الفينومينولوجيا والدين

الفينومينولوجيا والدين 

مقدمة : 

في سلسلة مواضيع موقع صوت العقل عن الفينومينولوجيا , نقدم لك اليوم نظرة د/حسن حنفي عن الفينومينولوجيا عامة وعلاقتها بالدين  خاصة , من خلال قراءة في كتابه” تأويل الظاهريات ” , وللتعرف أكثر علي الفينومينولوجيا يمكنك قراءة : الفينومينولوجيا | المنهج والموقف  وللإطلاع أكثر علي نظرة الفيلسوف العربي حسن حنفي للفينومينولوجيا يمكنك قراءة هذا المقال : الفينومينولوجيا الحضارية  كما يمكنك الإطلاع علي الفينومينولوجيا في فلسفة سارتر الوجودية من خلال هذا الرابط :الفلسفة الوجودية | الفينومينولوجيا في فلسفة سارتر  كما تجد كل مايخص الفينومينولوجيا في هذا التصنيف المستقل علي موقع صوت العقل : قسم الفينومينولوجيا    والآن هيا بنا نغوص في أعماق بحر الفينومينولوجيا وعلاقته بالدين مع الدكتور أنور غيث وأستاذه حسن حنفي   

الفينومينولوجيا منهجا لدراسة الدين: 

بقلم : أنور مغيث [**]
لم تكن الفينومينولوجيا، لدى مؤسسها هوسرل، على الرغم من غزارة كتاباته، منهجا لفلسفة الدين. ولكن حسن حنفي يرى الصلة بين الفينومينولوجيا وفلسفة الدين صلة جوهرية. ويبرر هذه النتيجة انطلاقا من تحليل الوعي الأوروبي وذلك من خلال تحديد بنية الوعي الأوروبي وتطوره من خلال لحظات ثلاث:

  • الأصل: يوناني- روماني/ يهودي- مسيحي/ أوروبا التاريخية نفسها.
  • نقطة البدء: الكوجيتو الديكارتي.
  • نقطة الوصول: الكوجيتو الفينومينولوجي.

ولو تأملنا قليلا نقطتي البدء والوصول في الصيغة التي يطرحها علينا حسن حنفي لوجودنا أن الشك الديكارتي لم يكن يمثل مخرجا حاسما لأزمة الوعي الأوروبي وذلك لأن الشك كان يستهدف الوصول إلى منطقة أونطولوجية تقف خارج الشك. ولذا فهو يعد مسئولا النزعة الموضوعية في العلوم الأوروبية القائمة على الثنائية الزائفة بين الذات والموضوع.
أما نقطة الوصول وهي الفينومينولوجيا فيقدمها حسن حنفي على أنها “هي الأمل الوحيد للفكر الأوروبي للخروج من الثانئية والتشوش والانحطاط (ص 348).
ولكي نقف على مبررات مثل هذا الحكم الحاسم علينا أن نتتبع التفسير الثقافي الذي يقدمه حسن حنفي للوعي الأوروبي. فهو يبدأ في الأزمنة الحديثة مع فلسفة العقل التي كانت قتال مع فلسفة الطبيعة المدرسية ثم عرج إلى فلسفة الوجود في العالم المعاصر.
ومن هنا تتشكل الرؤية الثالوثية لبنية الوعي الأوروبية والتي تتمثل في رؤية العقل كما يقدمه الدين ورؤية المادة كما تتبدى في العلم ورؤية الوجود العيني في الفلسفة.
ومصطلح الثالوث هنا يشير إلى أن البنية الدينية هي الكامنة في كل تجليات الوعي حتى وإن اتخذ مظاهر مغايرة للدين في صورته العقائدية. والكشف عن هذه البنية هو “المخطط الكامن للعمل الثقافي في الفينومينولوجيا” (ص435).

وعلى هذا الأساس تعتبر الفينومينولوجيا الأخلاق تحولا إنسانيا للدين، وهناك شبه تحول للدين إلى فلسفة في العصر الحديث.

وكما رأينا تعتبر فينومينولوجيا حسن حنفي أن الفلسفة المثالية هي تحول للموعظة فوق الجبل. بل إن النظرة السائدة في الوعي الأوروبي في العصر الحديث إلى الدين بوصفه رؤية أسطورية- عملية للعالم في مرتبة ادنى من الرؤية العقلانية أو الرؤية النظرية الخالصة ما هي إلا مفهوم يأتي من تاريخ الأديان نفسها. وإلى مثل هذا الرأي ذهب الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي في بحثه “تفكيك الوجود” عندما جعل من الإلحاد أبنا شرعيا للأديان التوحيدية؛ لأنها تخلت عن فكرة حضور الله في العالم التي كانت تسم الأديان الوثنية وجعلت الله غائبا يتصل بالعالم من خلال الكلمة الموحاة التي تتحقق بتجليات مختلفة في تاريخ خطي يتقدم من الخلق إلى القيامة.
ولهذا لا يتم في الفينومينولوجيا تفسير الدين بالتاريخ ولكن على العكس يتم تفسير التاريخ بالدين فمشكلة التاريخ ليسيت فلسفية بل هي بعد من أبعاد الوعي الديني. ومن هذا المنظور لن تكون الفينومينولوجيا  استثناءا من الخضوع لهيمنة البيئة الدينية: الفينومينولوجيا نفسها تحول للدين على المستوى الإنساني” (ص).
وهكذا في نهاية المطاف مركزية الدين تحولت إلى مركزية للفينومينولوجيا ونبرة الخلاص التي تتضمنها عبارة “الفينومينولوجيا هي الأمل  الوحيد الباقي أمام الوعي الأوروبي” ترتدي مسوح الخلاص الديني الذي يرتبط بالموت وبيوم القيامة.

الفينومينولوجيا بين الإيمان والإلحاد:

تتحول الفينومينولوجيا التطبيقية مع حسن حنفي إذن إلى نظرة أخلاقية دينية إلى العالم ويزول كل تعارض بينها وبين العقائد الدينية. ولكننا لو رجعنا إلى المنطلقات النظرية الأساسية للفينومينولوجيا لوجدنا الكثير من التعارضات بينها وبين النظرة الدينية للعالم. وتتمثل هذه التعارضات في مجموعة من النقاط الجوهرية المرتبطة بتصور الفينومينولوجيا عن العالم أو بالشروط الأولية لعملية الإدراك والمعرفة: فالله لا وظيفة له في ضمان واقعية العالم المعاش ولا دور له في عملية إدراكه.

وتقوم الفينومينولوجيا على ثلاث قضايا رئيسيه:

  1. الوجود- في- العالم هي علاقة مباشرة بين الوعي والعالم دون أي تدخل من جانب الخلق.
  2. العنصر الذاتي ألما قبلي أو الشارط لكل وعي…. يسبق كل وجود آخر حتى وجود الله نفسه.
  3. الله هو عبارة عن خبرة واقعية معاشة أما وجوده الواقعي الفعلي والموضوعي فيوضع بين قوسين.

والواقع أن هذه القضايا التي أكد عليها هوسرل استند عليها تيار ملحد في الفينومينولوجيا يضم هيدجر وسارتر وميرلوبونتي وغيرهم. ولكننا نلاحظ أن هذه القضايا التي تبدو تطاولا على الذات الإلهية من وجهة النظر الدينية التقليدية لا تستبعد الألوهية تماما ولكن تطرحها بصورة جديدة تبدو فيها مرهونة بالوعي الذاتي والقصدية؛ فهي التي تهبها الوجود والفاعلية. فيقول هوسرل في “الأبحاث المنطقية” أن العالم ينبع من الإنسان والإنسان من العالم وهو ما يعني “أن الله يخلق الإنسان والإنسان يخلق الله” (ص 446).
ويعود هوسرل ويؤكد على نفس الموقف ولكن هذه المرة من خلال تحليله لمفهوم الخبرة المعاشة باعتبارها نقطة الانطلاق في كل بناء معرفي فيصيغ أيضا ثلاث قضايا شارطة:

  1. الوجود الطبيعي يعتمد على نظريته العقلانية وليس على أي خالق كان.
  2. البداهة خبرة داخلية خالصة لا تحتاج إلى ضمان من أي كائن غير متناه.
  3. الخبرة المعاشة هي خالقة الموضوع وهي نفسها تكتفي بذاتها ولا تحتاج إلى أي خالق (ص 447).

من الصعب إذن، أمام هذه الأحكام التي قدمها هوسرل ويعرضها حسن حنفي في كتابه، أن نتعامل مع الفينومينولوجيا بوصفها نظرة دينية أخلاقية للعالم. ولكن حسن حنفي يحاول تبرير تأويله هذا للفينومينولوجيا من خلال عدد من النصوص التي تدل على إيمان هوسرل مؤسس المدرسة. فهوسرل يرى أن حياة الإنسان ما هي إلا طريق نحو الله (ص 456) ولكنه طريق يجبره “الرد الفينومينولوجي” على أن يقطعه دون أدلة ولا مناهج ودون أي عون من جانب اللاهوت ويرى هوسرل أنها طريقة مليئة بالإخطار لولا روابطه العميقة بالله وإيمانه بالمسيح.
بالمسيح[***]. ومع تقدم هوسرل في العمر اكتست تعبيراته عن الإيمان باللغة الصوفية فيقول بعد أن قرأ الإنجيل في نهار يوم مشمس “اليوم أشرق على شمسان”. وحتى في شيخوخته حيث يعبر عن تأوله لرحلة العمر “قد كافحت منذ شبابي ضد كل أشكال الاختيال والغرور، ضد المكانة التي أتاحتها لي وظيفتي واحترام تلامذتي لي وإعجابهم وهو الذي كان يشجعني على العمل. والآن أود قبل موتي أن أتوجه مثل نيوتن إلى العهد الجديد ولا أقرأ كتابا غيره” (ص457).
أنها بالفعل نصوص تدل على إيمان هوسرل العميق، ولكن ما علاقتها بالمنهج الفينومينولوجيا، الذي صاغه هوسرل. لقد أشار هوسرل إلى نيوتن بوصفه قدوة له. وقد مات نيوتن وهو يعتقد أن المقدمة التي كتبها لإحدى طبعات الإنجيل هي أعظم عمل قام به في حياته. ورغم إيمان نيوتن لم يحاول باحث أن يجعل من فيزياء نيوتن أي من قوانين الحركة ونظرية الجاذبية تعبيرا عن نظرة إيمانية للعالم، وبالمثل لا يمكننا انطلاقا من إيمان هوسرل الحكم بأن الفينومينولوجيا نظرة دينية وأخلاقية للعالم. 
ولكننا في الواقع لن نكون منصفين إذا افترضنا أن حسن حنفي يؤسس حكمه على الأقاويل الإيمانية لهوسرل وحدها. بل يحاول أن يقدم تسويغا نظريا وربما تعديلا يتيح له أن يضع الدين في قلب النظرة الفينومينولوجية. وهو الأمر الذي لجأ إليه أيضا عدد من أتباع هوسرل مثل ليفيناس؛ الذي يجعل من الوحي مصدر كل عقلانية ويعتبر أن الواحد والوجود والماروراء بل والرغبة، كلها أنماط عقلانية مختلفة للإيمان الديني. ومن منظور آخر يحاول ميشيل هنري مقاومة اختزال الفينومينولوجيا فيما هو مرئي Visible كما يريد ميرلوبونتي ويرى أن الفينومينولوجيا لا تتمثل في دراسة الظاهرات apparitions ولكن في دراسة فعل الظهور نفسه apparaitre وهو ما يعد مرادفا للوحي revelation الذي يفترض كتابا محاثيا هو عند ميشيل هنري الحياة la vie التي لا تعتبر ظاهرة ولكنها مصدر كل ظاهرة. وجدير بالذكر أن مثل هذه المحاولات لا تحظي بإجماع الفينومينولوجيين بل أحيانا تثير سخط بعضهم فنرى دومينيك جونيكو  وتعتبر هذه المحاولات انحرافا لاهوتيا tournant théologique عن الفينومينولوجيا الأصلية التي قامت بالأساس لمواجهة هذه النزعات في الفلسفة (Magazine li Heraire, Paris).

 التمييز بين اللاهوت  والدين، والتمييز بين الكتابة والتراث وربط الفينومينولوجيا

يندرج حسن حنفي إلى هذا التيار الذي يريد أن يربط الفينومينولوجيا بالوحي فيرى أن القضايا الأساسية التي ذكرناها آنفا والتي تبدو مخالفة للدين تتعلق بتصور مرفوض وهو الإله المتعالي وهو الله الذي يقدمه لنا اللاهوت في حين أن الله في الفينومينولوجيا هو محايثة خالصة.  ومن هذا المنظور تتشكل ملامح فلسفة الدين عند حسن حنفي؛ فهو من حيث المبدأ يسعى إلى تخليص النص الموحي به من أدغال النصوص الدينية التي تكتنفه على اعتبار أن هذا هو الضامن إلى الوصول للتصور الخالص لله. إذن أن الموحي به هو الله في صورة كلام والعقلاني هو الإنسان في صورة عقل ومن التقاءهما تنشأ الظاهرة الدينية وتتحدد بذلك المهمة الثلاثية لفلسفة الدين.

  1. نقد فلسفي للمعطي الديني ويشتمل على ثلاثة عناصر وهي اللغة والبنية والقصدية.
  2. تحديد منهج علم الدين وعناصره هي التاريخ والتفسير والدعوة.
  3. نقد اللاهوت بحيث يتيح إمكانية قيام علم نفس ديني، وفينومينولوجيا دينية وعلم اجتماع ديني.

لا مجال إذن لاستبعاد الوحي عند دراسة الظاهرة الدينية، بل لا مجال أصلا لأي تناول علماني للدين؛ لأن الوحي هو مصدر الظاهرة الدينية والتاريخ لا يضيف شيئا إليه وإنما الوحي هو الذي يتحقق في التاريخ وهذا هو الذي يفتح المجال عند حسن حنفي لرد كل شيء إلى الدين وأيضا لتحويل الدين إلى تجليات أخرى.
علينا فقط أن نستحضر في الذهن باستمرار تمييزا ضروريا بين اللاهوت أو علم الكلام والدين نفسه “فاللاهوت ليس أحد علوم الدين التي من بينها الدعوة والتفسير وتاريخ الدين بل أن اللاهوت هو أقل علوم الدين دينية؛ لأن ما يميزه هو المنهجية والعقلنة والصورية والخارجية والتشيؤ، في حين أن ما يميز الدين هو الانفتاح والخبرة والمعاشة والامتلاء والداخلية والمعطى الأصلي للوعي، لكننا غالبا ما نخلط بينهما” (ص563). بل إن المشكلة التي تواجه الفينومينولوجيا هي أنها تفكر في الظاهرة الدينية انطلاقا من مصطلحات اللاهوت وخصوصا مصطلح الله وصفة إلهي المشتقة عنه. ولكن الفينومينولوجيا تستبعد الله نفسه وتجعل كلام الله هو وحده موضوعا للتحليل ولهذا تصبح كل فينومنيولوجيا للدين فينومينولوجيا للتفسير. أي تصبح فهما للنص المقدس.
وهذا الارتباط الوثيق بين الفينومينولوجيا والدين والتفسير هو الذي يحميها من الوقوع في النزعة السيكولوجية عندما تتحول إلى دراسة لظاهرة الإيمان ويحميها من الوقوع في النزعة التاريخية عندما تنحو نحو دراسة الكنيسة أو المؤسسة الدينية.
كما أن ارتباط الفينومينولوجيا بتفسير النص المقدس هو الذي يتيح عمليات الرد والتحويل من الظاهرة الدينية إلى الفلسفة؛ فالتاريخ هو مجرد مجال لتجلي المعطي الديني في شكل لاهوت وفلسفة وفقه وتصوف وثقافة بوجه عام. ومن هنا نفهم ما سبق أن ذكرناه وهو أن المذاهب الفلسفية في نظر فينومينولوجيا الدين ليست سوى تحولات عقلانية لبعض جوانب الظاهرة الدينية.

 التمييز بين الكتابة المقدسة وبين التراث

هناك تمييزا آخر ضروري ينبغي إجراؤه هو التمييز بين الكتابة المقدسة وبين التراث. فالكتابة المقدسة هي التاريخية historicité أي هي اللحظة التي يتأسس عليها التاريخ وينفتح إذا أنها مرتبطة بالواقع الإنساني وحده. أما التراث فهو التاريخ لأنه مرتبط بالأعمال التي أنتجتها الأحداث وبالمؤسسات والأشخاص (ص596).
هذه الأسس الثلاث: التمييز بين اللاهوت  والدين، والتمييز بين الكتابة والتراث وربط الفينومينولوجيا تفتح بابا واسعا لتأويل الرموز الدينية؛ فالله المتعالى هو تصريح ضمني بمادية العالم، والتجسد ليس حدثا تاريخيا وإنما حضورا للأبدية في الزمان. وشخص النبي ليس وجودا تاريخيا واقعيا ولكنه ظهور للحقيقة في الذاتية. والآخرويات ليس سوى دراسة الوقائع المستقبلية أو هي ربط الوجود بالغائية.
ورغم هذا الابتكار في الـتأويل فإن حسن حنفي يرى أن فينومينولوجيا لا تطرح على نفسها مهمة تدمير التفسير القائم، التاريخي أو العقائدي فليس من واجبها تفريغ التاريخ وإزالة العقائد وإنما فقط مهمتها هي اقتراح حلول جديدة (ص 609) ولما كانت الفينومينولوجيا ترتبط بتفسير النص لزم لها أن تتصل بالنقد التاريخي الذي يهدف إلى إثبات صحة النصوص وصدق الرواة. وبالتالي تصطدم بمشكلة التاريخ وبمشكلة الموضوعية. والنزعة التاريخية historisme تقدم لنا تاريخا موضوعيا فظا، مكونا من أحداث تعاقبت في المكان والزمان. والحل الذي تقدمه الفينومينولوجيا هو أنها تضع تاريخية historiuté الواقع الإنساني محل تاريخ الأحداث جاعلة من الوعي بعدا شاملا للتاريخ. وهكذا فالنبي وعي قبل أن يكون حدثا. وجماعة الصحابة هي وعي ما بين ذاتي قبل أن تكون مؤسسة بل والمؤمن العادي نفسه هو وعي قبل أن يكون مجرد وحدة كمية قابلة للعد (ص613).
هكذا نصل إلى نهاية المسيرة قد عرفنا إلى حد ما المقصود بفينومينولوجيا التفسير وغاياتها ومنهجها وآلياتها الإجرائية. وهذا النص المكتوب بالفرنسية هو الذي يضيء لنا الكثير من كتابات حسن حنفي باللغة العربية وخصوصا كتاب “التراث والتجديد”، وكتاب “من العقيدة إلى الثورة”. حيث يمكن لنا الآن أن نفهم تعبيراته التي أثارت جدلا كثيرا مثل “الوحي هو المعطي الأول للشعور” و”التراث هو المخزون النفسي للجماهير” و”التاريخ هو مجال تحقيق الوحي”. ونفهم كذلك عمليات الإحلال بين الله والأرض وبين نطق الشهادة والتمرد.
وكما ذكرت في البداية إن حسن حنفي لم يكتب بالعربية نصا يشرح فيه الفينومينولوجيا ويدافع عنها أمام القراء العرب. والواقع أن هذا الكتاب لو ترجم لقام بالمهمة خير قيام؛ ففيه شرح واف لمصطلحات الفينومينولوجيا القصدية والرد والأبوخية والأنا المتعالي وغيرها، كما أنه يتضمن عرض شامل للمنهج الفينومينولوجي عند هوسرل وتطوره، ومدارسه المختلفة في أوروبا ومجالاته مع المذاهب الفلسفية الأخرى، ويسود الكتاب إعجاب بهوسرل والذي يسميه المؤسس. وسعى حثيث لاستمداد شرعية لكل تأويل أو ابتكار من خلال العودة لنصوص المؤسس.    ولكن هذا الكتاب في النهاية ليس مجرد عرض للمذهب الفينومينولوجيا وإنما هو محاولة تجديدية داخل الفينومينولوجيا نفسها. وهذا هو ما جعل الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يصف محاولة حسن حنفي بأنها فينومينولوجيا مستقلة. (ص )
ولنعد الآن إلى فينومينولوجيا التفسير وطريقتها في تناول الظاهرة الدينية ولنعد إلى أبعد من ذلك، إلى بدايات الكتاب، لكي نتذكر المهمة الكبرى التي كان يطرحها حسن حنفي على الفينومينولوجيا: “هي الأمل الوحيد الباقي أمام الوعي الأوروبي” ليخرج من الأزمة ومن الانهيار ونتساءل هل تعتبر الفينومينولوجيا بحق قادرة على أداء مهمة بهذا الحجم؟
لقد أوجدت الفينومينولوجيا حلولا مبتكرة لعدد من المشاكل التي ظلت معلقة في الفلسفة الأوروبية، أما فيما يتعلق بانهيار الوعي الأوروبي فلا شيء يمنع أن تكون الفينومينولوجيا مظهرا من مظاهر هذا الانهيار وليس مخرجا منه، أما لو تخلصنا من إدراك من المنظور التاريخي الحامل لمفاهيم مثل الانهيار أو الأفول أو الانحطاط فإنه يكون من السهل التأكيد على أن الفينومينولوجيا هي صاحبة أكبر تأثير في الفلسفة الأوروبية في القرن العشرين.
على أي حال ليست الفينومينولوجيا هي جوهر الموضوع. وإنما جوهره هو هذا الباحث غير الأوروبي، الذي يمر بمنعطف للتحول من مرحلة لاهوتية إلى مرحلة بشرية، ويعتبر دراسته تحليلا نفسيا ذاتيا. هل أضاء الوعي الأوروبي بضوء جديد؟ لقد استبعد الإسلام منذ البداية على أساس أن اللاهوت فيه لم يحل محل الوحي والتراث لم يحل محل الكتابة، فبقيت أمامه بعض مقولات المسيحية يقدم لها تفسيرا يضاف إلى تفسيرات أخرى عديدة قادمة من مدارس مختلفة يمتلأ بها الفكر الغربي.
كما أن حسن حنفي، عندما جعل من ظاهرة الدين- عبر جهد تأويلي بارع- محورا لفينومينولوجيا هوسرل قد أفرغ الفينومينولوجيا من الكثير من شخصيتها التنويرية وجعل دورها هو تضميد جراح الوعي بعد المعارك الطاحنة التي خاضتها الحداثة مع الفكر القديم. ولو تركنا موضوع الدرس وذهبنا إلى الدراس غير الأوربي نفسه لوجدنا أن الفينومينولوجيا تأتي لتضفي تماسكا منهجيا على تذبذبه بين المرحلة اللاهوتية والمرحلة الإنسانية.
إننا في هذا الكتاب نظل رهائن لعملية اختزال متواصل ننطلق من الفكر في عموميته لنصل إلى الفكر الأوروبي ومنه إلى الفينومينولوجيا ثم إلى فينومينولوجيا الدين وأخيرا إلى التحليل النفسي الذاتي. ونصطحب معنا في كل مراحل الرحلة كل مقولات الكونية مثل المعنى والحقيقة والعقل والإنسان ولكن يمكن لنا أن نقطع نفس الرحلة في مسار عكسي من التحليل النفسي الذاتي.
[*] بحث ألفي في ندوة مفكرون عرب معاصرون، القاهرة 2002
[**] أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان، مصر.
[***] ولد هوسرل يهوديا في عام 1859 ويذكر جان فرانسوا ليوتار في كتابه “الفينومينولوجيا” أنه اعتنق المسيحية على مذهب الإنجيليين عام 1886 (ليوتار ص9). ولكن حسن حنفي يرى أنه اقترب من المسيحية ولم يعتنقها (ص457). وإلى هذا يذهب أيضا أوسترايشر في كتابه “سبعة فلاسفة يهود أمام المسيح”. وكان هذا الاعتقاد في بقاء هوسرل على يهوديته هو السائد في أثناء الضجة التي أثيرت بعد صدور كتاب فارياس “هيدجر والنازية” في أواخر الثمانينات. إذ يكشف هذا الكتاب أن هيدجر بعد أن أصبح عضوا في الحزب النازي وتولى رئاسة الجامعة قد أراد مجاراة النازيين في اضطهاد اليهود فمنع أستاذه هوسرل من دخول الجامعة كما أنه عند صدور الطبعة الثانية من كتاب “الوجود والزمان” ألغي هيدجر الإهداء الذي ظهر في الطبعة الأولى ويهدي فيه كتابه لأستاذه هوسرل وفي الضجة الفكرية التي أعقبت صدور كتاب فارياس لم يذكر أيا من الذين هاجموا هيدجر ولا من الذين دافعوا عنه أن هوسرل كان قد اعتنق المسيحية. وبالتالي نجد أنفسنا أمام تفسيرين: إما أن هوسرل لم يعتنق المسيحية وهو أمر يبدو غريبا مع تصريحاته الأخيرة عن إعجابه بالإنجيل وإيمانه بالمسيح، وإما أن النازيين كان يضطهدون حتى المسيحيين من أصول يهودية. وهنا نكون إزاء مصير تراجيدي لهذا الفيلسوف الكبير الذي يواجه الحجود والنكران بسبب يهوديته في الوقت الذي يعيش إيمانه المسيحي بوجدان عميق وسريرة صافية.