Home » اسلاميات » اسباب رؤية النبي في المنام

اسباب رؤية النبي في المنام

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

محتويات

اسباب رؤية النبي في المنام

رؤيا الأنبياء والمرسلين:

رؤيا الأنبياء والمرسلين- صلوات الله عليهم- أحد شيئين: إما بشارة وإما نذارة، ثم هي ضربان: أحدهما أن يرى نبيًا على حالته وهيئته، فذلك دليل على صلاح صاحب الرؤيا وعزه وكمال جاهه وظفره بمن عاداه.
والآخر: يراه متغير الحال عابس الوجه فذلك يدل على سوء حاله وشدة معيشته ثم يفرج الله عنه أخيرًا،

 فإن رأى كأنه قتل نبيًا دل على أنه يخون في الأمانة وينقض العهد، لقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}[37] هذا على الجملة أما على التفصيل

  • فمن رأى آدم- عليه السلام- ينال ولاية عظيمة إن كان أهلًا لها، لقوله تعالى: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[38] 
  • ومن رأى إدريس- عليه السلام- أكرم بالورع وختم له بخير، ومن رأى نوحًا- عليه السلام- طال عمره وكثر بلاؤه من أعدائه ثم رزق الظفر عليهم، ومن رأى هودًا- عليه السلام- تسفه عليه أعداؤه وتسلطوا على ظلمه ثم ظفر بهم، وكذلك من رأى صالحًا- عليه السلام-،
  •  ومن رأى إبراهيم- عليه السلام- رزق الحج إن شاء الله، ومن رأى إسحق- عليه السلام- أصابته شدة ثم فرج عنه ويرزق عزًا وشرفًا هذا إذا راءه على جماله وكمال حاله، فإن راءه متغير الحال ذهب بصره- والعياذ بالله-، ومن رأى إسماعيل- عليه السلام- رزق السياسة والفصاحة، 
  • ومن رأى يعقوب- عليه السلام- أصابه حزن عظيم من جهة بعض أولاده ثم يكشفه الله عنه، ومن رأى يوسف- عليه السلام- فإنه يصيبه ظلم وحبس وجفاء من أقربائه ويرمى بالبهتان ثم يؤتى ملكًا ويخضع له الأعداء، 
  • ومن رأى شعيبًا- عليه السلام- مقشعرًا يذهب بصره، فإن راءه على غير تلك الحالة فإنه يبخسه قوم حقه ويظلمونه ثم يقهرهم وربما دلت- أي الرؤيا- على أن صاحبها له بنات، 
  • ومن رأى موسى وهارون- عليهما السلام- أو أحدهما فإنه يهلك على يديه جبار ظالم، 
  • ومن رأى أيوب- عليه السلام- أبتلى في نفسه وأهله وولده ثم يعوضه الله من كل ذلك ويضاعف له، لقوله تعالى: {ووَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ}[39]،
  •  ومن رأى داود- عليه السلام- على حالته أصاب سلطانًا وقوة وملكًا، 
  • ومن رأى سليمان- عليه السلام- رزق الملك والعلم والفقه، ومن رأه ميتًا على منبره أو سريره فإن خليفة أو أميرًا أو رئيسًا سيموت لا يعلم بموته إلا بعد مدة، ومن رأى زكريا- عليه السلام- رزق على الكبر ولدًا تقيًا،
  •  ومن رأى يحيي- عليه السلام- وفق للعفة والتقوى حتى يصير في ذلك وفريد عصره، ومن رأى عيسى- عليه السلام- دلت رؤياه على أنه رجل نفاع مبارك كثير الخير كثير السفر ويكرم بعلم الطب وبغيره من العلوم ([40].

 رؤيا الأنبياء

يغلب في هذا الباب قول الصوفية برؤيا النبي محمد وهم في هذا يستندون إلى حديث يميز بين الرؤيا الصادقة والحلم الكاذب ومتنه “من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”([68]).
وكثيرا ما ينسبون إليه أقوالا يتخذونها عدة للطريق الصوفي ويعتبرونها رسالة وتنبيها يقتضي التصديق والتنفيذ. ويعد هذا الصنف من الرؤيا ضربا من تحيين السنة النبوية وتثبيت استمراريتها في الزمن، لأن الإقرار بصدق رؤية الرسول في المنام يؤكد ضمنيا صدق ما ينقل عنه ومن ثم حجيته.
وقد تطور تفاعل الصوفية مع رؤيا النبي وتم الانتقال من صيغة “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام”([69]) إلى صيغة “حدثني جدي رسول الله”([70])، وفيها مزيد تأكيد الارتباط بالرسول (القرابة الدموية) والانتماء إلى دائرة السنة النبوية، ولعل في هذا إجابة ضمنية عن اتهام التصوف بالغلو والعدول عن هذه السنة.
ولئن حرصت بعض مصنفات التصوف أو كتب الطبقات على تأكيد حجية عدد من أعلام التصوف في إسناد الحديث وروايته([71]) بالشهادة لهم بالثقة والصدق، ودفع شبهة الوضع والاختلاق عنهم، فإنها فيما يخص هذه الظاهرة سكتت واكتفت بإيراد الأخبار مجردة عن التعليق، وانخرطت في باب الاعتقاد والتصديق بصحة المرويات والانتصار لها. وأقصى ما تطرقت إليه نفيها إمكان رؤية النبي بشخصه في المنام.

 فالمرئي كما يقول الغزالي مثاله لا شخصه: “والعامي يتصور أن من رأى رسول الله في المنام فقد رأى حقيقة شخصه. ولا أدري كيف يتصور رؤية شخص الرسول في المنام وشخصه مودع في روضة المدينة وما شق القبر وما خرج إلى موضع يراه النائم. ويقول أيضا: رأيت النبي لا بمعنى أنه رأى ذات النبي وروحه أو ذات شخصه بمعنى أنه رأى مثاله”([72]). وإشارة الغزالي إلى فهم العامي لرؤيا النبي دليل على رواج هذا الصنف من الرؤى في المجتمع الإسلامي وتزايد الاهتمام به والإشكالات التي يمكن ان يكون قد تسبب فيها. فكل متصوف يتفاعل معها من منطلق ثقافته وما ترشح به مخيلته من صور.

وقد تجاوزت هذه المسألة مجرد إسناد أقوال إلى الرسول محمد عبر فعل الرؤيا، إلى نسبة كتب ورسائل وأحزاب وأدعية إليه، يعلن الصوفية تلقيها عنه، ويصرحون بأنه أمرهم بنشرها بين الناس لينتفعوا بها، وهو ما فعله ابن عربي في كتابه “فصوص الحكم” إذ يقول: “أما بعد فأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا، فحققت الأمنية وأخلصت النية. ولست بنبي رسول ولكني وارث ولأخرتي حارث”([73]). وكذلك الشأن مع أبي الحسن الشاذلي إذ يسند حزب البحر إلى الرسول ويؤكد تلقيه منه في مبشرة من المبشرات([74]).
ويبدو أن مثل هذا السلوك في توظيف الرؤيا اقترن بفترة متأخرة من تاريخ التصوف انطلاقا من القرن السادس للهجرة وارتبط ببدايات ظهور التصوف الطرقي من جهة وانصراف عدد من الصوفية إلى “التأملات العقلية والتصورات النظرية للوجود”([75]).
وهو في هذا وذاك كان يسعى إلى إيجاد مشروعية تكفل له الاستمرار والثبات ويبحث عن أرضية تحمي عقائده وتحصنها أمام الاعتراضات المتزايدة على أعلامه([76]) وقد عثر على ضالته في الرؤيا، لذا تكثف الحديث عنها والاهتمام بها، فهل يدل هذا على أزمة في الخطاب الديني استدعت مثل هذا اللجوء إلى الفعل الخارق؟ هل يعني هذا تراجعا في أساليب التعاطي مع النصوص الدينية واستثمارها ألجأ الصوفية إلى إنتاج نصوص جديدة موازية أكسبوها من خلال الرؤيا طابع القداسة([77])؟ أم يندرج هذا الاعتماد على الرؤيا في سياق قولهم بالحقيقة المحمدية([78]) ورغبتهم في تثبيت اعتقادهم في أحقيتهم بوراثة النبوة؟
فمثل هذه الرؤى كما أشرنا سابقا وكما تواتر في كتب التصوف لا تقتصر على رؤية النبي محمد فحسب إنما تشمل سائر الأنبياء. وقد رأينا ابن عربي في معراجه يعلن تلقيه علومهم وأسرارهم واختصاصه بها. لذا يمكن في عرفهم اختصار الطريق للتواصل المباشر مع الأنبياء عبر استحضارهم روحيا والترقي في منازلهم واستيعاب معارفهم والاغتراف منها.
وبهذا تخضع رؤيا الأنبياء لتصور الصوفية للعلاقة بين الولاية والنبوة. ويصبح المنام فضاء مناسبا لتلقي الإرشاد والتوجيه واختصاص الصوفي بالعلم والمعرفة. ويؤكد هذا نزوع الصوفية عبر الولاية إلى محاكاة التجربة النبوية إذ لا تكفي رؤية الله ومخاطبته، إنما ينبغي التواصل مع الأنبياء وإثبات السير على منهاجهم وتلقي مباركتهم واستيعاب علومهم وأسرارهم وتحقيق الامتلاء بحضورهم وهو ما توفره الرؤيا.
وبهذا حق للصوفيين ثم أن يكونوا قدوة لغيرهم فينشروا تعاليمهم ويجمعوا إليهم أتباعا ومريدين يعدونهم لمواصلة الطريق وتبيلغ الرسالة والمحافظة على المقدس. يقول الميلودي شغموم: “ليس غرضنا أن نقول إن الولي متنبي جديد، وإنما أن نؤكد أنه يحاكي النبوة في كيفية انبثاقها ويحاكي النبي ذاته كنموذج في الطريقة التي تلقى بواسطتها النبي المعرفة وجعلت منه قدوة ليصير الولي بدوره نموذجا يحتذي أو يحاكي له أتباع ومريدون كما كان للنبي أتباع وصحابة”([79]).
وأيا تكن الخلفية الكامنة وراء انتصار الصوفية لهذا النوع من الرؤى، واحجامهم عن مناقشة حيثياتها ونقد محتوياتها، فإن انعكاساتها على الفكر الإسلامي خطيرة لأنها تهدد نصوصه الأصول وتزعزع مسلماته وعقائده، إذ توفر نصوصا جديدة يتم الالتفاف حولها والاعتقاد فيها والعناية بها أكثر من نصوص الكتاب والسنة، وهذا يكشف خطورة المسكوت عنه في مثل هذه النصوص وطبيعة الفكر الذي تؤسس له.

 رؤيا الصالحين

تكون الرؤيا وجها من وجوه تناجي الأرواح عن بعد، إذ يستدعي عبرها الصوفي رمزا من رموز الصلاح والتقوى والعلم وينال منه موعظة أو نصيحة أو بشارة أو علما أو تزكية أو تنبيها، ويستوى ههنا الميت والحي. فالصوفية يرون معاصريهم أحيانا في المنام بعد أن تعذر اللقاء بهم في اليقظة، وقد يرونهم بعد وفاتهم وهو الغالب، فبالرؤيا يتم تخطي حواجز الأطر الزمانية والمكانية، ويكون هذا نوعا من تكريم الصوفي وعلامة على تميزه ورفعه مقامه، خاصة إذا كان الخضر هو الشخص المرئي في المنام([80])، يقول إبراهيم المارستاني: “رأيت الخضر رحمه الله في المنام فعلمني عشر كلمات وأحصاها علي بيده”([81]). والخضر شخصية اشتهرت في أوساط الصوفية وباتت رمزا للعلم الباطن([82]).
وإذا ما نظرنا مثلا في ما يورده القشيري في رسالته([83]) والغزالي في إحياء علوم الدين([84]) من أخبار عن رؤى الصوفية في هذا الباب، فإننا نلاحظ تشابها كبيرا في المرويات ومضامينها مما يدل على رواجها في أوساط الصوفية وشهرتها، ويتجه معظمها إلى استحضار شخصيات برزت في مجال التصوف وفارقت الحياة ثم ظهرت في رؤى أتباعها أو أصحابها لتسأل عن مصيرها وتعلن الفوز في الخاتمة، أو تقدم موعظة أو تعدل سلوكا أو تزود صاحب المنام بدعاء أو ذكر ثبتت نجاعته في تحصيل مغفرة أو قرب من الله. يقول القشيري: “رئي بشر الحافي في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: غفر لي”([85]). ويقول أيضا: “رئي أبو سليمان الداراني في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: غفر لي”([86]). ونرى ههنا أن صيغة السؤال واحدة وكأن الرؤى تتكرر ولا يختلف فيها إلا شخصياتها. وهي تروى على هذه الشاكلة دون تعليق من رواتها أو تدقيق في أسانيدها في معظم الأحيان، وكأن صحتها أمر مسلم به حتى في صورة تباين متونها. فالقشيري يورد خبر رؤيا بشر الحافي بمتنين مختلفين في الفصل نفسه([87]) (المخصص لرؤيا الصوفية) دون نقد أو تعليق لأن الغاية عنده الشهادة بتوفيق الصوفي وحسن عاقبته.
أما ما تعلق بالصالحين خارج دائرة التصوف فيكون عادة من الصحابة والتابعين وأهل بيت الرسول. من ذلك خبر رؤية مالك بن أنس، يقول القشيري: “ورئي مالك بن أنس في المنام، فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة: سبحان الحي الذي لا يموت”([88]). ويقول السراج الطوسي: “حكي عن أبي عبيد البسري رحمه الله تعالى، قال: رأيت عائشة رضي الله عنها في المنام فقلت لها: يا أمي علميني دعاء، قال: قالت: يا أبا عبيد قل: اللهم أقلل مؤنتي وأحسن معونتي”([89]).
ومثل هذه الأخبار تركز على تلقي عبارات مخصوصة لها وقع مميز من الناحية الدينية خصوصا أن مصدرها شخص يتمتع بالقداسة، إذاك يتقوى أثرها ويصبح لها مفعول سحري. فهي سبيل إلى المغفرة والتوفيق وهو ما يكفل لها الانتشار السريع ويمنح صاحبها مكانة وحظوة يرقى بهما إلى مستوى غير عادي يكتسب من خلال مشروعية الانتماء إلى الحقل السني ويؤكد التزامه به وارتباطه بأعلامه وهي فكرة حاضرة باستمرار في كتابات الصوفية. وتسمح لصاحبها بحق التميز والاختلاف عبر ما يتلقاه في المنام من أدعية وأذكار وإفادات.
ولا نستغرب إذاك إقبال العامة والمعتقدين في التصوف على مثل هذه العبارات والأدعية المتلقاة عبر الرؤيا وانصرافهم عن النصوص التأسيسية من قرآن وسنة، لأنها أيسر في تحقيق المآرب والأغراض في اعتقادهم. ويصبح اتباع “الولي” من اتباع الله ورسوله ولا تخفى إذاك الحظوة التي يتمتع بها التصوف ورجاله اعتمادا على مثل هذا الأسلوب في تنشيط المخيلة وحشد الأتباع.
أفلا يكون للمسكوت عنه بهذا الاعتبار تبرير معقول ومنطقي في أوساط الصوفية؟ أليس انتقادهم لهذه الأدعية والعبارات في مصادرها وغائياتها وتوظيفها تهديدا لتجربتهم وإعلانا عن تهافتها؟ إذ كيف نفهم حرصهم على صدق التوجه المطلق إلى الله وتحييد النفس البشرية وإقصائها من جهة، وصمتهم عن سياقات توظيف الأدعية والأذكار المستقاة من الرؤى والأحلام، وجميعها يصرف تقريبا لقضاء مآرب دنيوية أو أخروية ذاتية؟ أين نضع حرصهم على التقيد بالكتاب والسنة، والحال أن من هذه الأذكار والأدعية أو الأحزاب ما يقتطع الآيات من سياقاتها ويجمع بينها بناء على اختيار فردي ويقحمها في مقامات جديدة تتناسب ووظائف مخصوصة يرتئيها صاحبها؟([90]).
لقد سكتت مصادر التصوف عن مثل هذا الجانب، وأعرضت عن نقد الأسانيد وبيان مدى حجية الرؤيا وأصحابها وسياقاتها، واكتفت بحشد الأخبار والنصوص الداعمة لحضور الصوفي ومنزلته بين الأنبياء والصالحين والمقربين من الله، لأن المقصد عندها كان توطيد أركان التصوف وتثبيته في مواجهة الاعتراضات الموجهة إليه والاتهامات له بالعدول عن الشريعة. وهو ما يؤكد مرة أخرى أن المسكوت عنه اختيار واع في أدبيات التصوف وتقنية في الخطاب مقصودة لتحقيق أغراض تختلف باختلاف معطيات الزمان والمكان، فلكل عصر مسكوته ومعلنه.

رؤيا الملائكة- عليه السلام:

  • من رأى كأنه يعادي جبريل وميكائيل- عليهما السلام- أو يجادلها فإنه تحل به نقمة الله تعالى من ساعة إلى ساعة، وكان رأيه موافقًا لرأي اليهود، 
  • ومن رأى أنه أخذ من جبريل- عليه السلام- طعامًا فإنه يكون من أهل الجنة- إن شاء الله- وإن راءه حزينًا مهمومًا أصابته شدة وعقوبة لأنه ملك العقوبة، ومن رأى ميكائيل فإنه ينال رضاه في الدارين،
  •  ومن رأى إسرافيل- عليه السلام- محزونًا ينفخ في الصور وظن أنه سمعه وحده دون غيره فإن صاحب الرؤيا يموت، فإن كان يظن أن أهل ذلك الموضع سمعوه ظهر في ذلك الموضع موت ذريع، وقيل إن هذه الرؤيا تدل على انتشار العدل بعد الظلم، 
  • ومن رأى ملك الموت- عليه السلام- مسرورًا مات شهيدًا، فإن باسرًا ساخطًا مات على غير توبة.
  • إن رأى ملائكة بأيديهم أطباق الفواكه خرج من الدنيا شهيدًا، وإن رأى أن ملكًا من الملائكة دخل عليه داره فليحذر دخول اللص داره.
  •  ومن رأى كأن الملائكة هبطت من السماء إلى الأرض على هيئتها فذلك دليل على عز أهل الحق وذل أهل الباطل ونصرة المجاهدين، فإن راءهم على صورة النساء فإنه يكذب على الله تعالى، لقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إنَاثًا إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا}([41].
  • وإن رأى كأنه ينظر إلى الملائكة أصابته مصيبة، لقوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا}([42].

موقف فرويد من رؤيا العبد ربه ورؤيا الرسل والملائكة:

لم يتحدث فرويد في كتابه تفسير الأحلام عن أي حلم له علاقة برؤيا الله عز وجل، أو الأنبياء، أو الرسل، والملائكة- عليهم السلام- عدا تأويل يوسف- عليه السلام- لحلم عزيز مصر، وحتى في تناوله لتفسير- عليه السلام- لرؤيا العزيز إنما جاء به ليدلل على أن المنهج الرمزي يمكن أن تؤول به الأحلام في بعض الأحيان ثم ينسف هذا المنهج ورؤيا يوسف- عليه السلام- بعدم اعترافه بأن الأحلام لها دلالة غيبية- خاصة إذا كان مفسرها من الصالحين- بقوله (وهي نظرة كان من الطبيعي أن تتراءى لا قوام يرون العالم كله مسيرًا بإرادة أو إرادات خارجة… فلا عجب أن تسقط هذه النظرة على عالم آخر غير عالمنا أشياء لا مصدر لها إلا دخيلة النفس)([43] فإذا كان فرويد ينكر وجود قدرة للخالق تسير هذا الكون بإرادته فمن الطبيعي أن يقول بأن الأحلام لا يمكن أن تفسر على أمر يمكن أن يحدث في المستقبل بإذن الله، وإنما هي نزوات وغرائز لم تشبع في مراحل العمر الأولى أو لم تشبع في اليقظة فيحدث لها الإشباع في الحلم عندما ينام الإنسان.
تحاشى فرويد في كتابه الحديث عن أحلام الملائكة والرسل فلم يذكر عنها شيئًا ولا حتى في الأحلام النموذجية التي رواها عن مرضاه أو التي رآها بنفسه ثم قام بتحليلها، ذلك لأن القاعدة التي ينطلق منها كما ذكر ذلك هي: أن الدين لا يدخل في جانب العلم والمعرفة وإنه سلوك مرضي وضرب من الهوس والوساوس، فإنكار فرويد للدين قضاء الله تعالى في الناس بالخير والشر واستبعاد أن الأحلام هي من عند الله يبدو واضحًا في قوله: (فما من أحد كان يرى في الأحلام شيئًا منطقيًا معقولًا من معدن المعقولات البشرية المعهودة لنا، وإن كانوا مع هذا يرونها ذات مغزى غير طبيعي: فمنهم من يربط بين هذا المغزي وبين عالم الغيب، أو دنيا الآلهة من علامات القدر والنذير، أما أنا فأرى في الأحلام مجرد علامات تدل على عمليات نفسية وفعلية، وما علينا إلا أن نعثر على مفتاح (شفرة) هذه العلامات حتى نصل إلى المعنى الحقيقي والطبيعي للأحلام) ([44].
إذن الأحلام عمليات نفسية وأفعال تعكس هذه العمليات، ليس لله- تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- أي شأن أو قدرة للتدخل فيها، فمصدر المعرفة لتفسير الأحلام هو الجانب الحسي المشاهد فقط، وليس للغيبيات وما جاء به الوحي أي تأثير عليها وهذا منهج قاصر في تفسير الأحلام فمنهج ابن سير أعم منه وأشمل لأنه زاد عليه الجانب الروحي ولم ينكر جانب التجربة الحسية، يقول الله تعالى في شأن هؤلاء الذين يؤمنون بغير الجانب الحسي المادي: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}[45].
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي أكثر الناس في الدنيا ليس لهم علم إلا بالدنيا وإكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة[46].

رؤيا من الشيطان:

وهي أحد أقسام الرؤيا التي جاءت في الأحاديث النبوية، فالشيطان حريص على تخزين المؤمن وإدخال الهم عليه في اليقظة والمنام. قال صلى الله عليه وسلم: “إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره” ([30]).
وجاء الحديث في وصف الحلم بأنه: تحزين من الشيطان وأهاويل من الشيطان.
قال المازري: (ويخلق ما هو علم على ما يضر، بحضرة الشيطان، فينسب إلى الشيطان مجازًا، لحضوره عندها، وإن كان لا فعل له حقيقة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان” لا على أن الشيطان يفعل شيئًا” ([31]).
بل يكون للشيطان فعل وتأثير بالمنام، كما له في اليقظة، بدليل حديث جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قال يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: “لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك” ([32]).
والقصد منه في المنام كما ورد في الحديث، لتحزين المؤمن وإدخال الهم عليه.
قال السفاريني ([33]): (المراد بتلعب الشيطان أنه يريه في منامه ما يحزنه، ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه رؤياه، فهو يتلاعب به، يقال لكل من علم عملًا لا يجد عليه نفعًا: إنما أنت لاعب) ([34]).
وقد أوصى صلى الله عليه وسلم من رأى هذه الأحلام بعدة وصايا منها: أن ينفث عن يساره ثلاثًا. ويستعيذ بالله من شر الشيطان وشرها، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، وليقم يصلي، ولا يحدث بها أحدًا، وبين صلى الله عليه وسلم أنها لا تضره ([35]).

رؤيا الأنبياء وحي:

دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن رؤيا الأنبياء وحي، قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ } [الأنفال: 43].
ولذا أقدم أبو الأنبياء إبراهيم الخليل على ذبح ابنه عليه السلام بسبب رؤيا، إذ عد ما رآه في المنام وحيًا من الله تعالى واجب التنفيذ ولذا قال ابنه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102].
قال تعالى: {فلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)} [الصافات: 102-105].
وقد استدل حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما بهذه الآية على أن رؤيا الأنبياء وحي ([56]).
وكذلك رؤيا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قصة الحديبية قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح: 27].
وقد أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وبشرهم بدخول مكة على الصفة التي رآها لأن رؤياه من الوحي، ولذلك قال عمر رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عقد صلح الحديبية: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: (بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟) قال عمر: لا، قال: (فإنك آتيه ومطوف به) ([57])، وقد كان تحقيقها في عمرة القضاء بعدها بعام.
فالرؤيا الصادقة من مراتب الوحي، بل هي المرتبة الأولى من مراتب الوحي، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ([58]).
وإنما شبهها بفلق الصبح دون غيره لأن شمس النبوة كانت الرؤيا مبادئ أنوارها، فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقت الشمس فكانت هذه بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم أول تباشير الوحي لئلا يفجأه الملك بالوحي ([59]).
قال القرطبي: (قال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى إيقاظًا ورقودًا فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم، وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: “إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا” ([60])) ([61]).

كون الرؤيا الصالحة من أجزاء النبوة:

قال صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة” ([62]).
ففي هذا المطلب مسألتان:
الأولى: كيف تكون الرؤيا جزءًا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: كيف الجمع بين روايات تحديد أجزاء النبوة، والتي جاءت مختلفة بأحاديث صحيحة.
أما المسألة الأولى: فقد اتفقت الأمة على انقطاع النبوة بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا نبوة بعده ولا وحي، ولذلك جاء في الحديث (ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات) ([63]).
وقد يستشكل كونها جزءًا من النبوة، مع ما هو متقرر من انقطاع النبوة، ورفع الوحي، وأن النبوة لا تتجزأ وأن من كانت رؤياه صادقة لم يكن فيه جزء من النبوة؛ لأن النبوة غير مكتسبة ولا مجتلبة، وإنما هي كرامة من الله تعالى ([64]).
قال ابن بطال: (كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة مما يستعظم ولو كانت جزءًا من ألف جزء) ([65]).
قال ابن حجر: (وقد استشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم) ([66]).
لذا حملها عامة العلماء على ظاهرها، في كونها جزءًا من النبوة، في حق الأنبياء عليهم السلام فقط، واختلفوا في معنى جزء النبوة في حق غيرهم.
قال الخطابي ([67]): (وإنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم، وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحي إليهم في اليقظة) ([68]).
وقال العراقي ([69]): (لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء عليهم السلام، وليست في حق غيرهم من أجزا ء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة) ([70]).
وقد تعددت الأقوال المنقولة عن أهل العلم في معني جزء النبوة الوارد في الأحاديث: فقيل: إنما هو على سبيل المجاز، وهو أنها تجيء على موافقة النبوة، وقيل: المعنى أنها جزء من علمها، لأنها وإن انقطعت النبوة فعلمها باق، وقيل: لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، والإطلاع على شيء من علم الغيب، وقيل: معني كونها جزءًا من أجزاء النبوة، مشابهتها في صدق الأخبار عن الغيب، والخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة ([71]).
قال ابن حجر: (إن وقعت الرؤيا من النبي، فهي من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز) ([72]).
قال الخطابي: (قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة) ([73]).
ولا أرى بين هذه الأقوال تضادًا، إذ المقصود من ذكر النبوة بيان دلالة الرؤيا الصادقة على الغيب الذي يكشفه الله تعالى بها، مع الاعتقاد الجازم أن هذا العلم لا علاقة له بالتشريع، أي: إقرار الأحكام الشرعية، أو نسخها، كما سيأتي تفصيله.
وحيث إنها تجيء على موافقة النبوة: أو أنها جزء من علمها لأن الرؤيا الصادقة إطلاع على بعض الغيب، فقد خصت بالرجل الصالح، ولذا جاء في الحديث: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا) ([74]).
قال ابن العربي: (رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها فالرؤيا من الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة وقيل: تعد في أقصى الأجزاء وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلًا) ([75]).
قال أبو العباس القرطبي: (والرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب حاله حال النبي صلى الله عليه وسلم، فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء… فإن الكافر والكاذب والمخلط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، لا تكون من الوحي، ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب، يكون خبرة ذلك نبوة… وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة  صادقة، كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ومنام عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كافرة، ونحوه كثير، لكن هذا قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة) ([76]).
فوقوع الرؤيا كما عبرت لا يلحقها بالرؤيا الصادقة المبشرة التي جاءت بها النصوص لقصرها على الرجل الصالح يراها أو ترى له، وهذا لا يمنع صدق غيرها.
أما المسألة الثانية وهي ما جاء من اختلاف تحديد أجزاء النبوة وتفاوت الراويات في ذلك فرواية (ستة وأربعين جزءًا) أخرجها البخاري ومسلم، وروى الحديث عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة:
فقد جاء في مسلم: (من خمس وأربعين جزءًا) ([77]) وجاء فيه أيضًا: (من سبعين جزءًا) ([78]) وروايات أخرى في المعاجم والسنن تختلف عن هذه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها جزء من ستة وسبعين.
وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذه الروايات على عدة أقوال:
الأول النسخ:
حيث قالوا: جعلها الله في البدء جزءًا من سبعين جزءًا من النبوة أو من ستة وسبعين جزءًا، فيكون ما يعطي من رآها أو رئيت له بها ذلك الجزء من النبوة، ثم زاده بعد ذلك بأن يجعل ما يعطيه بها جزءًا من خمسين جزءًا من النبوة، ثم زاده بعد ذلك أن جعل ما يعطيه بها جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهكذًا فضلًا منه تعالى وكرمًا ([79]).
الثاني: الترجيح:
فمن العلماء من ذهب إلى ترجيح روايات الستة والأربعين على غيرها من الروايات، لأنها الأصح عنده ([80]).
ويؤيد هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم من بيان وجه المناسبة في ذكر هذا العدد في الحديث وإن لم يصرحوا بالترجيح، حيث قيل: إن الله أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة مدة حياته، فنسبة الوحي في المنام إلى مدة الوحي في اليقظة جزء من ستة وأربعين جزءًا، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح.
قال ابن عثيمين: (وكون العدد جزءًا من ستة وأربعين جزءًا موافق للواقع بالنسبة للوحي الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن أول الوحي كان بالرؤيا الصالحة  من ربيع الأول إلى رمضان وهذا ستة أشهر، ثم أوحى الله إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي كان جزءًا من ستة وأربعين جزءًا؛ لأن الوحي كان ثلاثًا وعشرين سنة وستة أشهر) ([81]).
وهذا التعليل اقتصر فيه على الرواية الأشهر وليس فيها جمع بين الروايات المختلفة، ولذلك فالروايات الأخرى ترد هذا التعليل.
وأنكر هذا التعليل كثير من العلماء قال النووي: (قدح بعضهم فيه بأنه لم يثبت أن أمد رؤياه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ستة أشهر، وبأنه رأى بعد النبوة منامات كثيرة) ([82]).
الثالث: التوقف:
ذهب السيوطي إلى التوقف فيها ورأى أن هذا من الأحاديث المتشابهة التي يوكل معناها إلى الله تعالى حيث قال في تعليقه على الحديث ما مضمونه: هذا الحديث عندي من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها وبكل معناها المراد إلى قائله صلى الله عليه وسلم، ولا نخوض في تفسير هذا الجزء من هذا العدد ولا حكمته، خصوصًا قد اختلفت الروايات في كمية العدد كما تقدم، فالله أعلم بالمراد بالمقصود من ذلك ([83]).
الرابع: الجمع:
عامة العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة ذهبوا إلى محاولة الجمع بين هذه الأحاديث وبيان سبب اختلاف هذه الروايات على عدة أقوال وهي:
الأول: قيل: إن ذلك بحسب حال الرؤيا ودلالتها فمنها جلي وخفي، فإذا قلت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من الوقوع في الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت وقد ذكره ابن حجر عن ابن بطال وابن أبي جمرة وقال: (لخصه المازري فقال: قيل: إن المنامات دلالات والدلالات منها ما هو جلي، ومنها ما هو خفي، فالأقل في العدد هو الجلي والأكثر في العدد هو الخفي وما بين ذلك) ([84]).
الثاني: أن هذا الاختلاف من الأمور التوقيفية التي لا تعلم حكمتها فيصححون كافة الروايات المختلفة ويتوقفون في بيان سبب الاختلاف أو تعليله.
قال المازري: (لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلًا، فقد جعل الله للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلًا، ومنه ما يعلمه جملة  لا تفصيلًا، وهذا من هذا القبيل) ([85]).
وقال ابن العربي: (أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها إطلاعًا على الغيب من وجه ما) ([86]).
الثالث: قيل: إن ذلك بحسب حال الرائي، من صلاحه وصدقه واستقامته وتقواه، ونقصه عن ذلك، فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين.
وهذا هو أرجح الأقوال في هذه المسألة لأن فيه جمعًا بين الروايات الصحيحة، وإعمالًا لكافة الأدلة، يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: “أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا” ([87]).
وهو الذي رجحه الطبري وابن عبد البر وابن العربي وابن الجوزي والقرطبي المفسر والألباني وغيرهم من العلماء ([88]).
قال ابن عبد البر: (اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندي باختلاف تضاد وتدافع والله أعلم، لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءًا أو خمسة وأربعين جزءًا أو أربعة وأربعين جزءًا أو خمسين جزءًا أو سبعين جزءًا على حسب ما يكون الذي يراها من صدق الحديث وأداء الأمانة والدين المتين وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد والله أعلم، فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب) ([89]).
قال القرطبي: (فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه) ([90]).
قال الألباني: (فإن هذا الاختلاف راجع إلى الرائي، فكلما كان صالحًا كانت النسبة أعلى، وقيل غير ذلك) ([91]) ([92]).

المراجع 

أ.د. عبد الله بن محمد بن رميان الرميان – عضو هيئة التدريس جامعة أم القرى / الرؤيا وعلاقتها بالنبوة

  • أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين، سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار البيان الحديثة، الطائف، الطبعة الأولى، 1422هـ.
  • أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي المالكي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت.
  • إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، دار القلم بيروت، الطبعة الثالثة.
  • الآداب الشرعية والمنح المرعية، محمد بن مفلح المقدسي، مؤسسة قرطبة.
  • إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ.
  • الاعتصام، إبراهيم بن موسى الشاطبي، دار ابن عفان.
  • إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1414هـ.
  • الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الحادية عشر، 1995م.
  • إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق الدكتور يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، الطبعة الأولى، 1419هـ.
  • تلبيس إبليس، لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق الدكتور السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1407هـ.
  • تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، مؤسسة الريان، بيروت، الطبعة الثامنة، 1424هـ.
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد البر القرطبي، موسوعة شروح الموطأ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز هجر للبحوث والدراسات الإسلامية والعربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1426هـ.
  • التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، 1406هـ.
  • الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الخامسة، 1417هـ.
  • جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1412هـ.
  • الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق محمود بن محيي الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ.
  • الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين، الدكتور سهل العتيبي، كنوز أشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى.
  • سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، محمد خليل المرادي، تحقيق محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ.
  • سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1407هـ.
  • سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الحادية عشر، 1417هـ.
  • شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد محمد مخلوف، دار الفكر.
  • شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة 1399هـ.
  • شرح السنة، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق سعيد اللحام، دار الفكر، بيروت، 1414هـ.
  • شرح صحيح مسلم، محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ.
  • الشرح الممتع على زاد المستنقع، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق عمر الحفيان، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، 1422هـ.
  • صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، بيت الأفكار الدولية، الرياض.
  • صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعه زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1408هـ.
  • صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، بيت الأفكار الدولية، الرياض، 1419هـ.
  • طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، 1417هـ.
  • طبقات المفسرين، أحمد الأدنه وي، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • طرح التثريب في شرح التقريب، عبد الرحيم بن حسين العراقي وابنه أبي زرعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ.
  • عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ابن العربي المالكي، تحقيق صدقي جميل العطار، دار الفكر، بيروت، 1415هـ.
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين محمود بن أحمد العيني، مراجعة صدقي جميل العطار، دار الفكر، بيروت، 1425هـ/1426هـ.
  • عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ.
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق عبد السلام علوش، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1425هـ.
  • الفتوحات المكية، لمحي الدين بن عربي، دار صادر، بيروت.
  • فصوص الحكم، محيي الدين ابن عربي، تعليق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت.
  • الفلاسفة الإسلاميون والصوفية وموقف أهل السنة منهم، الدكتور عبد الفتاح فؤاد، دار الدعوة، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 1418هـ.
  • مجموع الفتاوى، أحمد بن تيمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، طبعة 1416هـ.
  • المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد الحق بن عطية الأندلسي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، الطبعة الثانية، الدوحة، 1428هـ.
  • مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد ابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، 1416هـ.
  • المدخل، محمد بن محمد ابن الحاج، دار الفكر، بيروت 1401هـ.
  • المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ.
  • المسند، أحمد بن حنبل الشيباني، المكتب الإسلامي.
  • معالم السنن في شرح سنن أبي داود، حمد بن محمد الخطابي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1416هـ.
  • معجم مفردات ألفاظ القرآن، الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت.
  • المعلم بفوائد مسلم، محمد بن علي المازري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1992م.
  • المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أحمد بن عمر القرطبي، دار بن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 1417هـ.
  • هدي الساري مقدمة فتح الباري، أحمد بن حجر العسقلاني، تعليق عبد السلام علوش، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1425هـ.

أقرء أيضا
3.7/5
Share on facebook
شارك الآن
Share on twitter
غـــــرد الآن
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on print
Print
أحدث المقالات
تصنيفات
اعلان
مقالات مميزة