Home » Uncategorized » إقليدس : من هو وما نظرية اقليدس وشرح النظرية وقوانين اقليدس

إقليدس : من هو وما نظرية اقليدس وشرح النظرية وقوانين اقليدس

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
إقليدس : من هو وما نظرية اقليدس وشرح النظرية وقوانين اقليدس

محتويات

 

في هذا الموصوع نقدم :شرح نظرية اقليدس وقوانين اقيلدس والتعرف علي اثبات نظرية اقليدس وماهي المسلمات والبديهيات وكل ما يخص الهندسة الاقليدية تابع معنا :

ماهي نظرية اقليدس 

لقد شهدت الرياضيات مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر  تطورا كبيرا في جميع ميادينها، فبعد أن تخلت الهندسة عن الاعتبارات المكانية والحدسية العينية، وانتقلت بأنساقها المتعددة من مرحلة الوصف العيني للعالم القائم على الأشكال الهندسية إلى مرحلة الصياغة الصورية القائمة على علاقات منطقية خالصة،إقليدس : من هو وما نظرية اقليدس وشرح النظرية وقوانين اقليدس

انصرفت جهود الرياضيين إلى ميدان الجبر والتحليل، وأدت الأبحاث المتواصلة إلى تقويض حدس الاتصال الهندسي كأساس للتحليل، واستبداله بالعدد، وهذا ما عرف في تاريخ الرياضيات بحركة تحسيب الرياضيات([1]).

وعندما لجأ الرياضيون إلى العدد لجعله أساسا جديدا للرياضيات بمختلف فروعها، سرعان ما اصطدموا بمشكلة العدد نفسه ما هو؟ وبمشكلة تعدد اللانهايات وسلاسل الأعداد وغيرها من المشاكل المماثلة،

«وسرعان ما أخذت تظهر في عالم الرياضيات مفاهيم وكائنات لا تتفق مع الواقع التجريبي، ولا يستسيغها حدسنا الحسي كالأعداد التخيلية والأعداد المركبة والدوال المنفصلة… إلخ»([2])

ضف إلى ذلك مشكلة اللانهايات في سلاسل الأعداد، هذه الأخيرة التي حاول جورج كانتور (1918-1845 G. Cantorم) حلها من خلال نظرية المجموعات، والتي اعتمدها الرياضيون بعد ظهورها كأساس للرياضيات، إلا أنها أدت إلى نقائض ومفارقات عديدة زرعت الفوضى والاضطراب في صفوف الرياضيين،

خصوصا وأن الأمر يتعلق بالأساس الجديد الذي اطمأن إليه الرياضيون ليشيدوا صرح علمهم عليه بمختلف فروعه([3])، مما أدى إلى ظهور نقاش حاد بين الرياضيين وظهور ما يعرف بأزمة الأسس في التحليل، كما ظهرت في الهندسة من قبل.

 هذه الأزمة التي حملت الرياضيين على الالتفات بجد إلى المبادئ والأسس التي يبنون عليها استدلالاتهم وإنشاءاتهم الكثيرة المتنوعة، ومن هنا قامت -كما يقول الجابري- «في أوساط الرياضيين حركة واسعة تركزت حول مراجعة مبادئ البرهان الرياضي ونقدها، وفحص مدى صدقها ونوعية هذا الصدق»([4])،

وهو ما يعرف بحركة النقد الداخلي أدت إلى إعادة صياغة المنهج الرياضي صياغة منطقية واعية وهو ما عرف بالمنهج الأكسيومي. فما هو المقصود بالأكسيوماتيك؟ وما هي خصائصه وشروطه؟

قوانين نظرية اقليدس

لقد كانت الهندسة في الشكل الذي أعطاه إياها «أبو الرياضيات الحديثة والذي كان يونانيا من القرن 3 ق. م وهو إقليدس» ([5]) نموذجا لكل نظرية استنباطية، اعتمد فيها على مجموعة من الأكسيومات،

ولهذا يعتبر أول من وضع الحجر الأساس للمنهج الأكسيومي في كتابه «الأصول» وهو الكتاب «الذي ظل منذ ذلك الوقت وحتى القرن الماضي (ق 19) أساسا للدراسات الهندسية»([6]). فإقليدس هو أول من اقرح بناءً منطقيا وأكسيوميا للرياضيات عامة والهندسة خاصة،

ولهذا حاول اقليدس  بناء هذه الهندسة انطلاقا من مجموعة من القضايا كانت أصل البرهان، وميّز في هذه المجموعات بين التعريفات، والبديهيات والمسلمات.

يمكنك قراءة :

مؤلفات ابن رشد pdf

رواية ارض زيكولا

مهارات تطوير الذات وكيفية التطوير الذاتي

نظرية اقليدس : أكسيوم إقليدس

إن «الأصول» الإقليدية هي نظرية اقليدس ( المقادير الهندسية، المقادير المعرّفة انطلاقا من معطيات تجريبية ) و«الإشكالية الإقليدية لا تتمثل في تأسيس الهندسة قبليا، لكن في وضع أو تكوين آلة استنتاجية تسمح باكتشاف الحقائق الهندسية انطلاقا من معطيات أولية ([7])،

هذه المعطيات الأولية هي التعريفات، المسلمات والأكسيومات (البديهيات).

نظرية اقليدس : التعريفات

هي مجموعة من القضايا يضعها عالم الهندسة لتوضيح معاني حدوده وتحديد مدلولها، إن «التعريفات مرتبطة بالأشياء الخارجية ودورها، إنها تختزل إلى وصف بسيط تجريبي، مقارنة بتلك الموجودة في المعاجم» ([8]).

تعريفات اقليدس

 

  • النقطة هي ما ليست لها أجزاء.
  • الخط طول دون عرض.
  • المستقيم هو ذلك الذي يقع باعتدال على كل نقاطه.

فالأمر يتعلق بمعرفة عن ماذا نتكلم، دون أن تكون هناك خاصية إجرائية، فهذه «التعاريف لا تتدخل في البرهان الاستنتاجي وهي عبارة عن تعاريف وصفية»([9]).

كما استخدم إقليدس نوعا ثانيا من التعريف، وهو ذلك الذي يقوم على إعطاء اسم للموضوع المحدد بالبناء أو بخاصية محددة، كتعريف الدائرة: هي شكل مستوى يحيط به خط واحد متصل يسمى المحيط، حيث كل المستقيمات التي تسمى أقطارا (Rayons) والمتصلة بهذا المحيط من نقطة داخل هذا الشكل هي متساوية،

هذه النقطة هي مركز الدائرة. وعلى غرار ذلك تعريف المثلثات والرباعيات، والمستقيمات المتوازية، وهي عبارة عن تعريفات ذات خاصية إجرائية وقد أطلق عليها باسكال (1662-1623 Blaise Pascal) اسم: «التعريفات بالاسم وهي تعريفات تقوم بتعيين الأشياء بدقة بواسطة حدود معروفة،

ووظيفتها هي توضيح الخطاب»([10])، كما أنها تستغل في الاستنتاج البرهاني. ولهذا فإقليدس أكد على نوعين من التعاريف:

انواع تعاريف اقليدس

  1. التعاريف الوصفية.
  2. التعاريف الإسمية.

وفي الحالتين، الأشياء سابقة الوجود أي أنها قبلية عن الاسم، ولهذا فلا يتعلق الأمر بإيجاد ما تقوم بتسميته وإنما تسمية ما هو موجود.

مسلمات اقليدس

«هي قضايا مقرحة ليست بينة بذاتها ننقاد للتسليم بها دون برهان، البرهان عليها يؤدي إلى تناقض»([11]). ولهذا فالمسلمات تكون أقل وضوحا من المبادئ الأخرى، ويتقبلها الرياضي لأنها ضرورية لبناء النسق، ولكن لا يستطيع البرهنة عليها، وإذا ما حول فإنه سيقع في تناقض.

نظريات اقليدس الخمس

  • من الممكن رسم مستقيم بين نقطتين.
  • مدّ مستقيم محدود إلى أي طول في أي جهة.
  • من الممكن رسم دائرة من أي مركز وعلى أي بعد من هذا المركز المساوي لأبعاد نقاط المحيط. وهذه القضايا هي ذات طابع أداتي، أي أنها ترتكز على وسائل كالمدور والمسطرة.
  •  كل الزوايا القائمة هي متساوية
  • إذا قطع مستقيم مستقيمين , فإن المستقيمين إذا امتدا يتقاطعان في النهاية

وإضافة إلى المسلمات السابقة، أضاف أقليدس المسلمة الرابعة ونصها: كل الزوايا القائمة هي متساوية، ويرى الكثير من الرياضيين أن هذه «المسلمة قابلة للبرهنة من خلال المسلمات السابقة والخصائص العامة للمقادير»([12]). أما عن المصادرة الخامسة

فنصها:

إذا قطع مستقيم مستقيمين وكوّن معهما من ناحية واحدة زاويتين داخليتين، حيث مجموعهما أقل من زاويتين، فإن المستقيمين إذا امتدا يتقاطعان في النهاية في الجهة التي يكون فيها مجموع الزاويتين أقل من قائمتين. وهي المسلمة التي أدت إلى زعزعة الهندسة الإقليدية في القرن التاسع عشر .

بديهيات إقليدس

إن الأكسيومات هي مبادئ واضحة بذاتها لا تحتاج إلى برهان، هي بسيطة إلى درجة أنها لا تتجزأ إلى ما هو أبسط منها، وأطلق عليها إقليدس اسم: الأفكار العامة، ودورها يكمن في التصريح بالخصائص العامة ومميزات المقادير ونذكر البديهيات الأولى:

  1. المقادير المساوية لمقدار ثالث هي متساوية.
  2. إذا أضفنا إلى مقادير متساوية مقاديرا متساوية، فالنواتج الكلية هي متساوية.
  3. إذا طرحنا نفس المقدار من مقادير متساوية، البواقي تكون متساوية.
  4. المقادير التي يمكن أن يطابق أحدها مع الآخر هي متساوية فيما بينها.

وهذا الأكسيوم الأخير أساسي لأنه يقوم بالربط بين «الخصائص العامة للمقادير والهندسة، والمساواة الهندسية مرتبطة بالصدفة أي الحركة»([13]). لكن يبقى السؤال مطروح: هل يتعلق الأكسيوم بتعريف المساواة الهندسية؟ إن الحركة هنا القصد منها حركة الجسم الصلب. ولهذا فهذا الأكسيوم يعرّف المساواة بالتطابق، وهو ما يوقعنا في الدور.

شرح نظرية إقليدس

اذا كنت طالبا بالصف الثاني الإعدادي المصري ,أو طالب في الرياضيات لمراحل ما قبل الجامعة فنحن في هذا الموضوع عن شرح نظرية اقليدس نقدم لك هذا الفيديو البسيط الذي يشرح نظرية اقيلدس شرحا واضح ومبسط :
 في هذا الفيديو :
  • شرح درس نظرية اقليدس هندسة للصف الثاني الاعدادي الترم الثاني | حصة 11
  • مساحة المربع المنشأ على ضلع القائمة تساوي مساحة المستطيل
  • الذي بعداه مسقط هذا الضلع على الوتر وطول الوتر
  • رياضيات – هندسة الصف الثاني الاعدادي الفصل الدراسي الثاني
  • هندسة ثانية اعدادي ترم تاني , رياضيات ثانية اعدادي ترم ثاني

 

نظرية اقليدس : مبادئ إقليدس

إن المبادئ التي اعتمدها إقليدس هي ذات طابع تجريبي، وأن قضاياها تنطبق على المواضيع الموجودة في العالم المحسوس، إنها مرتبطة بالمكان،

ولهذا فالهندسة الإقليدية هي بمثابة فيزياء الأشكال المكانية، فيزياء المكان، إنها ترتكز على معطيات حسية تجريبية صدقها مرتبط بالأساس التجريبي من خلال الحدس الهندسي،

«إن الهندسة الإقليدية مميزة بطابعين مرتبطين لكن متمايزين: بمحتواها أي كمجموعة من الخصائص الهندسية للمكان ذو ثلاثة أبعاد، والمستوى ذو بعدين، فقد بقيت ضرورية ومهمة اليوم أيضا، في النظري والتطبيقي. بشكلها، فهي نموذج لعدة أنماط من الاستدلال والذي لعبت دورا معتبرا في تطوير الرياضيات»([14]).

كتاب الأصول لإقليدس

 ومنه فإن كتاب الأصول لإقليدس أصبح دائرة معارف للرياضيات مدة قرون طويلة، كونه لعب دورا مزدوجا في آن واحد، دور الغاية والوسيلة «غاية لأنها تفرض النظريات الهندسية الهامة والأكثر جمالا، ووسيلة لأن الحلول الجاهزة التي تقدمها إلينا هي أدوات نستطيع أن نعتمد عليها للبرهان على نظريات جديدة»([15])،

ولهذا نعته غاستونباشلار «أساس العقل البشري»([16]) آنذاك. ومن هنا فإن الحقيقة الرياضية عامة والهندسية خاصة، هي يقينية ومطلقة كونها تقوم على مبدأ الوضوح الذاتي لمبادئها وكذا المطابقة الخارجية للواقع، وهذا ما جعل كانط يقر بأنها الوحيدة الممكنة للإنسان لأن قضاياها ضرورية،

ومن ثم لا يمكن أن تقوم هندسة أخرى غير هذه الهندسة. ولكن هل موقف كانط مطلق؟

   لماذا فشل إقليدس؟

نتيجة تطور الأبحاث والدراسات الهندسية والرياضية، بدأ التشكيك في مبادئ إقليدس وخاصة المسلمات، ووجهت انتقادات لنسق إقليدس، وتاريخيا هذه الانتقادات كانت من طرف اليونانيين أنفسهم الذين شككوا في المسلمات لانطوائها على غموض من جهة، وعلى إمكانية اشتقاق بعضها من البعض الآخر من جهة ثانية،

كما انتقد النسق الاستنباطي لعدم وضوح الفروق الموجودة بين المسلمات والبديهيات «وإقليدس نفسه واضع النسق الاستنباطي لم يفصل جذريا بين المسلمة والبديهية،

لدرجة أن بعض البديهيات قد نقلت وأدرجت تحت المسلمات، وبعض المسلمات أدرجت تحت البديهيات في الطبقات المختلفة في كتاب الأصول»([17]).

فهناك إذن خلط بين البديهيات والمسلمات، ولعلّ عدم التفريق بين المسلمات والبديهيات يرجع إلى كون إقليدس يعتمد في تمييزه لها على الحدس والوضوح الذاتي فهو «يؤمن بصدق البديهية بناءً على حدسه لها»([18]). لكن معيار الوضوح، ليس موضوعيا، هو معيار ذاتي وهذا ما أدى إلى اختلاف الرياضيين المعاصرين أنفسهم في التمييز بينها،

«فالحدسيون يرون أن البديهيات أحكام تركيبية قبلية، وليس هناك ما هو أكثر منها وضوحا»([19])، أما المناطقة فيعتبرون البديهيات تطبيقات مباشرة لقواعد المنطق، ولهذا في نظرهم لا تعدو أن تكون سوى قضايا مشتقة من مبدأي الهوية وعدم التناقض وهو ما أكسبها صفة الضرورة والعمومية.

ويرى بلانشي أن البديهية ليست قضية تحليلية بل هي تركيبية، فبديهيته» الكل أكبر من الجزء «ليست واضحة بذاتها بدليل أنها لا تنطبق إلا على المجموعات المتناهية، أما المجموعات اللامتناهية فهي غير صادقة، وهذا ما يعني أن العقل غير مجبر على تصديقها والتسليم بها تسليما كليا ومطلقا([20]).

أما المصادرات فقد اعتمد إقليدس عليها في جهازه المنطقي بالإضافة إلى البديهيات، وهي أقل وضوحا فهي: «حقائق كلية وضرورية ناتجة عن المكان الفيزيقي، ولهذا فهي صادرة عن المادة، وقد سبب لها التجريبي غموضا وتعقيدا»([21])، فالمسلمات إذن ناتجة عن التجربة التي كانت تمدها بالمصداقية والمشروعية وهذا ما جعل الرياضيون لا يشكون فيها خلال قرون عديدة،

ولكن هذا لا يمنع من أن الكثيرين من شراح إقليدس قد لاحظوا وجود تداخل بينها، فإقليدس تعامل معها أحيانا كمسلمة وأحيانا يلجأ إلى الحدس ليضمن صدقها دون برهنة، وهذا ما نجده في المسلمة الخامسة الذي قبل بها دون برهنة، ليضمن برهنة القضايا اللاحقة انطلاقا من هذه المسلمة نفسها التي اعتبرها واضحة بذاتها.

إضافة إلى ما سبق فإن الباحثين توصلوا إلى أن إقليدس اعتمد على مصادرات غير تلك التي صرح بها، كمصادرة التجانس التي تنص على أن المكان متجانس الأجزاء في جميع جهاته ومن خلال الشكل([22])، كذلك عدم القدرة على البرهنة على المسلمة الخامسة بكل المساحة،

مما يجعلها غير واضحة بذاتها كبقية المسلمات، وبالتالي يجب البرهنة عليها وهذا ما أحدث انقلابا جذريا في جميع المفاهيم الرياضية والتقليدية وظهور هندسيات لا إقليدية خالفت مسلمات إقليدس.

وفيما يخص التعريفات، فقد لوحظ أن إقليدس «لم يعرّف الكثير من المفاهيم الرياضية التي كان يجب أن يتخذها كلا معرّفات»([23]) كالطول، والعرض، والبعد…،

بالإضافة إلى أن باسكال انتقد إقليدس لاستخدامه للتعريفات الاسمية حيث «استعمل أسماء غير معرّفة من أجل تعريف أسماء وحدود في النسق كالنقطة والمستقيم»([24]).

وفي الأخير نستنتج أن الأكسمة الإقليدية (إن صح هذا القول)، هي مؤسسة على الخاصية التجريبية للموضوعات التي تدرسها، كما أنها مؤسسة على مجموعة من مبادئ (تعريفات، مسلمات، بديهيات)،

والخاصية التجريبية تبرز بوضوح في البرهنة، حيث الاستدلال يقوم على الحدس الهندسي الذي يعكس الطابع التجريبي ولهذا اعتبرت هندسة إقليدس وصفا للواقع.

بالإضافة إلى أن التمييز بين مبادئ النسق لم يعد إشكالا مطروحا، لأن الرياضي لا يفرق بين البديهية والمصادرة بل يتعامل معهما على أساس أنهما أكسيومات. ولكن بالرغم من النقائص والعيوب الموجودة في نسق إقليدس لا يعني أبدا أن نتجاهل قيمته،

وقيمة الاستدلال الهندسي فله الفضل في أكسمة الهندسة، وبناء الرياضيات في نسق رياضي متماسك.

اثبات نظرية اقليدس

إن المصادرة الخامسة لإقليدس من أشهر المبادئ الإقليدية، ويطلق عليها اسم «مسلمة التوازي». فإذا كان لدينا مستقيمان (D) و(D’)، فإن المستقيم الذي يقطع هذين المستقيمين (AB) يكوّن زوايا مائلة من نفس الجهة. ومجموع هذه الزوايا هو 180°([25])، ومنه:

(D) و(D’) متقاطعان.
(D) و(D’) يتجهان نحو نقطة تقع في نصف المستوى المحدد بـــ (AB) ويحتوي الزوايا الداخلية.

لقد حاول الرياضيون من يونان وعرب وأوربيين البرهنة عليها واختزالها إلى قضايا أبسط، ولكنهم لم يفلحوا ولم يستطيعوا البرهنة عليها، كما أنهم لم يستطيعوا الاستغناء عنها لأن ذلك يؤدي إلى انهيار الهندسة الإقليدية، ونتج عن هذه المحاولات استنتاج صيغ مكافئة لتلك الخاصة بإقليدس ومنها مسلمة التوازي ونصها: «من نقطة خارج مستقيم يمكن رسم مستقيم واحد وواحد فقط مواز له»،

وعلى أساس هذه المسلمة تمّ البرهنة على أن مجموع زوايا المثلث 180°.

   نشأة الهندسات اللاإقليدية:

«كل الأنظمة الهندسية التي تختلف عن النظام الهندسي الإقليدي هي عبارة عن هندسة لاإقليدية، وهي من وضع الرياضي فيثاغورس»([26])، هذه الأنظمة يقصد بها الهندسات اللاإقليدية (géométries non euclidiennes) والمتمثلة في هندسة ريمان ولوباتشقيكي، ولكن فيما بعد أضحت تطلق على كل هندسة خالفت هندسة إقليدس في مبادئها. وبداية «تاريخ الهندسات اللاإقليدية»

كانت سنة 1733، وهي السنة التي نر فيها «ساكيري» (Saccheri, 1667-1733) كتابه «إقليدس دون خطأ» عرض فيه التطور التاريخي للهندسات اللاإقليدية، فصنفه إلى ما قبل تاريخ الهندسات اللاإقليدية، وتاريخ الهندسات اللاإقليدية»([27]).

المرحلة الأولى: ما قبل التاريخ (la préhistoire) صنفها إلى مرحلتين:

مرحلة ما قبل القرن 4م، وفيها انصب الاهتمام على شرح كتاب إقليدس الأصول، مثل «أبرقلس» (Proclus)

و «جيمنوس » (Geminus10-60)، اللذان حاولا استنتاج المسلمة الخامسة من المسلمات الأخرى بإعادة تعريف التوازي، ومن خلال نظرية تساوي البعد، وقالا بالمستقيمات المتوازية المتساوية. ([28])

بينما المرحلة الثانية تمتد من القرن 4 إلى القرن 14م، وهي الفترة التي شهدت تطور العلوم الإسلامية وخاصة الرياضيات التي ساهم العلماء المسلمون في تطويرها، وفيما يخص الهندسة، فقد برز الكثير من الرياضيين نذكر منهم عمر الخيام (1131-1040) الذي اهتم برح كتاب الأصول أو المبادئ لإقليدس،

وقد ترجم كتابه هذا إلى الألمانية سنة 1912 من طرف «جاكوب وويدمان» (Jacob et Ewidemann)، كما كانت هناك دراسة مقارنة قام بها سميت (De. Smith) حول نظرية عمر خيام وساكيري سنة 1935([29])، بالإضافة إلى نصير الدين الطوسي «الذي استخدم البرهان بالخلف للبرهنة على صحة المسلمة، وهذا من أجل إثبات استحالة بطلان المصادرة، مما يتضمن التأكيد على صحتها»([30])،

وهذا ما جعل كتابه» شكل القطاع» يرجم إلى الكثير من اللغات، وبقي مرجعا لعلماء أوروبا قرونا طويلة يستقى منه في علم المثلثات، وكذا كتابه في مسألة التوازي: «الرسالة الشافية عن الشك في حدود المتوازية»، والذي طبع لأول مرة سنة 1941.

والبرهنة التي اعتمدها نصير الدين الطوسي اعتمدها بعده ساكيري، فقد كان هدفه إثبات صحة أكسيومات إقليدس عن طريق البرهان بالخلف،

كي يستنتج تناقضا بافتراض خطأ مسلمة التوازي، فتحصل على نتائج غريبة التي أصبحت الآن أساس نظريات الهندسة الدائرية (كوجود المثلثات التي مجموع زواياها أكبر من قائمتين).

أما المرحلة التاريخية فهي تمتد من القرن 14 حتى كتابته للمؤلف. ولكن فيما تتمثل إسهامات ساكيري؟ لقد توصل ساكيري إلى استقلالية المصادرة الخامسة عن المصادرات الأخرى معتمدا التحليل التالي: في سطح مستوي، إذا كانت لدينا نقطتان A وB، تكوّن نصف مستقيم (AD) وآخر (BC) عموديين على (AB) في نفس نصف مستوي، حيث BC= AD([31]).

في هندسة إقليدس، يمكن أن نبرهن أن الزاويتين C وD في الرباعي (ABCD) متساويتان، لكن البديهية الخامسة فقط لإقليدس هي التي تسمح فقط بالقول إنها زوايا قائمة([32]). ماذا يحدث إذا تمّ رفض هذه المسلمة؟

يجيب ساكيري: إن السؤال المطروح هل مجموع زوايا C وDمساوية أو أكبر أو أصغر من الزاوية المستقيمة ومن تم وضع ثلاث فرضيات([33]):

فرضية الزاوية الحادة:

C = D أقل من زاوية قائمة ومنه D + C أقلمن زاوية مستقيمة أي:

°90 > C = D

°180 > C + D

فرضية الزاوية القائمة:

°90 = C = D

°180 = C + D

فرضية الزاوية المنفرجة:

°90 > C = D

°180 > C + D

فأما الفرضية الثانية هي صحيحة على أساس أن المسلمة الخامسة لأقليدس محققة، أما فيما يخص الفرضية الثالثة قد برهن عليها من خلال بناء هندسي كالتالي:

إذا كان لدينا مستقيمان: (AD)، (AL)

حيث (AL) يتعامد مع (AP) و (AB)، (AD) يكونان زاوية حادة.

نضع: AF1 = 2AD

AF2 = 4AD = 2F1

ونرسم الخطوط المتعامدة:

(DB)، (F1M1)، (F2M2)… على (AP).

مما سبق، نستنتج:

AM1 = 2AB

AM2 = 4AB = 2AM1

AMN = 2n AB، ومنه من أجل، (n) لدينا: AMN > AP

والمتعامد (PL) الذي يقطع الضلع (AMn) من المثلث AM n Fn يجب أيضا أن يقطع الوتر AFn: المستقيمان (LP) و(AD) هما متقاطعان وغير متعامدين ولذا فساكيري، أبعد فرضية الزاوية المنفرجة. وأخيرا فرضية الزاوية الحادة هي خاطئة فهي تحطم ذاتها بذاتها.

فساكيري طور نتائج النظرية الخاصة بالزاوية الحادة، والزاوية المنفرجة، وقد كانت دراسته بداية لبناء صرح ولكن دون وعي منه أي دون قصد، أنتج مجالات لتأسيس هندسات مغايرة لهندسة إقليدس،

ارتبطت بأسماء بولياي، لوباتشفسكي من جهة الزاوية الحادة، وريمان من جهة أخرى الزاوية المنفرجة([34]) وتوالت الدراسات مع رياضيين آخرين ساهموا أيضا في وضع الحجر الأساس للهندسة اللاإقليدية.

هندسة اقليدس 

إن محاولات الرياضيين من ساكيري إلى ريمان، أفرزت ثلاث هندسات كما أكد ذلك كفاييس: ([35])

 

  • هندسة إقليدية.
  • هندسة ذات انحناء موجب ثابت (الناقصية).
  • هندسة ذات انحناء سالب ثابت (الزائدية).
  • هندسة إقليدس:
  • مجموع زوايا المثلث 180°.
  • المكان مستوي.
  • المستقيم الوحيد المار من M هو موازي لت (D).

 

ثالثا: المنهج الأكسيومي

تعريف الأكسيوماتيك :Axiomatique
الأكسيوماتيك لغة مشتق من كلمة Axiome والتي تعني البديهية ويعرفه أندري لالاند في معجمه الفلسفي فيقول:
هو دراسة نقدية للبداهات Axiomes على اختلاف معاني هذه الكلمة، والتي تؤخذ مبادئ لاستدلال علم الهندسة.
ما له سمة بداهة وما يصدر عن بداهات، وما يستنتج انطلاقا من هذه البداهات.
وتطلق كلمة Axiome أو البديهية على مبدأ معلوم بأنه صحيح وأن برهانا يصدر عنه، أما المعنى الأكثر تداولا فهو مقدمة قياسية تعد بأنها بينة وتقبل على أنها صحيحة بلا برهان من قبل كل الذين يفهمون معناها، وبنحو خاص هي قضايا بينة بذاتها لمجرد أن نسمع كلماتها»([36]) ويسمى المنهج الذي ينطلق من هذه البديهيات اسم المنهج البديهي أو الأكسيوماتيكي.
إلا أن هناك من يستعمل كلمة المصادرة بدل البديهية، باعتبارها -المصادرة- أكثر شيوعا واستعمالا في أوساط الرياضيين والباحثين ومن ثمة يصبح «الأكسيوماتيك هو العلم الذي يبحث في البديهيات الهندسية»، باعتبارها أول ما ظهر في علم الهندسة([37])،
إلا أن هذا المنهج عمم فيما بعد، وذلك بتعدد مصادرات العلم الذي يوضع له، وأصبح يطلق عليه بالعرض المصادرياتي.
ومن ثمة يصبح المنهج الأكسيوماتيكي «هو مجموع القضايا أو الأوليات التي يختارها الرياضي لبناء نسق رياضي معين وهو ما يصطلح عليه بالأكسيوماتيك باعتباره مجموعة من المبادئ المتجانسة التي لا يمكن التمييز بينها، فهو كما يقال منظومة من الأوليات يقوم عليها كل برهان رياضي»([38]) وبهذا المعنى يصبح مرادفا للمنهج البديهي.
ولعل أهم ما يميز المنهج الأكسيوماتيكي الحديث حسب هذا التعريف هو الرميز والصورنة، فيصبح بذلك هذا المنهج نسقا رمزيا من الحدود والمسلمات الأولية، فارغة من أي مضمون حدسي، تحكمها مجموعة من القواعد التي تضمن سلامة استعمالها. وعليه فإن الرياضي في هذا المنهج لم يعد يهتم بالأوليات،
بل بالعلاقة التي تقوم بينها، وحتى يتمكن من الانصراف التام إلى هذه العلاقات ويتحرر تحررا تاما من تأثير المعنى الواقعي المشخص الذي تحمله هذه الأوليات،
\
فإنه يلجأ إلى استعمال الرموز، وبالتالي الاستغناء تماما عن اللغة الطبيعية العادية، وهذه الرموز هي رموز تامة يمكن أن توضع مكان أية كلمة، وبذلك يتحول الكلام العادي إلى جبر وهو ما يسمى بالرمزية أو الصياغة الصورية البحتة. ([39])
من هنا تصبح مصادرات أي نظرية استنتاجية كما يقول روبير بلانشيه: «ليست قضايا قابلة للصدق أو الكذب لأنها تحتوي على متغيرات غير محددة نسبيا،
بل عندما فقط نعطي هذه المتغيرات قيما معينة، أو بعبارة أخرى عندما تحل محلها ثوابت، فإن المصادرات ستصبح قضايا صادقة أو كاذبة حسب اختيارنا لهذه الثوابت، لكننا عندئذ نخرج من المصادريات كي تنتقل إلى تطبيقاتها، ومعادلات نسق واحد هي أفضل ما نشبه به المصادرات، فإن هذه المصادرات مجرد دوال قضوية»([40])
ومن ثمة فإن النسق الاكسيوميفي نظر بلانشيه هي الصورة التامة التي تتخذها اليوم النظرية الاستنتاجية «يصرح فيه تماما بالحدود غير المعرّفة والقضايا غير المبرهنة على أساس أن هذه الأخيرة توضع كمجرّد فرضيات يمكن أن تبني منها جميع قضايا النسق وفقا لقواعد وقع تقريرها بشكل تام وصريح»([41]).
والمقصود بالقواعد التي يسير وفقها هذا المنهج هي قواعد المنطق، ولهذا اعتبر الأكسيوماتيك منهجا «أحل المنطق محل الحدس»([42])
وبالتالي فإن هذا التطور الذي شهدته الهندسة الحديثة جعلها تتميز عن سابقتها، «إذا كانت الهندسة التقليدية تبدو في آن واحد عقلية وحدسية، فذلك لأنها تجمع وتدمج في علم واحد علمين متمايزين، علمتنا المصادريات
-كما يقول بلانشيه- فيما بعد أن نفصل بينهما فإما أن تقرأ كتابا في الهندسة التقليدية بصفته بناء مصادرايتها خالصا تفقد فيه حدوده معناها الحدسي، وتقاس صحته بتماسكه المنطقي فقط أو على العكس من ذلك أن نعيد لحدوده وقضاياه دلالته الحدسية الأولى، لكننا عندئذ نكون أمام علم من علوم الواقع بديهياته ومبرهناته هي في الواقع قوانين فيزيائية»([43]).
أي أنه بفضل الصياغة الأكسيومية تم الفصل بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، وأصبح هذان الجانبان عبارة عن علمين مختلفين تماما أحدهما مجرد وهو ما يتجلى مثلا في الهندسة النظرية، والآخر مشخص كالهندسة التطبيقية،
الشيء الذي دفع بعدد من الفلاسفة التجريبيين في القرن 20 إلى الفصل نهائيا في العلوم بين مجموعتين مختلفتين:
العلوم المنطقية الرياضية وهي صورية محضة، فارغة من كل دلالة موضوعية
والعلوم الأخرى: علوم الطبيعة والإنسان، علوم الواقع المشخص، وعلوم التجربة.
كما أصبح ينظر كذلك لكل علم من زاويتين:
زاوية منطقية صورية وزاوية مشخصة تجريبية، ومن ثمة أصبح بإمكان الرياضيات أن تقرأ على مستويين: مستوى أكسيومي تجريبي صوري، ومستوى تجريبي واقعي محض. ولقد عبر أنشتاين عن هذا التغير في المفاهيم الرياضية الحديثة بقوله: «ولهذا فالرياضيات الحديثة تتحلل من كل محتوى فهي شكلية خالصة، فكلمة نقطة أو خط أو أمثالها تشير في الرياضيات الحديثة إلى مفهومات خالية من كل محتوى»([44]).
ويقسم مؤرخو الرياضيات تطور الأكسيوماتيك الحديث إلى قسمين: تمتد الفترة الأولى من ظهور الهندسات اللاإقليدية وبالتحديد هندسة لوباتشفسكي إلى أعمال هلبرت (Hilbert, 1862-1943) حول أسس الرياضيات، أما الثانية فهي تمتد من أعمال هلبرت إلى أيامنا الحالية، هذه الأخيرة التي تميزت بانتشار وتطور الأفكار الهندسية بالتوازي مع انتشار وتطور المنطق الرمزي أو الرياضي».([45])
ويعتبر دافيد هلبرت أول من قدم بناء أكسيوماتيكيا تاما لهندسة غير متناقضة، إذ كانت أبحاث هذا الأخير حول أسس ومبادئ الهندسة نقطة انطلاق لتفكير منهجي وفلسفي([46]).
حيث قام هذا الأخير بإعادة صياغة الهندسة الإقليدية فعرضها عرضا أكسيوماتيكيا يمتاز بالدقة والوضوح والتماسك المنطقي، وفي نظره «التفكير بشكل أكسيوماتيكي مرادف للتفكير بشكل واع ودقيق، وذلك بصياغة البديهيات بشكل أكثر عمقا حتى نتمكن من النفوذ إلى ماهية التفكير العلمي، فكل ما يهدف إليه التفكير العلمي عند هلبرت موجود في مقدمة كل تفكير أكسيوماتيكي»([47]).
فهدف المنهج الأكسيوماتيكي حسب هلبرت هو توضيح العلاقات بين مختلف أقسام الرياضيات والهندسة بالتحديد. ولهذا اعتبر مؤلفه «أسس الهندسة» دراسة نقدية لمبادئ الهندسة الإقليدية بحثا عن أساس واضح وصحيح لها وذلك لفتح الباب نحو التقدم بالأبحاث في هذا المجال([48]).
ومنه يصبح الأكسيوماتيك في نظر هلبرت وسيلة تسمح للإجابة عن العديد من الأسئلة التي تصادف الرياضيين، وبالتالي فإن المفاهيم الجديدة للأكسيوماتيك تختلف اختلافا جذريا عن المفاهيم السابقة التقليدية، كون الأولى ساهمت في حلّ مختلف المشكلات التي ما فتئت تظهر في ميدان الهندسة والتحليل، ومن ثمة أصبحت الدقة ما هي إلا مظهر للمنهج الأكسيوماتيكي، ومن أهم خصائصه بالنسبة لكل من يفهم جيدا هدف كل بحث رياضي»([49]).
بالإضافة إلى أعمال وجهود هلبرت في الصياغة الأكسيوماتيكية لمبادئ الهندسة، تلته جهود كل من بيانو (G. Peano 1858-1932)، وديدكند (R. Dedekind 1831-1916) اللذين قدما عرضا أكسيوماتيكيا حول نظرية الأعداد الطبيعية، بالإضافة إلى مجهودات كل من زرميلو (Zermelo) (وكذا بولزانو (Bolzano 1781-1848)،
وبمجهودات غوتلوب فريجه (G. Frege 1848-1925) في المنطق الرياضي. ومنذ عام 1939 قامت مجموعة من علماء الرياضيات أغلبهم من الفرنسيين بنشر سلسلة من الكتب القيمة تحت اسم نقولا بورباكي N. Bourbaki، واتخذت هذه السلسلة المنحى التجريدي باستخدامها نظام المسلمات ونظرية المجموعات.
ومن خلال هذه المجهودات سرعان ما تبلورت النزعة الأكسيومية التي ترى أن «أسس المنطق والرياضيات مبنية على مقولات عامة نسلم بها ولا نحتاج إلى برهنة لبداهتها وتسمى البديهيات، وتعتبر الأساس لاستنباط مقولات أخرى تشكل ما يسمى بالطريقة الأكسيوماتيكية،
ومن ثمة فإن المنطق والرياضيات يصدران من نبع واحد أسبق منهما هو هذه الطريقة الأكسيوماتيكية أو ما يسمى بالصورية الخالصة، التي تعني تأسيس المنطق والرياضيات على حدود ومسلمات أولية صورية»([50]).
وإذا كانت النزعة الأكسيومية تلتقي مع النزعة المنطقية في التأكيد على الارتباط الوثيق بين الرياضيات والمنطق، وأن قضاياهما صورية محضة إلا أن النزعة الأكسيومية لم تعتبر هذه القضايا صحيحة لكونها صورية، كما ترى النزعة اللوجيستيقية،
بل أن المنظومة الاستدلالية هي وحدها التي تعتبر صحيحة لكونها صورية هذا من جهة، ومن جهة أخرى تختلف النزعة الأكسيومية الصورية (الشكلية) -كما يرى الجابري- عن النزعة المنطقية في كون الأولى حصرت اهتمامها في القضايا الرياضية التي تعتبرها صيغا لرموز متواضع عليها، رموز لا تحمل أي معنى محدد وليس لها أي مدلول خارجي،
ومن هنا تكون الرياضيات منحصرة في معرفة كيفية استبدال صيغة رمزية بصيغة رمزية أخرى، أما النزعة الثانية (النزعة المنطقية) فهي ترى أن الأوليات الرياضية لها معان في الخارج»([51]).
ب- ضرورة المنهج الأكسيومي
إن المنهج الذي نريد الحديث عنه لا يخص مشكلة محددة، وإنما هو منهج التفكير الرياضي، فما هذا المنهج الخاص بالفكر الرياضي؟ هل الرياضي بحاجة إليه؟ إنه المنهج الأكسيومي الذي حاول في البداية تجنب البداهة والوضوح، الحدس، والتعريفات الساذجة، رفض إذن العودة إليها عن طريق وضع تصورات أولية وأكسيومات ينطلق منها الرياضي.
وإذا ما تحدثنا عن الأكسيوماتيكية، مباشرة نتطرق إلى هلبرت إذ المنهج الأكسيومي ابتداء منه «أصبح الطريق الأسهل لمعالجة ودراسة المسائل الرياضية»([52]).
ففي سنة 1899 شارك هلبرت في مؤتمر سنوي حول الرياضيات بموضوع «حول نظرية العدد» وهي المداخلة التي نرت سنة 1900([53])، عرض من خلاله آراءه حول أسس علم الحساب، وذلك بعد أن تطرق بالحديث إلى المنهج التكويني والمنهج الأكسيومي
والمقارنة بينهما على أساس أن الأول يستخدم في علم الحساب، والثاني يستخدم في الهندسة، محاولا الوصول من خلال هذه المقارنة إلى تحديد أيهما أصلح لتأسيس الرياضيات.
حسب هلبرت المنهج التكويني يقوم أساسا على توسيع مفهوم العدد، فالأعداد السالبة تعرّف من خلال تطبيق مبدأ تعميم طرح الأعداد الموجبة (5 – 6 = 1-)، الأعداد الناطقة تعرف بتطبيق مبدأ تعميم القسمة على الأعداد الموجبة والسالبة، والأعداد الحقيقية هي عبارة عن تقطعات بين الأعداد الناطقة،
فهو إذن منهج يهتم أساسا بتكوين أكبر قدر ممكن من الأعداد بالاعتماد على الأعداد التي تم تكوينها، ولذا فإن المنهج التكويني عبارة عن «مفهوم عام للعدد الحقيقي والذي تمّ تكوينه من خلال الامتدادات المتتالية للمفهوم البسيط للعدد»([54]).
أما المنهج الأكسيومي فهو يعرّف الأعداد من خلال «العلاقات التي تعتمدها، وهو يقوم أساسا على إيجاد مجموعة من الأشياء، من المواضيع، تطبق عليها مجموعة من العلاقات التي يعرّفها في أكسيومات معينة»([55])، فهو إذن عبارة عن نسق من المواضيع، بينها علاقات حددت بالأكسيومات،
وفي هذا الإطار هلبرت لم يكن راضيا عن منهج التقطعات لأنه «يفرض مجموعة الأعداد الناطقة لتعريف العدد الحقيقي، ولهذا فهو يفضل تعريفا أكسيوميا للعدد الحقيقي»([56]).
فتعريف ديدكند لا يمدنا إلا بالثانوي، بينما التعريف بالأكسيوم يحدد ويميز التصور، ولهذا نستنتج مما سبق أن المنهج الأكسيومي هو أفضل وأولى من المنهج التكويني ويقرّ هلبرت هذا الحكم، لسببين:
المنهج التكويني سبّب الكثير من الصعوبات المنطقية إذ أن وجوده «ارتبط بحدوث الكثير من التناقضات المنطقية»([57])، بينما المنهج الأكسيومي خال من هذه الأخطاء، ومن الصعوبات ولا يمكن التشكيك في مصداقيته. فمن أجل تأسيس نظرية ما وإثبات مجموعة من مفاهيم لها علاقة بالنظرية، يكفي تأسيس نسق من الأكسيومات، مع التأكيد بأنها تحقق الخصائص المنطقية اللازمة حتى تكون بمعزل عن التناقض.
إن المنهج الأكسيومي هو منهج منتج ومثمر وخصب، فضلا عن كونه يؤسس علم الحساب، لأن النظرية ممثلة بنسق من العلاقات يمكن أن تظهر في مجالات أخرى كالفيزياء…
ولذا فإن هلبرت جعل من المنهج الأكسيومي أساسا لتأسيس علم الحساب، ومن قبله فريجه جعله أساسا لتأسيس المنطق، ديدكند وكانتور جعلاه أساسا لنظرية المجموعات.
ونلمس موقف كفاييس من هلبرت من خلال قوله: «رأيي أنه رغم القيمة البيداغوجية والكشفية للمنهج التكويني، المنهج الأكسيومي هو الأفضل بالنسبة لتمثيل نهائي ودعم منطقي لمحتوى معرفتنا»([58])، ويدعم كفاييس موقفه بنظرية الأعداد الحقيقية التي تجنبت صعوبات وجود نسق من الأعداد الحقيقية وبصورة عامة المجموعات اللامتناهية، وهي الصعوبات التي تتكون باعتماد المنهج التكويني.
وإذا كان هلبرت قد عرّف العلاقات بين الأشياء من خلال الأكسيومات، فإن كفاييس قد ترجم تلك العلاقات بالإجراءات، حيث يرى أن الأكسيومات عبارة عن إجراءات،
عن أفعال (Gestes) يقول: «إنه من خلال الحكم المسبق الواقعي نهتم بالأشياء، ولكن ما يهم هو تتابع وتسلسل إثباتاتنا هو ما يحكم ويدير هذا التسلسل، هو معرفة النشاط الفكري»([59]).
وفضلا عما سبق يرى كفاييس أن النظرية هي عبارة عن تأسيس هيكل من التصورات يسمح برتيب الأحداث، وتأسيس هذا الهيكل يتم من خلال بعض النظريات تكفي لكي تستنتج منها منطقيا ما تبقى من النظريات([60]).
وهذا يعني أن الرياضي ينطلق من بعض النظريات، ثم يستنتج بقية النظريات وقد تكون رياضية، أو لها علاقة بعلوم أخرى كالميكانيكا والفيزياء، كمعادلات لاقرانج في الميكانيكا، ونظرية الإشعاعات «لكيرشوف» (Gustav Robert Kirchhoff 1824- 1887)، ومنه فإن المنهج الأكسيومي لا يسمح فقط بتأسيس الرياضيات، ولكن بتبرير تطبيقها الشامل في علوم الطبيعة، «وكل ما يكون موضوعا للفكر العلمي هو مرتبط مباشرة بالمنهج الأكسيومي ومنه فهو ينتمي إلى الرياضيات»([61])،
فحسب هلبرت إن الصرح العلمي أو لنقل الخاص بالعلوم، والذي رسم وبني بالاعتماد على المنهج الأكسيوماتيكي تظهر الرياضيات فيه كموجه رئيسي، فلها إذن دور فعال في بناء هذا الصرح. ويعزز كفاييس رأي هلبرت حيث يرى أن الرياضيات الأكسيوماتيكية توصلنا إلى «تكوين ماهية الفكر العلمي»([62])،
ولهذا فهو بطريقة غير مباشرة جعل من المنهج الأكسيومي وسيلة للتوحيد بين العلوم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على «نجاح المنهج الأكسيومي في سنواته الأخيرة»([63]).
وقد ترتب عن تطبيق هذا المنهج تأسيس نظرية الأجسام عند ديدكند و«ستينتز» ( Ernest Steinitz 1871-1928)، وكذلك نظرية الفضاءات المجردة (الطوبولوجيا العامة) عند فريشي (Maurice René Fréchet 1878-1973). وهذا من خلال تعميم مفهوم الفضاء.
وخلاصة لما سبق، نصل إلى أن الأكسمة هي نشاط فكري يتم داخل الرياضيات ذاتها (الإجراءات الرياضية)، فهي تقوم بعزل وتصفية الطرق التي تكوّن مركز النظرية، ومن خلال هذا العمل، تشارك في تطور وامتداد الرياضيات، وكون الرياضيات تفكر في ذاتها «فهذا أحد محركات تطورها»([64])،
وبتعبير آخر من العوامل الأساسية التي ساعدت الرياضيات على التطور، إنها إذن أحد سياقات التطور، أحد أنماط الفكر الرياضي ولا يمكن التخلي عنها.
لكن سؤال آخر يطرح: تحت أي ظرف يمكن تأسيس الفكر الرياضي؟ بمعنى ما هي الروط التي يجب توفرها لكي يكون المنهج الأكسيومي خصبا ويؤدي وظيفته؟
خصائص المنهج الأكسيومي:
في 8 أوت 1900 اغتنم هلبرت الفرصة التي سنحت له في المؤتمر الدولي الثاني للرياضيات في باريس، وعرض 23 مسألة توضح وتعبر عن اتجاهه الرياضي المنطقي وقد أطلق عليها اسم: «المسائل الرياضية»([65]).
وقد اختار هذه المسائل لاعتقاده بأن الرياضيات ستتطور نتيجة الحلول المقدمة لهذه المسائل، فهي إذن «العلامة على أن التخصص ما زال حيا، وأن الباحث الذي يسعى إلى حلها سيحقق ربحا يتمثل في توسيع نظرته عن الذات (Le sujet)» ([66]).
فهلبرت يرى أن البحث عن الحلول يؤدي إلى إيجاد حقول جديدة من البحث، وبهذه الطريقة تتواصل الحياة، وقد دامت هذه المسائل أكثر من قرن، والرياضيون يبذلون قصارى جهدهم من أجل إيجاد حل لها، فهو إذن قرن من الاكتشافات، وعدد كبير لا يحصى من التطبيقات وخاصة في مجال الفيزياء.
ومن بين المسائل التي طرحت في الملتقى المسألة رقم 2 ([67]) (مسألة علم الحساب):
هل يمكن أن نبرهن على قوة وتماسك علم الحساب؟
هل يمكن البرهنة على أن أكسيومات علم الحساب ليست متناقضة؟ ومن ثمة هل هي مستقلة؟
إن الإجابة على هذه المسألة، يتضمن الحديث عن خصائص النسق الأكسيومي عند هلبرت، إذ أنه يمكن استنتاج هذه الخصائص من خلال التساؤلات التي طرحها هلبرت، وتتمثل في: اللاتناقض (عدم التناقض)، الاستقلالية، الكفاية أو التشبع.
اللاتناقض:
إن اللاتناقض أو عدم التناقض مسألة منطقية مهمة في إقامة النسق الإقليدي، فالقضيتان المتناقضتان لا يمكن أن تقبلا في نسق واحد بعينه، لأن تناقض النسق يحطم ذاته ولهذا تماسك النسق يعني لا تناقضه واللاتناقض: «هو استحالة استنتاج منطقيا من الأكسيومات نتيجة تناقضها»([68])،
فالنسق هو متين ويقيني عندما لا يمكننا استنتاج من الأكسيومات قضية تكون نفي لإحداها و «الأكسيومات هي متماسكة ويقينية، أي أن متتالية متناهية من الاستنتاجات تنطلق من هذه الأكسيومات، لا يمكن أبدا أن تؤدي إلى تناقض»([69]).
ففي مقاله «أسس الهندسة» برهن هلبرت على تماسك ويقينية الأنساق بعرض نماذج، أثبت من خلالها أن التناقض في الأكسيومات يستلزم تناقضا في النظرية الذي ينتمي إليها النمط (سواء كان رياضيا أو فيزيائيا أو فلكيا..).، ولهذا فقوة النسق يتحقق بقوة النظرية، فمثلا «تناسق ويقينية الأكسيومات الخاصة بالهندسة دون أكسيوم التكامل هو مؤسس على نمط الأعداد الجبرية الذي يحقق من طرف علم الحساب»([70])،
بينما «تناسق وقوة النسق بما فيه أكسيوم التكامل هو مؤسس على نمط الأعداد الحقيقية والذي يتحقق بالتحليل وهذا ما يمده بأمن جزئي»([71]).
لتوضيح هذا الشرط قدم هلبرت في مقاله «مسائل رياضية» أمثلة سواء في الهندسة، في نظرية المجموعات، في الفيزياء لكي يبرهن على ضرورة لا تناقض الأكسيومات ومن ثمة التأكيد على اتساقها. ولتحقيق هذا الشرط يجب البرهنة على النظرية وعلى نقيضها في بناء النسق الأكسيومي،
فكلما كان ذلك ممكنا كان هذا النسق متناقضا، غير أن هذا المعيار غير كاف بمفرده لمعرفة ما إذا كانت أوليات الأكسيوماتيك متناقضة أو غير متناقضة، لأن النتائج والنظريات الموجودة في النسق غالبا ما تكون غر محددة، لذا من الصعب كما يقول الجابري «استنفاد جميع النتائج التي تسمح ببناء أكسيومي،
الشيء الذي يرك احتمال الوقوع في تناقض احتمالا قائما»([72]). ولهذا فإن مسألة عدم التناقض هي إحدى الصعوبات التي لم يستطع مؤيدو الأكسيوماتيكية التغلب عليها وقد «تؤدي إلى العودة إلى التجربة وإلى الحدس الحسي من خلال التأويلات المقدمة للنسق»([73]).
الاستقلالية:
إن أكسيومات النسق هي مستقلة، وتكون كذلك عندما «يعجز الرياضي عن استنتاج أي أكسيوم من الأكسيومات الأخرى بواسطة البراهين المنطقية»([74]).
يرى هلبرت أن أكسيومات المجموعات IV, II, I المختلفة، من السهل البرهنة على أنها كلها مستقلة. فالبرهنة على استقلالية الأكسيوم A عن مجموعة الأكسيومات X، تعود إلى يعني البرهنة على لا تناقض النسق الذي يحتوي الأكسيوم A، ولن يكون هناك أي خطأ منطقي.
وهناك علاقة وطيدة بين البرهنة على لا تناقض وتماسك النسق، وبراهين استقلالية الأكسيومات التي هي: «مهمة ليس فقط بالنسبة لجمال التمثيل،
ولكن لفعالية النظرية ذاتها، فدراستها تقوم بالكشف على العلاقات المنطقية المخفية»([75]).
ولكي يعزز موقفه ويوضحه، استشهد كفاييس بأعمال كل من «فابلن» Oswald Veblen 1880-1960 الذي اهتم بأكسيومات الهندسة والرتيبو «هنتغتون» (Edward Vermilye Huntington1874-1952) الذي اهتم بأكسمة جبر المنطق»([76])،
فكلاهما أكدا على الاستقلالية المحددة والدقيقة (affinée)، وهي وسيلة للتوصل في الهندسة إلى معطيات تحتوي على أقل قدر ممكن من الأجزاء المشركة، يقول كفاييس: «يجب من جهة أخرى التمييز بين استقلالية المعنى (indépendance de sens) واستقلالية الإثبات (indépendance d’affirmation): إن الأكسيوم يمكن أن يوضع دائما على شكل فرضية، حيث استقلالية المعنى يختص بالفرضية بينما استقلالية الإثبات بالنتيجة»([77]).
الكفاية أو التشبع:
إن استقلالية المعنى تسمح بتقديم منطقيا مفهوم تشبع (saturation) النسق، «فبين كل الاحتمالات لعلاقة ذات حدين أو ثلاثة حدود، فإن دور كل أكسيوم لاحق هو أن يضع حدا (une limitation) ([78]). ويمكن أن يصاغ تعريف التشبع كما يلي: «إن النظرية هي متشبعة، إذا كانت كل قضية مصاغة في مفاهيم أساسية هي إما قابلة للبرهنة أو مرفوضة (مما يعني أن ننفيها قابل للبرهنة) في النظرية([79]).
وأثناء حديثه عن التشبع، تطرق كفاييس إلى المطلقية، فالنظرية تكون يقينية عندما تكون نماذجها متماثلة متكافئة (Isomorphes)، وتكون كذلك إذا كانت تحقق تقابل واحد بواحد (bijection)، التي تجعل الخصائص الموجودة في الأكسيومات ثابتة.
في كتاب «أسس الهندسة» لهلبرت خاصية التشبع لا تظهر بوضوح، لكن أكسيوم التمام يبدو أن وظيفته ضمان نوع من المطلقية وبمعنى أعم التشبع، وفابلن هو الذي أشار إلى المطلقية في مقابل « الأنساق الانفصالية (disjonctifs) التي يمكن أن نضيف أكسيوما مستقلا، وهنا نضطر إلى إخضاع أحد النماذج إلى الأكسيوم الجديد والنمط الثاني إلى نفيه، وهنا لن يكون هناك تكافؤ وهذا مستحيل([80]).
وعن علاقة المطلقية بالتشبع، فالأولى تؤدي إلى التشبع، لأن الأخيرة تلتقي مع استحالة التفرع، ولكن هذا لا يعني أيضا تطابقهما فهما منفصلان، وتاريخيا التشبع ظهر قبل الثانية وتكلم عنها هلبرت في مقاله: «حول تصور العدد» بإعطائه المعنى الثاني: «إن نسق الأكسيومات يكفي للبرهنة على كل القضايا الهندسية»([81]) ولكن كما يقول كفاييس لم يبينّ كيف يمكن البرهنة على صدقها وعلى تشبع الأكسيومات،
بالرغم أنه ركز مطولا على اللاتناقض والاستقلالية. وعلى العكس فإن فابلن توصل إلى فكرة التمام من خلال مفهوم التعريف الشامل التام، والذي رد إليه هنتغتون أكسمة الأعداد الحقيقية، ومنه فقد قدم فابلن وسيلة لتبريرها من خلال نسقه.
وبهذا فلكي يكون المنهج الأكسيومي مشروعا، يجب توفر الخصائص الثلاث السابقة الذكر. وكإجابة على السؤال المطروح أعلاه حول إمكانية البرهنة على لا تناقض واستقلالية الأكسيومات فقد قدم غودل سنة 1931 جوابا، وذلك من خلال نظريته الخاصة باللاتمام (incomplétude) أو النقص.
رابعا: هل الأكسمة كافية لتأسيس الرياضيات؟
من خلال عرض مكوَنات النسق الاكسيومي وشروط الأكسيومات، يجدر بنا أن نتساءل عن مصداقية هذا النسق وهل بالفعل يمكن الاعتماد في التأسيس للرياضات؟
عرض كفاييس مجموعة من ملاحظات نلخصها في النقاط التالية:
إن الأكسيومات الهلبرتية اعتمدت على مجموعة من مفاهيم حسابية أولية (مثلا توجد نقطتان على مستقيم، أربعة نقاط على مستوي..).، كما اعتمدت أيضا على مفاهيم حسية، مفاهيم الوجود، الأشياء، تقابل (نقطتان تقابل مستقيم) ونأخذ كمثال: إذا كان لدينا نقطتان A وBعلى مستقيم واحد، توجد نقطة ثابتة C حيث B يكون بين A و .C
الأكسمة هي بعدية أي تتأسس بعد تكوين النظرية،
فهي لا تقوم إلا بتصفيتها مما هو حسي، لكن في حالة الجبر ونظرية المجموعات، فإن أكسيوم الاختيار هو الذي يخرع نظرية جديدة، وفي هذه الحالة هي مجرد وصف لإجراء عرف من قبل في نظرية أوسع، وعليه فإن الأكسيومات لها وظيفة التعريف أو فقط وصف بعض المفاهيم التي تمّ الحصول عليها من نظرية ساذجة،
ولهذا الرياضي يقوم بإدراج مفاهيم أخرى يُفرض أنها معلومة، ولهذا فإن الأكسيومات لا تُقدم إلا تعريفا للمفاهيم، الخصائص المميزة للعلاقات التي تكون بين الأشياء، لكن في هذه العبارات تظهر إلى جانب المفاهيم التي تهدف إلى تعريفها، مفاهيم كالعدد والمجموعة والدالة أعيرت إلى نظريات أكثر بساطة،
وهذه أيضا ثم افتراضها في تفرة الأكسمة.
الأكسمة تُرد إلى معطى النسق المزدوج: المعطى الخارجي للنسق يتمثل في مجموع التصورات التي أعارها الاهتمام بتعريفها في النظريات الأولية، والمعطى الداخلي للنسق ويتمثل في الوحدة الإجرائية التي تقوم بتميزه وتخصيصه.
والمنهج الأكسيومي إذن يجب أن يبطل مفعول هذا المعطى المزدوج، وإلا سيبقى تابعا للرياضيات الساذجة ولا يمكن إذن للرياضيات أن تُؤسَس، ومن جهة أخرى لاسترجاع المعطى الخارجي، يجب أكسمة الصرح الرياضي كاملا، وإذا كان كذلك وإذا كانت النظريات المؤسسة هي كذلك، وإذا كانت كل النظريات الرياضية هي أكسيوماتيكية، إذن المعطى الخارجي قد أعيد تكوينه من طرف المنهج الأكسيومي حيث النسق لا يرد إلى نظريات ساذجة بل إلى أنساق أخرى في الصرح الأكسيومي.
الأكسيومات إذن هي مثل نواة تحدد طبيعة النسق وتسمح بالوصول إلى القضية أو نقيضها والنسق المشبع يحتوي على وحدة خاصة تختلف عن تلك الخاصة بالنظرية الساذجة ولا يمكن ردها إليها، وكنتيجة، يجب تحويل النسق الرياضي إلى تطابق الأنساق، حيث نبرهن على اللاتناقض والتشبع بينما استقلالية الأكسيومات أقل أهمية.
إن التشبع يفرض نظرية للبرهنة،
إذ يتعلق الأمر بإمكانية البرهنة على قضية ما أو نفيها، ولهذا يجب تحليل البراهين الممكنة في النسق، والبرهان الرياضي يجب أن يكون موضوعا لنظرية رياضية، كما هو الشأن بالنسبة لعالم الفلك أو الفيزيائي أو حتى الفلسفي الذي يهتم بنقد العقل، فيجب إذن تحليل البراهين الممكنة في النسق،
وأن نبين أن لا برهان يؤدي إلى تناقض ولهذا فنظرية البرهنة تفرض ذاتها.
وأخيرا فإن هلبرت سنة 1904، اعرف أن علم الحساب لا يمكن تأسيسه على المنطق، وقبل هذا العام وفي مقال «أسس الهندسة» أكد هلبرت أن المنهج المستعمل للبرهنة على التماسك في أسس الهندسة، لا ينطبق على علم الحساب، لأنه أولي ولا يمكن البرهنة على لا تناقضه،
فيقول هلبرت: «يجب هذه المرة الاعتماد على الطريق المباشر… أنا مقتنع بالنجاح… إذا ما طبقنا… المناهج… المعروفة لنظرية الأعداد اللاناطقة». فالمفاهيم المنطقية تفرض المفاهيم الرياضية، وخاصة العدد، ولكن على العكس الرياضيات تستخدم ومن ثم تفرض المنطق، إذن هما واحد،
فيجب أن يتطورا (بالتوازي) وإعادة تعريفهما صوريا بواسطة أنساق الرموز والقواعد، وتأسيسهما بالعودة إلى نظرية البرهان.
إن الحديث عن علاقة بل عن تطابق المنطق والرياضيات، يجعلنا نؤكد علاقة الصورنة بالأكسيوماتيكية، على أساس أن الأولى هي نقد البراهين والثانية هي نقد المبادئ العامة،
كما أن الرموز تلعب دورا كبيرا في عملية الصورنة والأكسمة. فالإجراءات والمواضيع تمثل في نسق من الرموز، وهذا النسق يسمح باستنتاج مجموعة من القواعد، دون العودة إلى الحدس الحسي للمواضيع أو إلى القوانين الملازمة عن الفكر، كما أن الرموز لها أهميتها بالنسبة للتعبير عن القواعد المنطقية للبراهين.

المراجع

د. بن ميسي زبيدة مونية (*)
(*) المدرسة العليا للأساتذة قسنطينة/ الجزائر.
[1] صلاح عثمان: الاتصال واللاتناهي بين العلم والفلسفة، منشأة المعارف، مصر، 1998، ص ص 99-100.
[2] عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، د. ط، 2006، ص 74.
[3] المرجع نفسه: ص 103.
[4] المرجع نفسه: ص 72.
[5] André Warusfel : Les mathématiques modernes, Ed Seuil, Paris, 1967, p. 7.
[6] محمد عابد الجابري: مدخل إلى الفلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 74.
[7] Rudolph Bkouche : Euclide, Klein, Hilbert et les autres, dans la rigueur et le calcule, Cedic, Paris, 1982, p 13.
[8] Robert Blanché : Op. cit, p 21.
[9] Rudolph Bkouche : Op. cit, p 15.
[10] Ernest Havet : Pensées de Pascal, Dezobry-E Magdeleine Sorbonne, 1852, p 442.
[11](( محمد عابد الجابري: مرجع سابق، ص .74
[12] Rudolph Bkouche : Op. cit, p 15.
[13] Ibid, p 17.
[14] François Lurçat : L’autorité de la science, édition Cerf, Paris, 1995, p 148.
[15] كامل محمد محمد عويضة: إقليدس بين الفلسفة والمنهج الرياضي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1994 ص 76.
[16] غاستونباشلار: الفكر العلمي الجديد، ترجمة: عادل العو، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 4، 1996، ص 14.
[17](( فاروق عبد المعطي: فيثاغورس فيلسوف علم الرياضة، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1994، ص 09.
[18] نفس المرجع، ص 81.
[19] R. Blanché : Op. cit, p18.
[20] Ibid, p19.
[21] كامل محمد محمد عويضة: مرجع سابق ص: 90.
[22] Rudolph Bkouche : Op. cit, p 16.
[23] R. Blanché : Op. cit, p21.
[24] Gilbert Arsac : L’axiomatique de Hilbert et l’enseignement de la géométrie , Aléas Irem, Lyon, 1998, p. 107.
[25] Paul Barbarin : La géométrie non euclidienne, Ed Jacques Gabay, Paris, 3 me édition, 1990, p6.
[26] هانز رايشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد زكريا، دار الوفاء لطباعة والنشر، الإسكندرية، د. ت، ص 123.
[27] K. Jaouiche : la théorie des parallèles en pays d’islam, J. Vrin, Paris, 1986, p. 11
[28] Jean Dieudonné :Abrége d’histoire des mathématiques ,Hermann, Paris, 1996, p419.
[29] K. Jaouiche :Op. cit, p 14.
[30] فذوي حافظ طوقان: العلوم عند العرب، دار القراءة، بيروت، ط 2، .1983 ص 222.
[31] Paul Barbarin : Op. cit, p. 20.
[32] Rudolf Bkouche : Op. cit, P 34.
[33] J. Paul Henner : d’Euclide à Gauss, dans la Méridienne. http://w.w.w.Uriv-orelans.fr/irem/groupes/épistemus/meridieme/templates/htm
[34] Jean Dieudonné : Op. cit, p 420.
[35] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Op. cit, p 62.
[36] أندريه لالاند: المعجم الفلسفي، م1، منشورات دار عويدات، بيروت، ط 2، 2001، ص 126.
[37] عبده الحلو: معجم المصطلحات الفلسفية، المركز الربوي للبحوث، والإنماء، لبنان، ص 15.
[38] عابد الجابري: مرجع سابق، ص 81.
[39] المرجع نفسه، ص 81.
[40] روبير بلانشيه: الأكسيوماتيك، الأكسيوماتيك-المصادريات، ترجمة محمود العنوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د. ت.، ص 38.
[41] المصدر نفسه: ص 09.
[42] المصدر نفسه: ص 38.
[43] روبير بلانشيه: نظرية العلم: الابستيمولوجيا، ترجمة محمود العنوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د.ت، ص 90.
[44] http://philo-GTe-met?Tex=Tex07
[45] P. S. Novikov : Introduction à la logique, Dunon Editeur, p 01.
[46] Encyclopédie Universalise : Corpus 11, p 409.
[47] Ibid, p 409.
[48] Gilbert ARSAC : l’Axiomatique de Hilbert, Aléas éditer Lyon, Paris, 1998, P 17.
[49] Commission international de l’enseignement mathématique (CIEM) : tendances nouvelles de l’enseignement des mathématiques, Volume, UNESCO, Paris, 1972 P 250.
[50] بشير بن صالح: المنطق ومناهج البحث العلمي، مكتبة اقرأ، قسنطينة، د. ت، ص 123.
[51] عابد الجابري: مرجع سابق، ص ص: 105 – 106.
[52] H. Sinaceur : Corps et modèles sur l’histoire de l’algèbre réelle, J.Vrin, 1991, P. 185.
[53] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Essai sur le problème du fondement des mathématiques, Hermann, Paris, 1981., p 74.
[54] Jacqueline Boniface : Op. cit, p 200.
[55] D. Hilbert: Nouvelle fondation des mathématiques, Première communication, dans Largeault : Intuitionnisme et théorie de la démonstration, p 113
[56] H. Sinaceur : Corps et modèles sur l’histoire de l’algèbre réelle, Op. cit, p 220.
[57] Hilbert: Nouvelle fondation des mathématiques, Op. cit, p113.
[58] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Op. cit, p 76.
[59] Ibid, p 77.
[60] Idem.
[61] D. Hilbert: Méthode axiomatique, revue l‘enseignement mathématique, Volume 20, 1918, p 136.
[62] J. Cavaillès : Méthode axiomatique, Op. cit, p 78.
[63] Ibid, p. 78.
[64] J. Cavaillès: Op. cit, p 79.
[65] D. Hilbert: problèmes mathématiques, revue l‘enseignement mathématique, Vol 2, 1900, pages 349-357.
[66] Jeremy J. Gray: Le défi de Hilbert, un siècle de mathématique, Tr ChristosGrammatikas, Dunod, 2003, p93
[67] D.Hilbert : problèmes mathématiques, Op. cit, p 351.
[68] D. Hilbert: Les principes fondamentaux de la géométrie, Op. cit, p 26.
[69] Ibid, p26.
[70] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Op. cit, p 81.
[71] P.C Noguès : De l’expérience mathématique, Op. cit, p 99.
[72] محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة، مرجع سابق، ص: 85.
[73] P.S Novikov : Introduction à la logique mathématique ,Op. cit, p.3.
[74] D Hilbert: Les principes fondamentaux de la géométrie, Op. cit, p 28.
[75] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Op. cit, p 82
[76] Gilbert Hottois : Penser la logique une introduction technique et théorique à la philosophie,Op. cit, p17.
[77] J. Cavaillès : Méthode axiomatique et formalisme, Op. cit, p 82.
[78] Ibid, p 83.
[79] Ibid, p 83.
[80] Ibid, p84.
[81] Ibid, p84.

أقرء أيضا
3.7/5
Share on facebook
شارك الآن
Share on twitter
غـــــرد الآن
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on print
Print
أحدث المقالات
تصنيفات
اعلان
مقالات مميزة