ولواحقها. وبناء على هذا، فإنه يمكن القول إن ثمة فرقاً بين ما يصطلح عليه بلغة القرآن واللغة العربية، فلغة القرآن أخص من اللغة العربية، وذلك أن لغة القرآن تنحصر في لهجات القبائل التي اشتملتها لغة القرآن، وهي قبائل معدودة ومعروفة من حيث الإجمال، وأما اللغة العربية، فتشتمل تلك اللهجات – بوصفها أمهات اللهجات العربية العاربة – واللهجات التي لـم ترد في القرآن إما بسبب نشوئها المتأخر كاللهجات التي نشأت بعد اكتمال نزول القرآن، ومثالها لهجات العرب المستعربة.. أو بسبب تجاوز القرآن تلك اللهجات وقت نزوله كاللهجات الحبشية، والفارسية، والرومية… وعليه، فإننا نستطيع أن نخلص إلى القول: إن العلاقة الجدلية بين لغة القرآن الكريم واللغة العربية هي علاقة عام بخاص، فلغة القرآن أخص من اللغة العربية، وذلك أن لغة القرآن لم تشتمل على جميع لهجات العرب العاربة ناهيك عن لهجات العرب المستعربة، كما أنَّ لغة القرآن تتميز بوصفها فصحى لهجات كبرى القبائل وأجزلها معنى، وأوقعها في النفس جرساً، بل أخفها نطقاً على اللسان، وأعلاها شاناً ومنزلة. فما تكلمت به هذه القبائل من لغةٍ – نثراً أو شعراً – ينبغي اتخاذه أصلا للقياس، ومصدراً للغة الفصحى، وأما تلك القبائل التي جاورت الأمم الأخرى، واختلطت بها، وسكنت البراري، فإنَّ لغتها لا يحتج بها، ولا يصلح للقياس عليها البتة. وبناء على ذلك، فلا تؤخذ اللغة من لخم ولا من جذام لمجاورتها أهل مصر، ولا من قضاعة، أو غسان، أو إياد لمجاورتها أهل الشام، ولا من تغلب، أو بكر لمجاورتها النبط والفرس الخ…(19).

ثم نجد الدكتور حداد يقول في موضع آخر من البحث: “إن صح ما جاء فيه”[li]. وهو لم يقدّم دليلا واحدا على إنكاره وجود النصّ وإن حاول تقديم أدلة على عدم صحّة نسبته لصاحبه. أما ما ذكره بما يتّصل باختلاف الروايات في تقييم فصاحة القبائل فلا نعتقد بأنّه اضطراب كما ذكر الباحث، إنما هي روايات قيلت في أزمنة متفاوتة، وهذه الروايات لا تعارض بينها، فإذا كانت قريش أفصح القبائل زمن نزول القرآن، فليس بالضرورة أن تكون أفصحها في العصر العباسي مثلا، كما أن القبائل التي ذكرها نص الفارابي على أنها من القبائل الأكثر فصاحة ليس لها من الفصاحة اليوم إلا ما ذكره لنا التاريخ. أضف إلى ذلك أن كل قبيلة كانت تدعي لنفسها الفصاحة، علما بأن هذا الادعاء غير مُلزم في مقاييس العلماء واللغويين.

ومهما يكن من شيء، فإننا نخلص إلى تقرير حقيقة مفادها: ان اللهجات التي اشتملتها لغة القرآن قد كانت أفصح لهجات القبائل آنذاك، ونقرر أيضاً أن ثمة تداخلاً بين لهجات القبائل مما يجعل الاختلاف في تعيين القبائل التي اشتملت لغة القرآن لهجاتها خلافاً نظرياً غير جوهري. واذ الأمر كذلك، فإنه لحري بنا أن نلقي نظرة في القبائل التي تتألف من لهجاتها لغة القرآن وهي: – قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوزان، وسعد بن بكر. ويرى آخرون أن القبائل المرادة هي: قريش، وهذيل، وسعد بن بكر، وثقيف، وخزاعة، وأسد وضبة والفافهما، وتميم وقيس ومن انضاف إليهم… وتذهب جماعة ثالثة إلى القول إن هذه اللهجات هي: قريش، وكنانة، وأسد بن خزيمة، وهذيل، وتميم أو تيم الرباب، وضبة، وقيس (16). إن النظرة التحليلية الفاحصة في هذه الأقوال الواردة حول القبائل السبع تشير إلى أن ثمة اتفاقاً على قبائل ثلاثة وهي: قريش، وهذيل، وتميم، واما القبائل الأخرى، فقد تتوزع فيها، والذي يبدو لنا أن ذلك النزاع في واقع أمره ليس من المتعذر التأليف بين هذه الآراء، وذلك انطلاقاً من اعتبار وجود تداخل ملحوظ بين بعض القبائل، وبمعرفة العلائق بين القبائل بعضها ببعض، كعلاقة تميم بقيس، وبضبة، وبأسد بن خزيمة يستطيع المرء أن ينتهي إلى اعتبار هذه القبائل قبيلة واحدة ذات أفخاذ أربعة بدلاً من اربع قبائل، كما هو الحال في لهجة قريش التي هي عبارة عن معظم لهجات قبائل الحجاز، ولكنها تشتهر بلهجة قريش، وبناء على هذا يمكننا ان نقلص لهجات القبائل في الآتي: قريش، وهذيل، وتميم، وكنانة، وسعد بن بكر، وهوزان، وثقيف، فهذه القبائل السبعة يمكن اعتبار لهجاتها مجتمعة لغة القرآن الكريم، واذا ما وردت لهجة في كتابات العلماء منسوبة إلى قيس، أو أسد، أو ضبة، فيمكن اعتبارها لهجة تميم بوصفها اللهجة الأم لقيس وضبة وأسد وغيرها من لهجات اهل نجد، وبهذا يتم حل الإشكال في احتمالية وجود لهجات مختلفة في القرآن الكريم عن اللهجات السبع التي أشرنا اليها. واذ الأمر كذلك، فإننا نخلص إلى القول إن لغة القرآن الكريم عبارة عن لهجات تلك القبائل السبع وما عدّت لهجة لغيرها من القبائل. فإنها تؤول في نهاية امرها إلى لهجة إحداها ولامحالة. ولسائل أن يتساءل عن المقاصد الشرعية إزاء اشتمال القرآن في أسلوبه على لهجات تلكم القبائل المذكورة، وقبل الإجابة عن تساؤل منهجي كهذا فإننا نستعجل القول إن ما قلناه لايتعارض مع الشائع لدى الناس من أن القرآن الكريم قد نزل بلغة قريش، وذلك لأن المراد بهذا الأمر في نظرنا التغليب ليس إلا، نعني أن جل نصوص القرآن الكريم قد نزل بلهجة قريش، ولكن جزء آخر لايستهان به قد نزل بلهجة غيرها من القبائل، كلهجة كنانة، ولهجة هذيل، وغيرها من اللهجات، وعليه، فلا تعارض في واقع الامر بين هذا الشائع وما نسعى إلى تقريره في هذا الموضوع!

ثانياً: مقاصد الشريعة في تعدد لهجات لغة القرآن الكريم: ليس من الأمر الهين ادعاء حصر مقاصد الشريعة في تعدد لهجات القرآن في بضعة مقاصد، بل ليس بوسع أحد أن يختلف إلى القطع في هذه المسألة، وكل ما يمكننا فعله هو الإشارة إلى بعض تلك المقاصد على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وعليه، فنقول: 1- الحفاظ على اللهجة التي قطعت شوطاً في انتقاء أفصح اللهجات وتلقتها بقية القبائل بالقبول: إن لهجة قريش قد كانت قبيل نزول القرآن الكريم افصح لهجات القبائل العربية، وأعلاها شأناً، وما ذلك إلا لـ«.. أن قريشاً كانوا ينزلون من مكة بواد غير ذي زرع لا يستقل أهله بتكاليف الحياة… وكانت الكعبة – شرفها الله – وجهة العرب، وبيت حجهم قاطبة في الجاهلية، فكان لكل قبيلة منهم صنم يحجون اليه… وكانت تلك القبائل بطبيعتها متباينة اللهجات. فما كان من قريش إلا الاستماع للغاتهم، والأخذ بما استحسنوه فيديرون به ألسنتهم.. فلما اجتمع لها هذا الأمر ارتفعت لغتهم عن كثير من مستبشع اللغات ومستقبحها…» (17) وغدت لهجتها بعدئذ أفضل لهجات القبائل العربية، وأحسنها مسموعاً، وأبينها إبانة عما في النفس. ولهذا، فلم يكن ثـم عجب ان ينزل القرآن في شطر كبير من نصوصه في هذه اللهجة التي اجتمعت فيها جل حسنات لهجات القبائل العربية، وأصبحت أفصحها وأكثرها تقبلاً لدى معظم القبائل، ولم يكن الأسلوب القرآني بحاجة إلى إعادة بناء هرم من فصيح اللهجات مخالفاً لما تعوده الناس، وألفوه؛ ولذلك فقد كفت لهجة قريش الأسلوب القرآني في هذا الأمر، وتحقق فيه ما تحقق في الجانب التعبدي الأخلاقي من الحاجة إلى التكميل ؛ لقوله تعالى: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

المعايير المعتمدة في نصّ الفارابي

يبحث الدكتور حداد في المعايير المعتمدة في نص الفارابي فيجدها ثلاثة:

التعبّد بغير العربية.

الاختلاط بأمم غير عربية.

المجاورة لأمم غير عربية.

ويتساءل بعدها[lii]: هل كانت هذه المعايير منصفة للقبائل العربية؟ وهل كانت حقا دستور عمل العلماء في جمع اللغة والحكم على أصحابها؟

وأجيب عن تساؤله بالقول: نعم، إن هذه المعايير هي الأكثر مناسبة للحكم على القبائل العربية التي يحتج بلغاتها على الفصاحة؛ ذلك أن هذه المعايير تتصل اتصالا مباشرا بمسألة إصلاح اللغة أو إفسادها، فالعربية صافية الموارد ما لم يدخلها لحن من لغات الأمم غير العربية المجاورة، ودخول اللحن لا يتحقق إلا عن طريق الاختلاط بغير العرب أو مجاورتهم أو التعبّد بلغاتهم.

ثم نجد الباحث يتّهم العلماء الذين نهجوا هذا النهج بأنّ ” لهم موقفا مسبقا من القبائل التي استثنيت بدافع الهوى والتعصّب مما حدا بهم إلى الإجحاف بحقّ بعض القبائل”[liii]. ولا أعلم مسوّغ التعصب عند العلماء؟ – كما رأى الباحث – وهل كانوا ينتسبون إلى القبائل التي احتُجّ بفصاحتها حتى يتعصّبوا ضدّ القبائل التي استثنيت في النصّ؟

وبعد ذلك نجد الباحث يقلل من خطر التعبّد بغير العربية على سلامة اللغة كالتعبد بالنصرانية مثلا. ولا نرى أن الخطر هنا منشؤه الديانة بقدر ما هو ناشئ عن اللغة غير العربية التي أُدّيت العبادة بالاعتماد عليها، فالعلماء العرب والمسلمون يحترمون الديانات الأخرى، ولا مصلحة لهم بمحاربتها، إنما المحور الرئيس هو استخدام لغة غير عربية، سواء أكانت من نصارى، أم من مجوس، أم من يهود، وسواء أكان بالتعبّد أم بالاختلاط، فالمسألة تتعلق باللغة لا بالدّيانة.

أما ما ذكره الفارابي من تعبّد القبائل النصرانيّة بغير العربية، فلا أعتقد أن المقصود بها قبائل الجزيرة العربية التي تدين بالنصرانيّة بعينها؛ ذلك أنّ هذه القبائل لم تكن تعرف طقوس العبادة النصرانية، كما هو الحال عند الرومان، والأقباط، والأحباش، حيث دور العبادة والرهبان، إنما كانت النصرانيّة عند القبائل العربية داخل الجزيرة ممثلة بعقائد وأفكار ومبادئ متعارف عليها عند أفراد هذه القبيلة دون أدائهم لطقوس العبادة بغير العربية، من هنا بقيت عربيتهم سليمة فصيحة يُحتجّ بشعرها في الجاهليّة وصدر الإسلام، ولا تشوبها شائبة إلا ما دخل إليها بسبب مجاورتها لأهل الشام حيث النصارى غير العرب، وأهل مصر حيث النصارى الأقباط، وأهل الحبشة حيث النصارى الأحباش، إذ كانت القبائل العربية النصرانية تقطن أطراف الجزيرة العربية.

وعلى الرغم من أن القبائل النصرانية كان يُحتجّ بشعرائها إلا أن الدكتور حداد حذا حذو الأب لويس شيخو عندما بالغ في الترجمة لشعراء النصرانية قبل الإسلام فأدخل جُلّ الشعراء الجاهليين في عداد الشعراء النصارى، وهذا حكم لا يخلو من التعميم، فأميّة بن أبي الصّلت مثلا – وقد ذكره الباحث – ليس نصرانيا إنما كان حنيفيا[liv]، وحتى قس بن ساعدة الإيادي على الرغم من أنه ينتسب إلى قبيلة إياد المعروفة بنصرانيتها إلا أنه تحول عن النصرانية إلى الحنيفية، واعتزل الناس. والمتأمل في خطبته التي ألقاها في سوق عكاظ قبل البعثة يجد بين ثناياها الإيمان بالحنيفية التي تنزّه الله تعالى من الشرك والأوثان، وتدعو للإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب. والأخبار في ذلك كثيرة.

ويغلب علينا الظن أن الذي دفع الأب لويس شيخو ومن تبعه إلى القول بهذا أن الفترة التي نبغ فيها هؤلاء الشعراء كانت فترة انتظار دين جديد، وفترة توقع بعث نبي جديد، وكان رهبان النصرانية وأحبار اليهود الأكثر دراية بهذا الشأن. من هنا شَرَعَ المثقفون ومستنيرو العقول[lv] بطلب هذا العلم من الرهبان والأحبار حتى غلب عليهم الطابع الإيماني بعيدا عن الوثنية فانعكس ذلك في أشعارهم حتى اعتقد بعضهم – ومنهم لويس شيخو – بأنهم نصارى، وما هم كذلك.

أما دفاع الباحث عن فكرة التعبّد بغير العربية واعتقاده بعدم تأثيرها على سلامة اللغة، فما من شك في أن لهذه الممارسة المتكررة أثر كبير في إفساد العربية الفصحى، وبخاصة زمن جمع اللغة وتدوينها، حيث شيوع اللحن. ولم يكن إنكار الفصاحة مقصورا على نصارى العرب لتعبدهم بغير العربية، إنما لم يؤخذ أيضا من المسلمين غير العرب لفساد الفصيحة في ألسنتهم، فلم يؤخذ من الفرس المسلمين ولا من الرومان الذين أسلموا ولا من الأحباش الذين أسلموا، وليس هذا فحسب، إنما لم يؤخذ ممن جاورهم من العرب، فلم يؤخذ من بكر ولا عبد القيس ولا أزد عمان ولا أهل اليمن ولا حنيفة ولا ثقيف، وجميعهم من القبائل العربية غير النصرانية، ولكن لمجاورتهم غير العرب أو مخالطتهم إياهم حُجب عنهم الأخذ. قال أبو عمرو بن العلاء: “ما لسانُ حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما على عهد عادٍ وثمودَ مع تداعيه ووهبه”[lvi].

وكان العرب – قديماً – يقطنون اليمن والحجاز وما جاورهما، ثم انتشروا في سائر البلاد، وكانت اللغة العربية على أنحاء شتى بسبب اختلاف قبائل العرب وتوالدهم كما يختلف الآن لسان البلد الواحد عن لسان البلد الآخر من بلاد العرب أنفسهم. والعربي يحسن اختيار اللفظ للدلالة على المعنى المقصود، في موضعه المنشود، وله عناية فائقة في النثر والشعر. مما يؤكد سلامة المنهج ودقّته، ومن هنا ظهرت الحاجة لوضع معايير تضبط قواعد اللغة.

ولعل الباحث في هجومه على فكرة التعبد بالنصرانية بغير العربية “وعدم قبوله ذلك مسوّغا مقنعا لرفض لغات هذه القبائل”[lvii] تناسى القبائل العربية غير النصرانية التي رُفضت لغاتها أيضا، كما أنه تجاهل أن المعيار الرئيس في استبعاد هذه القبائل هو اللغة التي تتكلم بها القبيلة وليس الدين الذي تدين به.

والمراد بكلام العرب المستشهد به “كلامُ القبائل العربية الموثوق بفصاحتها، وصفاء لغتها في الجاهلية والإسلام إلى أن فسدت الألسنةُ بالاختلاط مع الأعاجم، وفشو اللحن”[lviii].

وعندما ينتقل الباحث لمناقشة المعيارين الآخرين من معايير النص، والمتعلقين باختلاط القبائل العربية بأمم غير عربية[lix]، نجده يحاول ردهما بحجة أن القبائل العربية كانت تتنقل في أنحاء الجزيرة، وأن اختلاط العرب بالأمم الأخرى قديم، بمعنى أن الأمم الأخرى كان لها تأثير على اللسان العربي قبل جمع اللغة وتدوينها، وبهذا يُسقط الباحث هذين المعيارين وصولا إلى إسقاط مضمون النصّ.

ومع أنّ الباحث اعتمد تفكيرا منطقيا ومعقولا إلا أنّه فسّر الاختلاط مع أمم غير عربية قبل جمع اللغة بما فهمه أثناء جمع اللغة وبعده! فاختلاط العرب بأمم أخرى في الجاهلية وصدر الإسلام كان محدودا لا يتجاوز مراكز المدن التجارية أو القبائل التي تقطن أطراف الجزيرة، أضف إلى ذلك أن التأثير اللغوي لهذه الأمم – بصورته المحدودة – دخل اللغة العربية وخضع لمقاييسها، واستعمل القرآنُ الكريم بعضَها[lx]. إذا لم يكن تأثير اللسان غير العربي على اللسان العربي ظاهرةً تسبب اللحن إلا بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول غير العرب في الإسلام. ونصّ الفارابي عندما أشار إلى هذين المعيارين إنما قصد فترة تدوين اللغة التي شهدت استقرارا في حركة القبائل العربية، وأظهرت مدى تأثير الأمم المجاورة للقبائل على اللسان العربي، فالقبائل التي أُخذ عنها ثبت بالدراسة والنقل أن لسانها لم يفسد بعد، والقبائل التي لم يؤخذ عنها، ثبت بالدراسة والنقل أيضا فسادَ لسانها ودخول اللحن إليها، ثم عمد العلماء إلى بيان أسباب ذلك.

أما إشارة النصّ إلى عدم الأخذ عن تغلب والنمر لأنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية [lxi]، فنوافق الدكتور حداد في تساؤله[lxii]: أيّة يونانية تلك التي قصدها؟ وأيّة جزيرة هي التي أراد؟

وما نراه أنّ صاحب النصّ عدّ أرض الجزيرة الفراتية امتدادا للجزيرة العربية، وهي موطن قبيلتي تغلب والنمر.

خاتمـة

بعد مناقشة هذه المعايير يذهب الدكتور حداد إلى أنّها معايير فاسدة، ولم تكن صحيحة، ولا تقوم على أسس علمية مقنعة[lxiii]!! وحجته في ذلك أنّ القبائل العربية حققت اختلاطا واسع النطاق مع الأمم غير العربية المجاورة[lxiv]. وإذا ربطنا هذا الكلام مع ما تقدم عند الباحث نجد فيه تضاربا، حيث ذهب الباحث إلى أن نصّ الفارابي “ظلم كثيرا من القبائل العربية وأجحف في حقها عندما استبعدها”[lxv]. ونجده هنا يقول: إن لغات القبائل العربية فسدت بسبب انفتاحها على الأمم غير العربية[lxvi]. وهو في الحقيقة إنما يؤكد أهمية نص الفارابي في بيان القبائل التي يُحتّج بلغتها ويؤكد استبعاد تلك التي لم يُحتجّ بلغتها، وهو يثبت الغاية التي سعى نصّ الفارابي إلى تحقيقها من حيث لا يقصد، وهو يؤكّد مسوّغات استثناء الغالبية من القبائل العربيّة من الاحتجاج بلغاتها، ويؤكد اعتماد القبائل الأخرى التي لم تفسد ألسنتها بعد، وما تحققت تلك الممايزة إلا باعتماد المعايير الثلاثة التي ردّها الباحث.

ومما يؤكد خطورة الباحث في تناوله نصّ الفارابي وسعيه إلى هدمه وإبطال مضمونه، تلك النتيجة التي خلُص إليها، إذ يقول: “أصبح من غير الجائز الاطمئنان إلى هذا النصّ والوثوق بمجمل ما جاء فيه، بل أصبح واجبا أن لا يُلتفت إليه، وألا يوظف في أيّ دراسة”[lxvii]. فما نراه إلا وقد حمل على هذا النصّ، وخرج عن معايير المنهج العلمي الذي نهجه في بداية بحثه، وذلك بإصداره أحكاما جازمة، فضلاً عن خلوصه إلى قرارات مباشرة وأحكام قاطعة معلنا من خلالها إغلاق أبواب البحث في هذا الموضوع !! فلا يتفق مثل هذا الكلام – في رأينا – مع مقومات المنهج العلمي في البحث، ولا يحقّ لأيّ كان أن يحجر على نصّ ما، أو يغلق بابا للعلم في موضوع ما بحجة عدم اتفاقه مع آرائه ومعتقداته.

المصادر والمراجع

أحمد، عزمي طه، 2000م، نظرية المحاكاة الطبيعية وانعكاساتها عند الفارابي وابن جني، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد (71)، جامعة الكويت.

الأزدي، ابن دريد، الملاحن، تحقيق عبدالإله النبهان، 1992م، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، وكان قد حققه قبل أبو بكر اطفيش الجزائري.

الأندلسي، أبوحيان، تذكرة النحاة، تحقيق: عفيف عبدالرحمن، 1406هـ/1986م، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1.

الجمحي، ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، تحقيق: محمود شاكر، 1394هـ، طبع المدني بالقاهرة.

ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، 1371هـ، طبع دار الكتب.

حدّاد، حنا، 2006م، شذرات من النحو واللغة والتراجم، مؤسسة حمادة للدراسات، إربد، الأردن.

الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصّحاح، مكتبة لبنان، 1992، بيروت.

السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد جاد المولى وآخرين، ط3، دار التراث، القاهرة.

صالح، صبحي، 1960، دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، ط1.

عمر، أحمد مختار، إبراهيم أنيس، 1994، ديوان الأدب لأبي إبراهيم إسحق الفارابي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة.

الفارابي، أبونصر، الحروف، تحقيق: محسن مهدي، صدر عن دار المشرق في بيروت، وهو نفسه كتاب الألفاظ والحروف الذي أشار إليه السيوطي.

الفاسي، أبو الطيب، شرح كتاب الاقتراح للسيوطي.

فجال، محمود، 1423هـ، الاحتجاج في العربية: المحتج بهم-زمان الاحتجاج، مجلة العرب، العدد 5.

ملكاوي، محمد أحمد 2008، أميّة بن أبي الصلت دراسة عقائدية، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مجلد (4)، عدد (3).

Al-Farabi Paper in the Eloquence of the Arab Tribes

 

K. Makableh and A. Makableh*

al -albait university and al- balqa applied university jordan

ABSTRACT

In his books Almuzher and Al-iktirah, Suyuti cited a text that he attributed to Abu Nasr Al-Farabi. Researchers know this text as Al-Farabi Paper. This paper presents the eloquence of the Arab tribes, and distinguishes them from each other in this area. Some modern researchers have expressed different opinions concerning the attribution of this paper. Some of them confirmed its attribution and content. Others expressed doubts concerning its content and denied its attribution to Abu Nasr Al-Farabi.

The present study attempts to study and investigate the paper to find out the truth concerning the attribution of this paper to its auther Abu Nasr Al-Farabi. Moreover, the paper will be studied and investigated in terms of ideas and content.

For the present study to achieve its goals; it should be divided into an introduction, two chapters, and a conclusion. The First Chapter discusses the content of the paper in addition to negotiating the opinions of modern researchers. Finally, the study will document the most important results it finds out.

Keywords: Alfarabi, Paper, Content.

[i] ينظر السيوطي: المزهر: 2/211، ط3.

[ii] نفسه: 2/211.

[iii] حقق هذا الكتاب الدكتور محسن مهدي. والنصّ نقلته لنا مصادر أخرى من مثل: تذكرة النحاة لأبي حيّان الأندلسي، وكتابي المزهر والاقتراح للسيوطي، لكنهما ذكرا أن كتاب الفارابي هو الألفاظ والحروف، وسنأتي على مناقشة ذلك في البحث إن شاء الله.

[iv] نُشر هذا البحث في مجلة اللسان العربي، عدد(52) سنة (2002). وهو منشور أيضا في كتاب: شذرات من النحو واللغة والتراجم، ويضم عددا من الأبحاث اللغوية للباحث.

[v] حدّاد: شذرات من النحو واللغة والتراجم ص375.

[vi] الرازي (محمد بن أبي بكر): مختار الصّحاح، مادة (عور)، ص93.

[vii] حنا حدّاد: شذرات… ص376، سابق.

[viii] نفسه: ص376.

[ix] نفسه: ص376.

[x] سيأتي بيان ذلك والرد عليه لاحقا في هذه الدراسة بإذن الله.

[xi] حداد: شذرات…: ص377.

[xii] المزهر: 1/211.

[xiii] تذكرة النحاة: ص573.

[xiv] حداد: شذرات… ص378.

[xv] حققه الدكتور محسن مهدي، وصدر عن دار المشرق في بيروت، وهو نفسه كتاب الألفاظ والحروف الذي أشار إليه السيوطي، ينظر المزهر: 1/ 211، سابق.

[xvi] مهدي: مقدمة كتاب الحروف، ص40.

[xvii] حداد: شذرات… ص378.

[xviii] نفسه: ص378.

[xix] السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها: 1/211، ط3، وسنأتي عل مناقشة اسم كتاب الألفاظ والحروف في مكانه من هذا البحث بإذن الله.

[xx] وهذا ما فعله أبو حيّان الأندلسي في كتابه (تذكرة النحاة)، ص573.

[xxi] حداد: شذرات… ص378.

[xxii] من هؤلاء: أحمد مختار عمر…، إيمان الكيلاني في مجلة دراسات، الجامعة الأردنية، محمد فجال، مجلة العرب، عدد 5، ص342-355.

[xxiii] نفسه: ص379.

[xxiv] الفارابي: الحروف، ص147.

[xxv] حداد: شذرات… ص380.

[xxvi] نفسه: ص380.

[xxvii] الفارابي: الحروف، ص174 سابق، وينظر: المزهر للسيوطي1/211، وتذكرة النحاة للأندلسي ص573.

[xxviii] حداد: شذرات… ص380.

[xxix] حققه عبد الإله النبهان، وكان قد حققه قبل ذلك أبو بكر اطفيش الجزائري.

[xxx] حداد: شذرات… ص380.

[xxxi] نفسه: ص380.

[xxxii] حداد: شذرات… ص383 + ص384.

[xxxiii] نفسه: ص383.

[xxxiv] ينظر كتاب الحروف للفارابي: مقدمة المحقق، ص100.

[xxxv] كثيرا ما نجد المؤلفين – وبخاصة في أيامنا – يدمجون بين عملين أو أكثر في كتاب واحد، أو ينشرون كلّ عمل على حدة وبخاصة في الأبحاث المُحكّمة، وما عمل الدكتور حداد في هذا البحث إلا مثالا على ذلك، فهو كان قد نشر بحثه هذا في مجلة علمية مُحكّمة، ثم رأى أن يجمع أبحاثه في كتاب أسماه (شذرات من النحو واللغة والتراجم).

[xxxvi] ينظر كتاب الحروف للفارابي: مقدمة المحقق.

[xxxvii] أيّد هذا كلّ من أبي الطيب الفاسي شارح كتاب الاقتراح للسيوطي ، وإبراهيم أنيس في مقدمة ديوان الأدب، ينظر: حداد: شذرات… ص381.

[xxxviii] حداد: شذرات… ص381.

[xxxix] ينظر: عزمي طه: نظرية المحاكاة الطبيعية وانعكاساتها عند الفارابي وابن جني، المجلة العربية للعلوم الإنسانية العدد (71)، ص70- ص75.

[xl] الصالح: دراسات في فقه اللغة، ص112.

[xli] حداد: شذرات… ص384.

[xlii] نفسه: ص384.

[xliii] أبو حيان الأندلسي: تذكرة النحاة، ص573، ط1.

[xliv] صنع مثل هذا السيوطي في كتابيه: المزهر: 1/211 والاقتراح: ص19.

[xlv] حداد: شذرات، ص386.

[xlvi] نفسه: ص386.

[xlvii] نفسه: ص387.

[xlviii] نفسه: ص387.

[xlix] نفسه: ص387.

[l] ابن جني: الخصائص.

[li] حداد: شذرات: ص388.

[lii] نفسه: ص388.

[liii] نفسه: ص388.

[liv] ينظر: ملكاوي: أميّة بن أبي الصلت دراسة عقائدية، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية مجلد(4) عدد(3) ص 156.

[lv] من هؤلاء أمية بن أبي الصلت حتى أنه كان ينتظر نزول الوحي عليه لتكليفه بالرسالة، ينظر: ملكاوي: المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، ص (158)، سابق.

[lvi] ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء.

[lvii] حداد: شذرات ص389.

[lviii] فجال: الاحتجاج في العربية: المحتج بهم – زمان الاحتجاج: مجلة العرب، العدد 5، السنة 23، ص342-355.

[lix] نفسه: ص389.

[lx] من ذلك كلمات: (سندس، إستبرق، أرائك)، وهي من أصل فارسي.

[lxi] السيوطي: المزهر 1/211، سابق.

[lxii] حداد: شذرات ص390.

[lxiii] نفسه: ص391.

[lxiv] نفسه: ص392.

[lxv] نفسه: ص387+ ص384+ ص392.

[lxvi] نفسه: ص390+ ص391.

[lxvii] نفسه: ص392.