مقالة حول الفلسفة الاسلامية

مقالة حول الفلسفة الاسلامية

مقالة حول الفلسفة الاسلامية , ومجالاتها المختلفة

قضية “المجالات” هي أولى القضايا الهامة التي تواجه دارس الفلسفة الإسلامية في الوقت الحاضر فمنذ البداية يلاحظ أن هذه الفلسفة لا تتسم بالوحدة أو البساطة التي قد تتصور وإنما هي مجموعة من الفروع أو المجالات التي يتميز كل منها بمشكلاته الخاصة ومصطلحة المنتظم وحدوده التي تكاد تفصله عن غيرة من المجالات الأخرى وتجعل منة تخصصا قائما بذاته.
وقد يكون صحيحا إلى حد ما القول بأن الفلسفة الإسلامية تضم بين دفتيها : كل ما لم يتم تصنيفه حتى الآن في إطار علوم الدين الإسلامي فنحن نرى أن هذه العلوم قد تحددت منذ البداية وأصبح لها طابعها الخاص وعلماؤها المتخصصون وحدودها القائمة والمتميزة لدينا مثلا : علم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم أصول الفقه بالإضافة إلى التاريخ الإسلامي ومن المعروف أن هذه العلوم تقف إلى جانب علوم اللغة والأدب وهى فقه اللغة وعلم الصرف وعلم النحو وعلم العروض وعلوم البلاغة (المعاني/ البيان/ البديع) ثم تاريخ الأدب ونقده.
style="text-align: justify;">
أما الفلسفة الإسلامية فإنها –وحدها- تحتوى على ما يمكن أن نطلق علية: الفلسفة التقليدية ذات الاستلهام اليوناني وعلم الكلام ومقالات الفرق الدينية والتصوف والأخلاق والأدب الديني والمنطق وآداب البحث والمناظرة وفلسفة التاريخ والسياسة بالإضافة إلى مجموعة العلوم الرياضية القديمة(الحساب الجبر الهندسة) والتجريبية (الفلك الكيمياء الطب ) وما يمكن أن يستخلص من هذه العلوم جميعا ويتعلق بمناهج البحث الخاصة والعامة.

 

 

 

 

ولا ينبغي أن ندهش كثيرا لهذا التنوع الشديد في الفلسفة الإسلامية لأنة كان الطابع المميز للثقافة الموسوعية لدى علماء المسلمين فقلما نجد واحدا منهم اقتصرت جهوده على مجال واحد وإنما تنوعت في أكثر من مجال ويكفى أن نستشهد في هذا الصدد بالغزالي (ت505ه-111م) الذي كتب في الفلسفة التقليدية والمنطق وعلم الكلام والفقه وأصول الفقه والتصوف والإخلاص وكان ابن رشد (595ه-1198 م)طبيبا وفيلسوفا وفقيها.

 

 

 

 

 

 

 

ومن الجدير بالملاحظة أن هذا التنوع في المجالات لدى العلماء المسلمين لم يشتت اهتمامهم بالموضوع الواحد الذي يتناولونه بل كان الأمر على العكس ولعلة كان دافعا – في الوقت نفسه – إلى السيطرة علية والتميز فيه ويمكن أن نستشهد هنا بابن حزم (546ه /1063م) الذي كتب في كل من الفقه وأصول الفقه ومقالات الفرق ومقارنة الأديان والأخلاق والمنطق والتاريخ والأنساب …وفى كل مجال هذه المجالات مازال يعتبر مرجعا أساسيا لدى المتخصصين فيه.

 

 

وملاحظة أخرى هي أن هؤلاء العلماء الموسوعيين لم يشعروا في أية لحظة بالحدود الفاصلة بين مجالات المعرفة التي تناولوها على النحو الذي نشعر بت الآن ومن ثم فإننا لا نجد لديهم أي أثر من آثار التعارض أو الانفصال بل نجد بالأحرى إحساسا واضحا بالتكامل بين هذه المجالات المتعددة ([1]) .

وإذا كانت تجربة الغزالي في المنقذ من الضلال تكشف عن بعض نواحي القصور في مجالات المعرفة الإسلامية([2]) فإنها تظل على الرغم من ذلك معبرة عن حقيقة هامة وهى أن هذه المجالات تمثل مستويات مختلفة للوصول إلى الحقيقة الكبرى التي كان الغزالي يسعى إلى بلوغها .

 

 

 

إن قضية “المجالات” التي تفرض نفسها على دارسي اليوم لم تشغل بال المستشرقين الذين سبقوا الباحثين المسلمين إلى دراسة الفلسفة الإسلامية في القرن التاسع عشر وذلك لسبب بسيط هو أن هؤلاء المستشرقين قد اتجهوا مباشرة إلى مجال واحد وهو مجال الفلسفة التقليدية ذات الاستلهام اليوناني لكنهم بالتدريج ومع اكتشاف مخطوطات جديدة بدئوا يدركون أهمية مجال علم الكلام ثم كان التصوف أخيرا هو المجال الذي انتزع إعجابهم ونال حظا وفيرا من عنايتهم بحوثهم([3]) .

ومن المعروف أن النصف الأول القرن العشرين شهد مولد النهضة الإسلامية في البلاد العربية وقد واكبتها يقظة فكرية تمثلت في وعى الدارسين المسلمين بمواطن القوة في تراثه الفلسفي ولا يمكن في هذا الصدد إغفال الجهد الصادق الذي قام بت الشيخ مصطفى عبد الرازق في توجيه مجموعة من خبرة التلاميذ([4]) لتحديد مسار الفلسفة الإسلامية ([5]) يمثل نقطة تحول هامة في تاريخ الدراسات الحديثة.

 

 

وعلى الرغم من أن الكتاب السابق يقترح إلحاق علم أصول الفقه بالفلسفة الإسلامية نظرا لطابعة الفلسفي الواضح فإن إجماع الدراسيين لم يتم حتى الآن بالنسبة إلى تحديد إطار هذه الفلسفة

فمازال هناك من يستبعد بعض المجالات التي يعتبرها البعض الآخر من صميم الفلسفة الإسلامية([6]) كما أن هناك من يتردد في تحديد هذه المجالات والتصريح بعددها([7]) .

ومن أهم الأسباب التي تؤدى إلى عدم الحسم في هذه القضية أن كثيرا من مجالات الفلسفة الإسلامية ذاتها مازال راقدا في دائرة الظل ولا يلقى أدنى اهتمام كما سنشير إلى ذلك في موضعه كذلك فإن تقدم الدراسات الفلسفية الحديثة لدى المسلمين متوقف على ما يكتشفونه من مخطوطات جديدة ولا شك أن في كل مخطوط يتم تحقيقه ونشرة يضيف مادة جديدة إلى المجال الذي ينتمي إلية ويؤكد بالتالي دورة في بنية الفكر الإسلامي.

 

ومن ناحية أخرى فإن الاطلاع على المذاهب الفلسفية في الغرب يعتبر شديد الأهمية لجلاء المذاهب الفلسفية الأصلية لدى مفكري الإسلام أنفسهم وهنا يأتي دور الدراسات المقارنة التي تتيح للفكر الإسلامي أن يأخذ مكانة اللائق في تاريخ الثقافة العالمية وقد أجريت في هذا الصدد دراسات قليلة لكنها على جانب كبير من الخصوبة حول ابن رشد وتوماس الأكوينى([8]) وابن عربي واسبينوزا تارة([9]) ولبينت تارة أخرى([10]) وابن خلدون وجان جاك روسو([11]) وهى دراسات أظهرت بجلاء أصالة مفكري الإسلام وتفوقهم أحيانا على مفكري الغرب.

على أننا سنذكر هنا أهم مجالات الفلسفة الإسلامية كما تبدو لنا بصرف النظر عن اتفاق الدارسين أو عدم اتفاقهم حول تحديد مجالاتها مع الإشارة في كل مجال منها إلى ما حظي بت من عناية أو مايلقاة من إهمال:

Use your ← → (arrow) keys to browse