Home » الفلسفة الوجودية » الفلسفة الوجودية | الفينومينولوجيا في فلسفة سارتر

الفلسفة الوجودية | الفينومينولوجيا في فلسفة سارتر

محتويات

العنوان : الفنومنولوجيا الوجودية في فلسفة سارتر

الكاتب : جورج قديس

       منذ أن نشأت الفلسفة لدى اليونانيين القدماء وهي مبحث شامل، يتناول بالدراسة والبحث العديد من المجالات مثل الرياضيات والفلك والطبيعة والهندسة والفيزياء وغيرها، غير أن الأمر لم يظل على هذا النحو، إذ أنه مع بداية عصر النهضة وظهور فكرة التخصص، فقد تقلصت مجالات اهتمام الفلسفة، بحيث ظهرت علوم متخصصة لكل مجال على حدة، وقد كان هذا الأمر بمثابة تهديد لعرش الفلسفة التي انُتزِعَ منها- عنوةً- بعضا من مجالات اهتمامها باسم الدقة العلمية.
      وقد ظل هذا الأمر حتى بدايات القرن التاسع عشر، وإذ كانت فكرة التخصص على أشُدَها، هذا بالإضافة إلى الصراع الكبير الذي كان دائرًا بين أنصار المثالية والمادية، باعتبارهما طريقتين متناقضين لتحصيل المعرفة، الأمر الذي شكَّل تهديدًا حقيقيًا لمكانة الفلسفة ،من حيث تعالت بعض الأصوات التي نادت بعدم جدواها وانتهاء دورها، لتصبح شيئًا من التراث القديم الذي شكل مهد العلم الحديث.
        في خضم هذا الظرف التاريخي ظهر الفيلسوف الأماني إدموند هوسرل، وهو فيلسوف ذو خلفية علمية، حاول جاهدًا أن يُدخِل دماءً جديدة إلى الفلسفة، وأن ينفخ في روحها نسمة من العلم، عسى أن يوقظ الفلسفة من سُباتها العميق، وأن يفلح في أن يبعث في شرايينها الحياة من جديد، من هذه الزاوية كانت أهمية فلسفة هوسرل،ـ وكانت أهمية المنهج الفنومنولوجي لديه، حيث حاول تطوير الجانب المعرفي الذي يشكل عصب الفلسفة، إذ تساءل عن ما يميز المعرفة الفلسفية عن ما عداها من أشكال معرفية أخرى، ومن هنا كان تصور هوسرل للفمومنولوجيا باعتبارها أداة فعالة من شأنها أن توصل الفلسفة إلى نتائج دقيقة على غرار نتائج العلوم، فقد رفض هوسرل تطبيق المنهج التجريبي على عمليات الوعي والمعرفة، وأكد أن خبرات الوعى والمعرفة هي خبرات شعورية وليست تجريبية.
       كما سعى هوسرل لإقامة علم نفس جديد يقوم على المنهج الفنومنولوجي، مؤكدا على أن دور الفنومنولوجيا لا يتوقف عند الأشياء، ولكنها لابد وأن تهتم بخيرتنا الشعورية بهذه الأشياء، وهو ما يتمثل في الوعي الإنساني، وقد أشار هوسرل إلى فكرة القصدية- التي استعارها من أستاذة فرانتز برنتانو- والتي تعني أن كل وعي هو وعي بشئ ما؛ ورفض من خلالها كل محاولات إفراغ الوعى من مضمونه، وأكد هوسرل على ضرورة ممارسة (الإيبوخية)، وهي تثبيت الحكم على المعتقدات التي تتعلق بالواقع، وذلك بوضعه بين قوسين، ومن ثم وضع هوسرل خطوات لهذا المنهج تطبق الواحدة تلو الأخرى، حتى يمكن تحقيق المعرفة الموضوعية، وهي وصف ما هو معطى، وإدراك ماهيات وعلاقات ماهوية، ومشاهدة أساليب ظهور الظواهر، وملاحظة تأسيس الظواهر، وأخيرا الاختزال الترانسندنتالي.
       وقد إنتشر المنهج الفنومنولوجي بعد هوسرل على نطاق واسع، وظهر لهوسرل العديد من الأتباع في عدة دول كأن أهمها ألمانيا وفرنسا، غير أن المنهج الفنومنولوجي كما صاغه هوسرل كان عليه العديد من المآخذ، التي كان من أهمها الوجهة الترانسندنتالية التي انتهى إليها، بالإضافة إلى أنه لم يستطع أن يقدم حلاً لأزمة المعرفة الفلسفية على النحو الذي كان يرجوه، فقد ظلت الفنومنولوجيا لديه منهجًا نظريًا بحتًا، حيث إن الخطوات التي وضعها لم تكن خطوات عملية يمكن تطبيقها على نحو فعلي على أرض الواقع.
     وإنطلاقًا من هذا ظهر الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، الذي كان تلميذًا لهوسرل، والذي أُعجِبَ كثيرًا بالمنهج الفنومنولوجيا لديه، وحاول أن يطوره كي يساير الروح العام لفلسفته، فقد اتجه هيدجر بالفنومنولوجيا وجهة وجوديةً، بحيث أصبحت الفنومنولوجيا لديه منهجًا للكشف عن الوجود الكامن أو المحتجب خلف الموجود، هذا بالإضافة إلى القسمات الجديدة التى أضفاها هيدجر على هذا المنهج، من حيث لم يكن لهذا المنهج خطوات واضحة تطبق الواحدة تلو الأخرى- كما كان الحال لدى هوسرل- ولكن الفنومنولوجيا لدى هيدجر كانت بمثابة منهج تأويلي لمُسَائلة الوجود، أو بالأحرى أداة الكشف عن الوجود  المحتجب خلف الموجود، ذلك أن تاريخ الأنطولوجيا من وجهة نظره هو بمثابة نسيان لسؤال الوجود.
       يرى هيدجر أن الموجود الإنساني هو الوحيد القادر على السؤال عن وجوده، ومن هذا المنطلق تناول هيدجر الفنومنولوجيا باعتبارها أداه تمكنه من الوصول لهدف ما، وهو الوجود، وحدد هيدجر الظاهرة باعتبارها “ما يُظهر نفسه بذاته”، وهكذا فإن الظواهر ليست “مظاهر” (أو أوهاما) بالمعنى المبتذل للكلمة؛ كما رفض الكوجيتو الديكارتي الذي يضع التفكير كمقدمة أساسية للوصول إلى الوجود، ومن هذا المنطلق أصبح للفنومنولوجيا عند هيدجر دور هيرمنيوطيقي، من حيث أن البحث عن الوجود يقتضي بالضرورة عملية التأويل، كما أكد هيدجر على أن السؤال الوجود لا ينفصل عن سؤال الحقيقة بالمفهوم اليوناني، وهي (الأليثيا) التي تعني التكشف أو اللاتحجب، وقد حدد هيدجر مهمته في كتاب (الوجود والزمان) بالتحطيم الفنومنولوجى لتاريخ الأنطولوجيا، لنسيانها سؤال الوجود، وإعادة تأويل تاريخ الفكر الغربي من حيث إنه تاريخ لتجلى الوجود، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن تحولت الفنومنولوجيا لدى هيدجر من منهج لكشف سر الوجود الإنساني، إلى منهج لكشف سر الوجود بأسره، فلم يول هيدجر إهتمامًا يُذكر لعالم الأشياء ولا حتى بماهياتها، وإنما ما كان يهتم به بشكلٍ كبير هو معنى الوجود، ومن هذا المنطلق أخذ هيدجر على عاتقه مهمة إعادة قراءة تاريخ الفلسفة الغربية من جديد في ضوء سؤال الوجود الذي طرحه.
         جاء سارتر ليجد العديد من المشكلات التي كانت مطروحة على مائدة البحث الفلسفي آنذاك، وكان منها الخلاف بين أنصار هوسرل وأنصار هيدجر، ومنها الصراع الذي كان دائرًا على أشُده بين المثاليين الواقعيين، من حيث سعي كل فريق إلى البرهنة على مصداقية وأهمية وسيلته في تحقيق المعرفة، ومنها أيضًا محاولات الوضعية المنطقية وأنصار النزعة النفسية لتقليص دور الفلسفة، والتشكيك في دقة ورصانة نتائجها، باعتبارها آراء تتبع عن هوى أصحابها، في مقابل تسليط الضوء على أهمية نتائج العلم، ودقة ورصانة المنهج  العلمي في تحصيل المعرفة، هذا بالإضافة إلى سيطرة “ليون برنشفيك” على المقررات الدراسية التي كانت تُدرس آنذاك، وكانت تتغافل عن مشكلات الواقع بتعقده وتشابكه، وعن طبيعة الصلة بين الفكر والواقع، وفي ذات الوقت، وجد سارتر نفسه وريثًا للتراث الفرنسي الذي يختفي بشكل كبير جدًا بأفكار ديكارت، ووريثًا أيضًا للصراعات التي خلفًها ديكارت.
      وفي ظل هذه الظروف كان سارتر يعاني حالة من الحيرة، تمثلت في كيفية التفلسف حول سائر أشياء العالم المحيطة به، وقد وجد ضالته في الفنومنولوجيا، خاصة بعد حواره مع صديقه “ريمون آرون”،  الذي أخبره آنذاك بإمكانية أن يتفلسف، ويجعل موضوع تفلسفه أي شىء بما في ذلك ما يُحيط به من أشياء، كالكرسي والمنضدة والكوب، الأمر الذي لفت انتباه سارتر وبشدة، وبعد أن قرأ هوسرل تأثر به بشكل كبير أيضًا بهيدجر، الذي أضفى بعدًا وجوديًا على هذا المنهج، هذا بالإضافة إلى تأثره الواضح بديكارت، حيث سعى إلى طرح مشكلة الوعي، وعلاقة الفكر بالامتداد.
      لقد استرعى انتباه سارتر الفصل الحاد الذي خلفه ديكارت بين الفكر والامتداد، ومن هنا حاول التغلب على هذه الصعوبات من خلال الفنومنولوجيا، التي كانت بالنسبة إليه بمثابة طريق ثالث يخرجه من إطار الصراع بين المثالية والواقعية، أيضًا كان سارتر واعيا لطبيعة الخلاف الذي نشأ بين هوسرل وهيدجر،ـ من حيث ركز الأولى على كيفية وعينا بعالم الأشياء، وركز الثاني على كيفية وعينا بوجود الموجود الإنساني، ومن هذا المنطلق حاول سارتر إضفاء بعض التعديلات على المنهج الفنومنولوجي، كي يكون منهجا شاملا لا يغفل الواقع بظواهره من جهة، ولا يغفل الموجود الإنساني من جهة أخرى.
      إنطلاقًا من هنا، ميز سارتر بين الموجود في ذاته، باعتباره عالم الأشياء المحيطة وعالم الظواهر، وبين عالم الموجود لذاته باعتباره عالم الموجود الإنساني، وكأنه بهذا التمييز قد أراد أن يجمع بين هوسرل وهيدجر، بين عالم الأشياء والعالم الإنساني، أو بعبارة أخرى بين الامتداد والفكر بالمفهوم الديكارتي، فقد حاول سارتر أن يمزج بين المؤثرات التي تأثر بها، وذلك من خلال إعادة قراءة الكوجيتو الديكارتي في إطار فنومنولوجي.
     بهذا الطرح حدد سارتر الفنومنولوجيا لديه بأنها فنومنولوجيا وجودية، من حيث إنها تهتم بالوجود بشيقه (في ذاته ولذاته)، وعلى غرار ما أشار إليه هوسرل من ضرورة تحديد الماهية، فقد حدد سارتر ماهية كل منطقة من الوجود، ليضفي نوعًا من الدقة على نتائج المعرفة، فما هو في ذاته تكون ماهيته سابقة على وجوده، بينما يكون الأمر بالعكس لما هو لذاته، بحيث تكون ماهيته لاحقة على وجوده، فقد أدرك سارتر صعوبات جعل الماهية سابقة على الوجود الإنساني، كما أدرك الصعوبات التي واجهت ديكارت في محاولة إثبات وجود الأنا عن طريق الفكر، ولهذا فقد توجه سارتر مباشرة صوب الأنا بوصفها موجودة لا تحتاج لدليل أو برهان، شأنها في هذا شأن الوجود المحيط، الموجود على نحو تلقائي بواقيعته الفجة.
       وقد لعبت فكرة القصدية التي استعارها سارتر من هوسرل دورًا كبيرًا في تشكيل ملامح الفنومنولوجيا لديه، فقد رفض سارتر القاعدة المثالية للفكر التي تقول بأن “لا موجود إلا ما هو معروف”، من منطلق أنها تكرس لمبدأ أسبقية المعرفة على الوجود، وفي مقابل هذا وضع سارتر مفهومه حول القصدية، مؤكدًا على أن كل ما هو معروف، معروف على نحو قصدي، وكونه معروفا على نحو قصدي ،وكونه معروفا على نحو قصدي يعني أنه موجود من قبل، وإلا لما توجه إليه الوعي على نحو قصدي.
       تأتي أهمية المنهج الفنومنولوجي لدى سارتر من أنه حاول معالجة أزمة المعرفة بشقيها، من حيث إن المعرفة تتطلب ثلاث محاور هي (الشئ المعروف- الذات العارفة- الصلة بينهما). وقد حاول سارتر تناول كل محور من هذه المحاور، بحيث تناول خصائص ما هو معروف، وطبيعة الذات العارفة وكيفية الوعي.
      بالنسبة إلى المحور الأول وهو الشىء المعروف، فقد تناول سارتر بالتفصيل هذا الأمر من خلال تمييزه لمناطق الوجود، وتحديد ما هو معروف على نحو دقيق، سواء كان هذا المعروف هو الشىء أو الظاهرة، أو كان هذا المعروف هو الآخر، أو كان هذا المعروف هو الذات، وربما كان سارتر في هذا متأثرا بفكرة دقة نتائج المعرفة الفلسفية التي سعى إلى إرسائها هوسرل.
      وبالنسبة إلى المحور الثاني وهو الذات العارفة أو الآنا، فقد حاول سارتر دراسة الوعي الإنساني، وكيفية تعامله مع الموضوعات، وذلك في ضوء القصدية التي يتوجه من خلالها الوعي إلى موضوعه، وقد رفض سارتر محاولات اختزال الأنا في كونها جوهرًا مفكرًا فحسب، مؤكدًا على أن التفكير هو إحدى العمليات التي تميز الأنا، وهو ما لا يعني أن الأنا تمتلك الفكر على نحو ما يمتلك شخص شيئا ما، ولكن الفكر هو إحدى السمات المميزة للأنا، هذا بالإضافة إلى بُعد العدم لذي أشار إليه سارتر، باعتباره أحد الجوانب المميزة للأنا الواعية، وإذا ما كان هيدجر قد تناول غير الموجود باعتباره شكلاً من الوجود، فقد أشار سارتر إلى العدم برصفة أحد خواص الأنا الواعية، من حيث إنها تنتج العدم باستمرار، هذا بالإضافة إلى كون هذه الذات هي ذات حرة ومسئولة عن اختياراتها.
     أما المحور الثالث وهو طبيعة الوعي أو كيفية الوعي، فقد أشار سارتر إلى فكرة الوعي بالحرية، من حيث إن الحرية وثيقة الصلة بفكرة القصدية، فالوعي يتجه بحرية وبقصد تجاه الموضوع المطلوب وعيه، هذا إلى جانب أن وعي الموجود الإنساني هو وعي يحيط به القلق تجاه المستقبل، من حيث إن الموجود الإنساني هو بمثابة مشروع تجاه المستقبل، وربما كان أهم ما أسهم به سارتر في هذا الصدد هو نقد فكرة الاتحاد بين الوعي وموضوعاته، من حيث كان التصور الشائع هو وجود الشىء المعروف داخل الوعي باعتباره أحد المكونات، وفي مقابل هذا أوضح سارتر أن الشىء المعروف هو شىء خارجي منفصل تمامًا عن الوعي، له وجوده الخاص به، وربما هذا هو ما جعل نظرة سارتر للوعي تتميز عن سابقيه، فقد نظر إلى الوعي في مرحلة ما قبل الوعي، وهو ما أطلق عليه الوعي ما قبل الانعكاسي، أي الوعي قبل أن تنعكس فيه صور الأشياء أو الموضوعات، ليجد أن الوعي خال تمامًا من أي شىء، وليؤكد على فكرته حول القصدية، وليرفض في نفس لوقت فكرة الوعي المحض أو المطلق أو الوعي بالوعي.
       اقتران الوعي بالحرية لدى سارتر هو ما دفعه- متأثرًا في هذا بهيدجر- إلى تمييز شكلين من الوجود خص بهما الموجود الإنساني، وهما الوجود الأصيل والوجود الزائف، ليقدم من خلال هذه القسمة رؤيته لفكرة الوعي الذاتي، إذ كيف يعي الموجود الإنساني ذاته؟ وكانت الإجابة تكمن في فكرة الحرية المسئولة التي يتميز بها الموجود الإنساني في حال الوجود الأصيل، باعتباره مشروعًا متجهًا نحو المستقبل، وفي مقابل هذا نجد الوجود الزائف الذي يتخلى فيه الموجود الإنساني عن حريته ومسؤوليته، ومن ثم يكون أشبه بشىء في ذاته له وجود الأشياء، وفي هذا الصدد قدم سارتر فكرته حول سوء النية التي تمثل في خداع الذات.
       في تناوله لفكرة الوعي بالآخر، ميز سارتر بين شكلين آخرين من الوجود خص بهما الموجود الإنساني، وهما الوجود من أجل نفسي، والوجود من أجل الآخر، مؤكدًا على أنني بالنسبة إلى نفسى شىء لذاته، بينما الآخر بالنسبة إلى شىء في ذاته، وكذلك أنا بالنسبة للآخر؛ الأمر الذي خلق أزمة في كيفية الوعي بالآخر، إذ إن سارتر قد رفض تصور هيجل حول الاعتراف بالذات بواسطة الغير، والاعتراف بالغير بواسطة الذات، بوصفه ضربًا من المستحيل، كما رفض أيضًا فكرة (الوجود مع) بوصفها شكلاً من الكذب، وبهذا فقد انتهى سارتر إلى استحالة معرفتي بالآخر.
       وفي دراسته للخيال والمُتخيَّل، حاول سارتر دراسة الصورة المُتخيَّلة من منظور فنومنولوجي، حيث ميز بينها وبين الإدراك الحسي، مؤكدًا على اختلاف القصد في الحالتين، فالوعي يتناول موضوعه في حال التَخيُّل بوصفه غائبًا، أما في حال الإدراك فإن موضوعه يكون حاضرًا، وقد أوضح سارتر نقاط الضعف والقصور لدى علماء النفس في عصره، من حيث تصورهم للصورة المُتخيَّلة باعتبارها تشغل حيزًا داخل الذهن البشرى، متأثرين في هذا بديكارت، كما بين أيضًا أوجه القصور في محاولات تفكيك محتوى الصورة المُتخيَّلة، ثم إعادة تجميعها داخل الذهن على نحو آلي بحت، وهو ما أطلق عليه “علم النفس التأليفي”، كما بين أيضًا قصور النظريات النفسية في تفسير كيفية تحول الصورة المُدرَكة إلى صورة مُتذَكَّرة، وبيّن أيضًا خلط بعض هذه النظريات بين الإدراك الحسي والصورة المُتخيَّلة.
        تبرز أهمية دراسة سارتر للانفعالات من خلال ربطه بين الانفعال ووظيفته، الأمر الذي يتماشى مع فكرة القصدية، إذ أكد سارتر على أن الانفعال- شأنه في هذا شأن الوعي- هو انفعال بشىء ما، ولا يوجد انفعال بلا شىء، وقد أكد سارتر على فكرة الآخر في حدوت انفعال مثل الخجل، إذ يلعب الآخر دوراً فاعلاً في إحداث هذا الانفعال، أيضًا في تناوله للخوف، يؤكد سارتر على وجود سبب لهذا الخوف، باعتباره خوفا من شيء ما. وفي دراسته لانفعال الحب، وصفه سارتر بأنه يتميز بالتوتر الدائم، من حيث إنه رغبة دائمة في الاستحواذ علي الآخر، وأيضا انفعال الكراهية بوصفه شعورا ناقصا لا يمكنه أن يتحقق علي نحو تام.
       الأمر الجدير بالذكر هو أن إسهامات سارتر في مجال علم النفس، خاصة مفهومه حول سوء النية والتحليل الفنومنولوجي للانفعالات، وأيضًا مذكراته حول الأخلاق، التي ظهرت حديثًا بعد وفاته، خاصة إسهاماته حول مفهوم الخير Good وعلاقته بفكرة الذاتية والآخر، بالإضافة إلى إسهاماته حول فكرة الوجود الأصيل وعلاقته بالحرية؛ كل هذا أسهم في تغيير معالم المنهج الفنومنولوجي في الفلسفة المعاصرة، إذ تحاول الفنومنولوجيا اليوم التركيز على أهمية مفهوم القيمة، أو بالأحرى إعادة تقييم القيمة. ([1])
[1] هذا هو عنوان رسالة دكتوراه تمت مناقشتها بكلية الآداب جامعة حلوان، وهي من إعداد جورج قديس، مدرس مساعد بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حلوان، والتي نال من خلالها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولي، وذلك يوم الخميس الموافق 24/1/2013.
أقرء أيضا
3.7/5
Share on facebook
شارك الآن
Share on twitter
غـــــرد الآن
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on print
Print
أحدث المقالات
تصنيفات
اعلان
مقالات مميزة