الخيميائي pdf

أصل / متن حكاية رواية الخيميائي لباولو كويلو
في كتاب تاريخ العدواني
حمزة قريرة

مقدمة:

ليس غريبا أن نجد رواية تستند على حكايات شعبية في نسج خيوط متنها الروائي، لكن الغريب أن نجد التقارب بين التشكيلين حد التطابق في بعض المراحل، والأكثر غرابة أن الحكاية الشعبية ذات الطابع التاريخي التي بين أيدينا – وهي أحد الأحداث التي سردها الشيخ العدواني في تاريخه خلال ق 17م – لم تطبع إلا مؤخرا أي بعد ظهور الرواية العالمية الخيميائي لباولو كويلو فهل هذا من قبيل الصدفة؟ أم الحكاية منتشرة بذات الصورة في التراث الشعبي للعديد من المناطق في شمال إفريقيا وقد اطلع عليها الروائي، وأيا كانت الإجابة فالتشابه يجعلنا نقف وقفة المنصت للنصين لتتبّع أوجه الاتفاق بينهما من الناحية الفنية – رغم أن الأمر صعب – ومن ناحية طبيعة التفكير ومستواه بين المؤرّخ الشيخ العدواني وراوي الخيميائي وبطله، حيث لا نجد فوارق بين طريقة عرضهما للرحلة التي قام بها البطل من الغرب (الأندلس- طنجة) إلى الشرق (مصر- الجزائر) حيث خرج من بلاده بناء على حلم رآه مفاده أنه يوجد كنز في مكان ما في المشرق وطُلب منه الاتجاه إليه ولما وصل إلى المكان المقصود بعد أن قاسى الأمرّين تعرّض للاعتداء والطرف الذي اعتدى عليه أخبره أنه رأى حلما كذلك مفاده أنه يوجد كنز في المكان الذي أتى منه البطل (الغرب: الأندلس- طنجة) ويقدّم له وصفا دقيقا لذلك المكان فيرجع إلى بلاده بعد أن يحصل على بعض المال فيجد كنزه الذي تركه خلفه كما وُصف له.
style="text-align: justify;">
وعبر هذه الدراسة سنستعرض مسار السرد في الحكاية والرواية لنقارن بينهما، ثم نقارن الشخصيات والمكان والزمان، حتى نتعرّف على مدى التطابق بين الحكاية في تاريخ العدواني، ورواية الخيميائي لباولو كويلو.

تقديم النصين:

1- 1- حكاية “مدينة طنجة ومدينة الجزائر”** من كتاب تاريخ العدواني للشيخ محمد بن محمد بن عمر العدواني، تقديم وتعليق أبو القاسم سعد الله، الذي قام بجمع نسخه المخطوطة وتحقيقها ودراستها، وقد اعتمدتُ على طبعة دار البصائر، الجزائر، لسنة 2007، مع العلم أن المحقق أتم الدراسة سنة 1990م، ومن خلال مقدمة المحقق يتضح أنه اعتمد على عدة مخطوطات في جمع وتحقيق هذا الكتاب وعلى رأسها مخطوط محمد الطاهر العدواني التي نسخها من عند الشيخ أحمد خراز، التي تعد النسخة الأكثر اعتمادا في التحقيق، إضافة إلى نسخة شارل فيرو وهي ترجمة لنسخة عن كتاب تاريخ العدواني نشرتها مجلة “روكاي” بقسنطينة سنة 1867م حيث أشار محققها أنه أخذها عن السيد علي باي بن فرحات حاكم تقرت، كما أضاف أنه يوجد من الفرنسيين من اطلع قبله على هذا الكتاب وعرف أهميته. وانطلاقا من هذه المخطوطات خصوصا المترجمة يظهر أن حكايات العدواني قد تكون انتشرت في أوروبا واطلع عليها الدارسون…. أما الحكاية محل الدراسة فتمتد من الصفحة 287 إلى الصفحة 289، وتصوّر لنا متن حكائي كامل من شخصيات وزمان ومكان وغيرها من المقوّمات.
تدور أحداث الحكاية عن رجل من طنجة بالمغرب الأقصى (الغرب) أصابه الفقر بعد أن كان أبوه ذا مال، فاستخار الله لعلّه يفرّج همه فرأى في منامه رجلا طلب منه الاتجاه نحو الجزائر (الشرق) بها يجد المال والغنى، فلما أصبح انطلق إلى الجزائر وصار يبحث إلى أن أدركه الليل فأمسك به الحرس وأوثقوه إلى طلوع النهار، وقدموه أمام السلطان فسأله عن حاله فاخبره القصة، بأن ماله بالجزائر، فضحك السلطان وقال أعطوه مالا يستعين به عن فقره، ثم قال له السلطان لا تنخدع بكلام الأحلام مرة أخرى، فقد كنتُ ذات ليلة نائما فإذا برجل يأتيني ويقول لي اذهب إلى طنجة وادخل من الباب الأيسر واقصد الدار عند المنارة … وصار السلطان يقدم صفات دار الرجل من طنجة بشكل دقيق وأنهى كلامه بأن الرجل في منامه أمره بأن يحفر تحت رجل السرير سيجد قناطير من الذهب، لكن السلطان رفض الاستجابة للمنام لهذا أمر الرجل المسكين من طنجة أن لا يخضع للأحلام، وبعد إتمام السلطان كلامه انصرف المسكين إلى طنجة وهو يحدث نفسه فالأوصاف التي قدّمها السلطان هي أوصاف داره، فلما وصل إلى أهله أعطاهم المال وذهب وحفر تحت رجل السرير فوجد قناطير من الذهب.
1-2- رواية الخيميائي لباولو كويلو: تقع رواية الخيميائي في ترجمتها العربية في نحو 198 صفحة من النوع المتوسط، وتعد هذه الرواية من روائع الروايات العالمية وأكثرها مبيعا حيث بلغ عدد نسخ بيعها أكثر من 75 مليون نسخة وترجمت إلى 62 لغة، كما تُعتبر فاتحة خير للمؤلف الذي لم يلاق أي نجاح في أعماله قبلها مثل “أرشيف الجحيم” وغيرها، لكن بعد روايته الخيميائي انتشرت أعماله وصارت الأكثر مبيعا ونذكر منها روايته “11 دقيقة” و “الزهير”. وسنركز في هذه الدراسة على رواية الخيميائي، وبالتحديد على المتن الحكائي لهذه الرواية، لمقارنته بأحد حكايات العدواني في كتابه “تاريخ العدواني”.

تحميل كتاب الخيميائي pdf 

لتحميل  رواية الخيميائي : كل ما عليك هو الضغط هنا   والتحميل المباشر من خلال موقع ميديا فاير ,, ولكي تكمل معنا تلك الرحلة حول الرواية أكمل قراءة الموضوع .. قراءة ممتعة ..
– ملخّص حكاية ” مدينة طنجة ومدينة الجزائر ” من كتاب تاريخ العدواني:

– ملخّص حكاية (متن) رواية الخيميائي:

تحكي الرواية قصة شاب من اسبانيا (الأندلس/الغرب) –  عاش حوالي نهايات القرن 19- اسمه سنتياغو عمل راعيا بعد تركه للدراسة، وكان يتوقف في رحلاته الرعوية عند العديد من المناطق منها كنيسة مهجورة نبتت بموهفها شجرة جميز كان يستريح بها، وفي أحد المرات حلم حلما ظل يتكرر بعدها مفاده أنه يوجد كنز مخبأ في مصر(الشرق) بجانب الأهرامات وأنه حلم بطفل يأخذه إليه لكنه لم يدله عن المكان بشكل جيّد، وبناء على هذا الحلم باع أغنامه وقرر السفر إلى مصر ولاقى مصاعب كثيرة في طريقه إلى هناك حتى كاد يهلك، كما تعلّم الكثير، ولما وصل إلى الأهرامات وهمّ بالحفر للبحث عن الكنز فوَجَدَتْه مجموعة من لاجئي الحرب الأشقياء فأوسعوه ضربا بعد أن أخذوا ما عنده، ونتيجة للحالة التي وصلها وقد أشرف على الهلاك قال لهم سبب مجيئه وقصة حلمه، حينها تركوه وأخبره زعيمهم بأنه عليه أن لا يكون غبيا ليتتبع الحلم، فالزعيم قبل سنتين وفي هذا المكان ذاته رأى حلما مفاده أنه يوجد بإسبانيا وبأحد كنائسها المهجورة (ذات الكنيسة التي رأى فيها البطل الحلم) يوجد كنز مدفون، لكن الزعيم لم يستجب للحلم لأنه من الغباوة أن يقطع الصحراء من أجل حلم. حينها عرف الشاب سانتياغو المكان الفعلي لكنزه فعاد إلى إسبانيا واستخرج كنزه الدفين.
2) طريقة المقارنة
سنعتمد في المقارنة بين الحكايتين على معايير محددة، بداية لن نقارن بين حكاية العدواني ومبنى الرواية وذلك لاختلاف طبيعة النصين، لهذا ستتم المقارنة بين متن الرواية؛ أي حكايتها كما وقعت أو تُخيّل أنها وقعت، وبين حكاية العدواني التي لم تتجاوز مستوى الحكاية إلى مستوى السرد، كما أننا لن نقارن بنية اللغة في النصين لكون نص الخيميائي مترجم ولم نعتمده أصلا –فقد اعتمدنا الحكاية- أما نص العدواني فيعج بالألفاظ القريبة من العامية لهذا لم نعتمد على المقارنة اللغوية، كما أن الدراسة لن تتعرّض للجوانب الكمية في النصين بل نكتفي بالإشارة للظواهر التي سيتم مقارنتها كيفيا؛ أي أننا لن نحصي الظواهر التي سنقارنها بل سنشير إلى نماذج عنها وكيف تمظهرت، ومما ستشمله المقارنة نذكر؛ بنية الفضاء المعادل للمكان الجغرافي وكيف تم الانتقال من فضاء لآخر بين الحكايتين، كما سنقارن بين الشخصيات وفق تصوّر بارث الوظيفي، كما نشير إلى الراوي وحضوره في الحكايتين، أما الزمن فلن نتعرض له لارتباطه بالسرد ونحن تجنبنا الخوض في الرواية سرديا بل ركزنا على حكايتها.
2-1- بنية الفضاء الجغرافي في الحكايتين:
يعبّر الفضاء عن الاتساع والامتداد في كل الاتجاهات للمكان؛ أي المحتوى الواسع والشامل للموجودات والامتداد غير المحدّد في جميع الاتجاهات بامتلاك الأبعاد الثلاثة؛ وهي الطول والعرض والارتفاع أو العمق. ومن الناحية الاصطلاحية في مجال السرد يعد الفضاء المكوّن المحوري والجامع والمنسّق بين باقي مكونات الرواية، فيعبّر عن مجموعة العلاقات الموجودة بين الأماكن المختلفة والوسط – بما فيه من ديكور- الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك عبره الشخصيات، فيمثل بذلك المساحة التي يؤطّرها الروائي ليبني بها وفيها ومعها الرواية، “فهو يلف مجموع الرواية، بما فيها الأحداث المسرودة التي لا يمكننا تحديدها إلا في إطار استمرار المكان، الذي يلفها، ويظل موجودا أثناء جريانها”، ومن خلال هذا المفهوم يتضح اتساع الرقعة التي يتجلى فيها وعليها ومن خلالها الفضاء، فهو يغطي الرواية بأحداثها، كما يمكننا التمييز بين عدة مظاهر للفضاء فبعضه نصي خاص بشكل الكتابة وطريقة الطباعة وبعضه متعلّق باللغة ومجازاتها التي تخلق فجوات دلالية مشكلة الفضاء الدلالي، أما أبرز أشكال الفضاء فهو الفضاء الجغرافي وهو ما سنعتمده فيمثل المكان في الحكاية/الرواية ويتجلى الفضاء ببعده الجغرافي- المكاني- عبر أشكال متعدّدة في الحكاية حيث يمكننا حصره حسب حضوره المنفرد عبر مراحل الحكاية وذلك بتتبع المحدّدات اللغوية له في كل مرحلة، فنجد عدة إشارات لغوية تدل على المكان في مسار الحكاية كالبيت والطريق والجبل والباب والمرتفع….. وغيرها، ومن جهة ثانية يمكن تتبّع حضور الفضاء الجغرافي بطريقة أخرى مختلفة انطلاقا من اعتبارات خاصة؛ بعضها متعلّق بالاختلاف في الطبيعة والحضور بين الواقع والمتخيل، وبعضها مرتبط بالتقابلات – التقاطبات- الضدية بين أنماط الفضاء الجغرافي؛ حيث نجد منها المرتفع والمنخفض، والواسع والضيق، والمغلق والمفتوح، وغيرها من الثنائيات القائمة على أساس التقاطب. وسنقوم في المقارنة بين الفضاء الجغرافي في الحكايتين بإتباع الاعتبارين حيث سنتتبع في البداية مسار الرحلة والفضاء الجغرافي فيهما ونقارن، ثم نتتبع الاعتبار الثاني الخاص بالثنائيات.
2-1-1- مسار الرحلة في الحكايتين وحضور الفضاء الجغرافي:
اقرا ايضا :نظرة إلي اختلاف تعريف الفلسفة عبر العصور
أ- تنطلق الرحلة في حكاية العدواني من الغرب (طنجة بالمغرب الأقصى) حيث خرج البطل من بيته واتجه نحو الشرق (الجزائر) فيجد نفسه في الشارع بين يدي الحرس، ثم يُعرض عن السلطان الذي يُخبره بالحلم الذي يعود به مجددا من الشرق (الجزائر) إلى الغرب (طنجة بالمغرب الأقصى) على نفس المسار ويمكن التمثيل لرحلة البطل بالمخطط التالي:
ب- أما الرحلة في الخيميائي فتنطلق من الغرب (إسبانيا-الأندلس) حيث خرج البطل من كنيسة مهجورة واتجه نحو الشرق (مصر) ليصل إلى ساحة خالية بجانب الأهرامات، ليتعرّض للأذى على يد مجموعة من الجنود، ثم يُخبره زعيمهم بالحلم الذي يعيده على مساره نحو الغرب، فينطلق من جديد من الشرق (مصر) إلى الغرب (إسبانيا -الأندلس)، ويمكن تمثيل مسار رحلته كالتالي:
نلاحظ من خلال المخططين التشابه الكبير بين مسار الرحلتين والفضاءات التي مر بها البطل فكليهما انطلق من الغرب نحو الشرق، من مكان مغلق (بيت-كنيسة) إلى مكان مفتوح (شارع – ساحة) كما أن الكنز الحقيق في المسارين موجود في الغرب أما الكنز الوهمي فهو في الشرق، وكأن الراوي في الحكايتين يرسم ذات الاتجاه من الشرق إلى الغرب، والعكس، ويبيّن أن الكنز الحقيقي موجود في وطن المهاجر تحت مكان نومه (شجرة الجميز – السرير) وعلى الإنسان أن يرضى بما أوتي دون أن يركب الصعب من أجل أوهام.
كما نسجّل خلال الرحلتين الحالة الشعورية التي انتابت البطلين في مختلف الفضاءات التي مرا بها، حيث انطلقا من حالة ضيق شديد ورغبة في الحصول على الكنز ليصلا للشرق ليكتشفا الحقيقة المحبطة بعدم وجود الكنز لكن يكبر لديهما الأمل لما يكتشفا وجود الكنز في الغرب وفي ذات المكان الذي أتيا منه، فتبدأ رحلة العودة يحذوها الأمل، ليسعدا بحصولهما على الكنز. فنلاحظ وكأن الحكاية تتكرر مع اختلاف بسيط في المناطق الجغرافية.
2-1-2- الفضاء الجغرافي الواقعي والمتخيل في الحكايتين:
تعتبر ثنائية الفضاء الجغرافي الواقعي والمتخيّل ثنائية من نوع خاص، فهي لا تحيل على التناقض بل على الاختلاف فالعناصر الفضائية الخيالية داخل الحكاية تجد مرجعياتها في الواقع، الذي يتداخل مع الخيال في مواضع يصعب الفصل بينهما عبر التناقض إنما نميّز بينهما من خلال اختلاف طبيعتهما، وحضورهما في الحكاية، فالواقع مرتبط بالأحداث التي وردت في المتن وجاء حضورها فعلي، حيث تحملت إشارات حسية من الشخصيات أو من المكان، وعليه فتحديد الفضاء الواقعي يتم عبر رصد ما له مرجعية واقعية في جغرافية الإنسان، ويتم ذلك من خلال عملية تشخيص الفضاء الحكائي التي تعد السبب في توجيه القارئ نحو شيء محتمل الوقوع، فالتشخيص يوهم بواقعية ما يقدّم من أحداث، وما يلفّها من فضاءات مختلفة الأنماط، ولا يقُصد بالواقعية مرجعها في عالمنا الحسي بل واقعيتها مرتبطة بالرواية/الحكاية فقط، فقد يكون الفضاء في كوكب آخر لكنه واقعي لارتباطه بمنطقية الرواية وواقعها، لهذا لا تخضع التحديدات الفضائية والزمنية لإرغام واقعي، فهي محكومة بقواعد من صلب النص ومحدّدة عبر مرجعية داخلية تجعل من النص حاملا لكون قيمي، فتوزيع الفضاء غير منفصل عن مختلف التجارب المشكّلة للخطاطة السردية، فيشكّل بذلك الواقع مرجعا يتعامل معه الروائي، يسمعه ويحاوره ويرى مختلف متغيّراته، لكن تظل الكتابة في معزل عن الواقع الفعلي، فهي لا تتعامل مباشرة معه، بل مع مفهومه المتعلق أساسا بالموقع الذي يرى منه الروائي، ومن جهة بمتعلقات الكتابة ذاتها من شروطها وأدواتها وغيرها، وعليه يبقى الواقع روائيا/حكائيا بالدرجة الأولى، ولا يمثّل الواقع الفعلي إلا صورة عنه قد تكون قريبة أو بعيدة عنه، أما رصد هذا الفضاء الواقعي فيتم من خلال الإشارات الواقعية للألفاظ أو العبارات التي تحمل دلالة المكان. أما الفضاءات المتخيّلة فهي الوسط المختلف والمقابل للواقعي حيث يتمتّع بطبيعة مغايرة، لها محددات خاصة فتدخل – مثلا – ضمنها الاستباقات لأنها لم تحدث أصلا، وتُخيّل أنها ستحدث بتلك الطريقة، كما يدخل في الفضاء المتخيل، الفضاء المشكل في عالم الحلم بحالتيه؛ في اليقظة والنوم.
مما تقدّم يمكن التمييز بين نمطي الفضاء من خلال محددات خاصة في الحكايتين، فنعثر على التشكيلين للفضاء وبنفس الترتيب الإيقاعي حيث ينطلقان من الفضاء الواقعي (البيت- الكنيسة) إلى الفضاء المتخيل (الحلم) وهو ما يدفعهم للانطلاق في الرحلة التي تتخلّلها فضاءات واقعية بالدرجة الأولى إلى أن يصلا للفضاء الواقعي الأخير حين يواجهان الواقع المرير في عدم عثورهما على الكنز، لكن سرعان ما يظهر فضاء متخيل جديد هو حلم ( السلطان – الزعيم) حيث يعيد لهما الأمل ليرجعا للفضاء الواقعي الأول الذي كانا فيه ليعثرا على الكنز، وعليه فإيقاع حضور الفضاء الواقعي والمتخيل ذاته في الحكايتين، من الناحية الترتيبية وكذا من الناحية القيمية، فالفضاء المتخيل الأول (الحلم الأول) كان وهما لهذا فقيمته سلبية، أما الفضاء المتخيل الأخير (الحلم الثاني) فكان حقيقة وقيمته إيجابية، كذلك الأمر بالنسبة للفضاءات الواقعية فهي متشابهة في كلا مسار الحكايتين، وهذا ما يجعلنا نعتبرهما من مشكاة واحدة!. ويمكن تمثيل حضور الفضاء الواقعي والمتخيّل في الحكايتين كالتالي:
يظهر بوضوح اشتراك الحكايتين في إيقاع وترتيب الفضاء الواقعي والمتخيّل لدرجة التطابق في المسار، وهذا يعكس كون الحكاية في الأصل واحدة لكن تفرّعت بالسرد في رواية الخيميائي، كما أضيف عليها بعض متعلّقات الروائي كالكنيسة مثلا وهي من صميم عقيدة الروائي.
2-1-3- الفضاء الضدي في الحكايتين:
هناك عدة تقسيمات للتقاطبات الفضائية منها ما هو قائم على مفهوم الأبعاد الفيزيائية، فنجد اليمين واليسار والأعلى والأسفل والأمام والخلف، ومنها ما نرصده من خلال مفهوم المسافة كثنائية القريب/ البعيد، ومنها ما يقوم على مفهوم الاتصال كثنائيتي المنفتح/ المنغلق و داخل/ خارج، ويتم تصنيفها من خلال البحث في دلالاتها في شكل ثنائيات متضادة، وهذا يعكس علاقات مختلفة بين قوى وقيم متعارضة نلاحظها داخل الحكاية، وعبر دراسة الحكايتين نجد أن الفضاءات المتضادة تظهر بتشكيلات جد متشابهة وسيتم رصدها حسب حضورها الكيفي، فمثلا نجد فضاء الأسفل مقابل الأعلى، وفي الأسفل يوجد الكنز عبر الحكايتين (تحت شجرة الجميز/ تحت السرير)، كما نجد فضاء الداخل الذي مثّل الضيق للبطل في الحكايتين (الكنيسة/ البيت) وهو مكان الحلم؛ ففي حكاية الخيميائي نجد الكنيسة المهجورة هي التي تأوي البطل وبها ينام ليرى حلمه مرة أخرى:”قرّر أن يقضي الليل بهذا المكان، أدخل نعاجه من الباب المحطم…. عندما أفاق كانت العتمة لا تزال قائمة”. أما حكاية العدواني فالبيت هو مأوى البطل وفيه رأى الحلم :”نام على مهاده وفراشا طاهرا…”، أما فضاء الخارج فهو بالنسبة للحكايتين فضاء الرحلة والشارع أو الساحة التي وصلها البطل ليكتشف بعدها الحقيقة وهو أن حلمه مجرّد وهم، ليعود من جديد لفضاء الداخل ليجد الكنز، وعليه ففضاء الداخل بالنسبة للحكايتين هو فضاء موجب مقابل فضاء الخارج السالب. كما نلاحظ عدة ثنائيات ضدية أخرى متشابهة بين الحكايتين وعلى رأسها ثنائية الشرق والغرب التي حددت مسار الحكايتين، ويعتبر طرفاها متضادين من الناحية الجغرافية والقيمية داخل الحكايتين، فالشرق حمل في البداية القيمة الإيجابية لاحتوائه الكنز، لكن لما عرف البطل الحقيقة انقلبت قيمته وصارت سلبية مقابل الغرب الإيجابي حيث حمل الكنز الحقيقي. إضافة لبعض الثنائيات الأخرى التي لم يختلف حضورها بين الحكايتين، وعليه قدّم هذا الاعتبار من حضور الفضاء الجغرافي دليلا آخر على اتحاد الحكايتين وأنهما من أصل واحد.
2-2- حضور الشخصيات والوظائف في الحكايتين:
تعتبر الشخصية في الرواية المحرّك الرئيس للأحداث، لكونها المؤدي للدور التخيلي الذي يفترضه الروائي، فرغم كونها” كائنات من ورق”2 كما يرى “بارث – R. Barthes”*** إلا أنّ دورَها مهمٌ في بث الحياة في الحكاية/الرواية، ويمكن النظر إليها من زاويتين؛ الأولى تمثّل صفاتها الداخلية والخارجية، والثانية الوظائف – الأدوار- التي تقوم بها، وقد اهتمت البنيوية بالجانب الثاني لثباته في مختلف الحكايات ولإمكانية ضبطه، وقد ظهرت تصنيفات كثيرة لمعالجة أدوار ووظائف الشخصية نذكر منها:
– تصنيف غريماس A.J.Greimas – حيث نظر للشخصية من زاويتين، ميّز فيهما بين مستويين؛ مستوى عاملي ومستوى ممثلي. فأما المستوى العاملي “فتتخذ فيه الشخصية مفهوما شموليا مجرّدا يهتم بالأدوار، ولا يهتم بالذوات المنجزة لها”3، بهذا تعلّق مفهوم العامل”Actant” بدوره في السرد، فهو” الذي يقوم بالفعل أو يتلقاه”4.
أما المستوى الممثلي، فتتّخذ فيه الشخصية صورة فرد يقوم بدور ما في الحكي؛ أي يؤدي دورا عامليا أو أكثر5، وفي هذا المستوى يتم تحديد صفات الشخصية الخاصة وهي تؤدي دورها، فتكون ممثلا”Acteur”.
ومن بين التصنيفات كذلك نجد تصنيف بارث “R.BARTHES”، حيث انطلق في تصنيفه للوظائف من تصور شمولي يشمل مختلف أشكال الحكي، أما في تحديده للوظيفة فلم يحصرها في الجملة – التركيب- بل وسّع منها لتشمل الكلمة المفردة داخل السرد/الحكي، التي رأى أنها قد تؤدي دورا وظيفيا محددا6، وقد أدت أبحاثه إلى الوصول لتصنيفه الخاص حول أنواع الوظائف وطبيعتها في الرواية/الحكاية، فقسّمها إلى وحدات توزيعية وأخرى إدماجية، حيث تعتبر الوحدات الوظيفية التوزيعية مختلف الوحدات- من جمل وكلمات- داخل العمل الحكائي، التي تؤدي وظيفة معيّنة فيه**** بعد ارتباطها الأفقي – فيما بينها- بعلاقات سببية، فالوحدات الوظيفية التوزيعية تفترض وجود علاقات تركيبية بين عناصرها، تتضافر على المستوى الأفقي لتأدية وظائفها، فعلاقتها حضورية، كأنْ يُذكر في حكاية وجود سيف لدى أحد الشخصيات، حيث يؤدي ذكره انتظار وظيفة محددة له كأن يستخدم للقتل، فارتباط السيف بالوظيفة التالية له ارتباط تركيبي أفقي حضوري. أما الوحدات الإدماجية فهي وحدات تؤدي وظائف لكن مختلفة عن السابقة، فلا ترتبط فيما بينها بعلاقات أفقية تركيبية سببية حضورية، لهذا لم يحتفظ لها بارث باسم الوظائف، فهي لا تحيل على فعل لاحق أو مكمّل، بل تعمل كعلامة8، حيث ترتبط مع مدلولات من خارج النص عبر علاقات ترابطية أو ندعوها جدولية – استبدالية- (La relation paradigmatique) وهي علاقات ذات طبيعة غيابية، وعليه فالوحدات الإدماجية تؤدي دور علامات داخل العمل الحكائي، فتُماثل طبيعتها طبيعة العلاقات الترابطية في النظام اللغوي.
وسنختار من التصنيفين المذكورين تصنيف بارث حيث نحاول تطبيقه على شخصيات الحكايتين لنتعرّف على مدى تطابقهما وذلك كالتالي:
    الوحدات الوظيفية التوزيعية في الحكايتين:
من خلال تتبع الحكايتين نجد الكثير من الوظائف تؤديها وحدات توزيعية حاضرة في الحكايتين، فمثلا نجد الحلم الأول فيهما وما يرياه من شخصيات تطلب منهما السعي شرقا نحو الكنز، حيث تقدّم هذه الوحدة بظهورها دليلا على وجود وظيفة محددة ستؤدى وهي اكتشاف الحقيقة بعدم صحة الطلب وعدم العثور على الكنز، ولا تكاد صيغة حضور هذه الوحدة تختلف بين الحكايتين، ففي حكاية العدواني تظهر كالتالي:”فلما كان بين النوم واليقظة وإذا برجل يقول له…”9 أما في الخيميائي فيتم تقديمها بالشكل التالي:”عندما أفاق كانت العتمة لا تزال قائمة…. فقد رأى حلما، إنه حلم الأسبوع الفائت.. حلمت بالحلم نفسه مرتين على التوالي…. حينما ظهر طفل … أخذ بيدي وقادني حتى أهرامات مصر”0 نلاحظ أن الوحدتين متقاربتين في الحضور ولا نلمس اختلافا إلا في الشخصية التي طلبت من البطل المضي شرقا ففي حكاية العدواني كان رجلا وفي الخيميائي طفلا صغيرا، وفي الحكايتين تقدّم هذه الوحدة التوزيعية بحضورها إشارة للمتلقي على وجود ما هو مرتبط بها في النص فينتظره إلى أن يكتشفه في النهاية وهو عدم وجود الكنز. كما يمكننا ملاحظة وحدات توزيعية أخرى في الحكايتين حيث طغت هذه الوحدات عليهما، فحضور هذه الوحدات التوزيعية -حسب بارث- يكون كبيرا في الأنماط الحكائية البسيطة، كالحكايات الشعبية1 التي لا تخلق مسافة بين الوحدة والوظيفة، بل تجعلهما يلتقيان أفقيا ويدركهما المتلقي وفق علاقة حضورية، وهو ما تميزت به الحكايتين فطابعها شعبي بسيط، رغم أن حكاية الخيميائي تطورت عبر السرد إلى رواية مكتملة، لكن حكايتها ظلت قريبة للحكاية الشعبية. ومن الوظائف التوزيعية نذكر شخصية السلطان في حكاية العدواني التي قابلتها شخصية الزعيم في الخيميائي حيث ظهرا قبل اكتشاف الحقيقة، وبقيا على مسافة من البطل والمتلقي ينتظر ما سينزلانه من عقاب بالبطل، ففي حكاية العدواني قال الراوي على لسان الحرس: “نجتمع إلى حضرة السلطان، فقال لهم السلطان: ما هذا…”2 أما في الخيميائي فيقول الراوي: ” ذاك الذي يبدو عليه زعيمهم، بقي صامتا لفترة… هيا بنا نذهب. قال الزعيم لصاحبه ثم التفت نحو الشاب قائلا: لن تموت سوف تعيش..”3 نلاحظ أن موقف السلطان والزعيم متقارب في الحالتين فهما متوجّسان من البطل وينتظر المتلقي أن يعاقباه لكن لما عرفا بحالته تظهر وظيفة ظهورهما وهو أن يخبراه بالحقيقة وعدم جدوى الأحلام، كما يؤكدان له ذلك بالحلم الذي رأياه (في الحكايتين) ليتحول هذا الحلم الثاني (حلم السلطان/الزعيم) إلى وحدة توزيعية جديدة حاضرة في النص فتحيلنا نصيا إلى وظيفة أخرى حيث يرجع البطل في الحكايتين ليجد الكنز، فالحلم الثاني ارتبط تركيبيا بالوظيفة التالية وهي الحصول على الكنز. إضافة لما تقدّم يمكن تتبع مختلف الوحدات الوظيفية التوزيعية في الحكايتين ونجدها متشابهة لحد التطابق من حيث الترتيب الأفقي والعلاقة السببية بين عناصرها، وهذا يعكس مجددا اتحاد الحكايتين.
كما نشير إلى حضور الشخصيات لتأدية وظائف محددة نجدها تتشابه في الحكايتين، فمثلا شخصية الحرس/الجنود الذي يمسكون بالبطل تؤدي ذات الوظيفة في الحكايتين وهي منع البطل من الوصول إلى الكنز وإيذائه سواء بالضرب في الخيميائي أو بالتقييد والحبس في حكاية العدواني، كذلك نجد شخصية المرأة تؤدي ذات الوظيفة، ففي حكاية العدواني ينعتها البطل بقوله: ” يا قرة عيني”4 وهو نعت إيجابي يكشف عن علاقة قوية بين البطل وزوجته فهي بالنسبة إليه المبتغى حيث فعل ما فعله من أجلها، كذلك نجد الحال في الخيميائي حيث كان آخر ما قاله البطل هو رغبته في الاتصال بفاطمة :”هاأنا ذا يا فاطمة، إني قادم”5. بهذا يظهر التطابق من جديد بين الحكايتين على مستوى ظهور هذه الشخصيات وتأديتها لأدوار محددة، وقيمتها داخل الحكاية، كما يمكن الإشارة في هذا الموضع إلى البعد الشعبي والخرافي للحكايتين خصوصا بالوظيفة الأخيرة المتعلّقة بالاتصال بالمرأة حيث نجدها مشابهة لوظيفة الزواج – الوظيفة الواحد والثلاثين – في تصنيف فلاديمير بروب-V.propp” للوظائف في الحكاية العجيبة وهذا يعكس اقتراب الحكايتين من التشكيل الشعبي أو الخرافي.
اقرا ايضا :الفلسفة الصوفية الإسلامية
وفي ما يلي نقدّم شكلا يوضح طبيعة تشكّل وعلاقة الوحدات التوزيعية على المستوى الأفقي الحضوري من خلال عيّنة منها:
يظهر من خلال الشكل بوضوح تعاقب الوظائف وحضورها نصيا بشكل أفقي ومتعاقب ومتشابه في كلا الحكايتين، فلا نكاد نعثر على اختلاف إلا فيما يخص الكنيسة والمنزل وجاء هذا الاختلاف لطبيعة عقيدة المؤلفين فباولو كويلو مسيحي والعدواني مسلم، فتأثرا بمرجعياتهما في تحديد مكان الكنز وعلاقة البطل بربه، ولكن رغم الاختلاف في ذلك إلا أنه لم يؤثر في التشابه الذي يصل حد التطابق، فالاختلاف في التسميات فقط.
    الوحدات الإدماجية في الحكايتين:
من خلال الحكايتين نلاحظ عددا من الوحدات الإدماجية حيث تحيلنا بقراءتها على ما هو غائب نصيا وسنشير في ما يلي لعدد منها مما هو مشترك بين الحكايتين، مثلا نجد بيت البطل وفراشه في حكاية العدواني فتحيلنا بساطتهما إلى كون البطل فقيرا معدما، كذلك نجد الأمر في الخيميائي فالكنيسة المهجورة والمكان الذي نام فيه البطل علامة على بساطة البطل وفقره. كذلك مما نلاحظه من وحدات إدماجية نجد تعالق الحلم في الحكايتين بالتصديق المطلق من طرف البطلين مما يقدّم علامة على طبيعة تفكيرهما المرتبطة بالمسائل الغيبية والكرامات الصوفية، حيث صدّقا الرؤيا وانطلاقا شرقا، بهذا يظهر تشابه الوحدات في كلا الحكايتين، رغم قلة ورود هذه الوحدات مقارنة بالوحدات التوزيعية، فلا نجد في الحكايتين كثرة التشكيلات العلامية ولعل ذلك راجع لطبيعة الحكايتين العجائبية، وهو ما دعا بارث لاعتبار الوحدات الإدماجية أكثر حضورا في الأعمال السردية الأكثر تعقيدا كالروايات النفسية6، وبالعكس نجدها أقل في الروايات العجيبة لكونها لا تومئ بل تصرّح وتتشكل أفقيا حضوريا وهذا يضعّف الوحدات الإدماجية مقابل الوحدات التوزيعية.
ويمكن التمثيل لحضور الوحدات الإدماجية في الحكايتين بالشكل التالي:
2-3- الراوي وطرائق عرضه للأحداث في الحكايتين:
يعد الراوي المكلّف بسرد الأحداث داخل نص الرواية/ الحكاية، ويتم ذلك وفق التتابع الزمني لها7، ومن جهة أخرى يعد الراوي شخصية متخيّلة مثله مثل بقية الشخصيات داخل العمل الروائي، حيث ينوب الكاتب في السرد8، كما أنه يقف بين الروائي والمتلقي لهذا يعد “الوسيط الدائم بين المبدع والمتلقي”9. أما حضوره في الحكاية فيأخذ أشكلا مختلفة، حيث قُدّمت عدة دراسات تفسّر طبيعة حضوره، نختار منها ما قدّمه(جان بويون)”Jean-Pouillon” في كتابه “الزمن والرواية”0، الذي ربط فيه بين رؤية الراوي داخل الرواية بعلم النفس، ثم قسّم أشكال الراوي حسب مدى إدراكه وعلمه بالأحداث مقارنة بالشخصيات الموجودة داخل الرواية1 إلى:
الرؤية مع. 2- الرؤية من الخلف. 3- الرؤية من الخارج.
وفي الحكايتين يمكن ملاحظة أغلب هذه التشكيلات في تقديم السرد ولكن بنسب متفاوتة، حيث نجد الرؤية من الخلف هي الغالبة حيث الراوي عالم بكل ما يدور في خلد الشخصية وما سيحدث من أحداث وهذا الحضور الطاغي لشكل الراوي نجده عبر مسار الحكايتين، حيث تنطلق مثلا حكاية العدواني بقول الراوي:”كما حكي أن رجلا بمدينة طنجة كان أبوه ذو© مال… ” يظهر أن الراوي عالم بالأحداث ويحكي من الخلف، ونجد الأمر عينه في الخيميائي حيث يقول الراوي في البداية :”كان يدعى سنتياغو..”3 فينطلق السرد والراوي يعرف كل ما سيحدث كما أنه يعرف تاريخ الشخصية، وهذا يجعلنا مجددا نصل لاقتراب الحكايتين من حيث الراوي. كما يمكن ملاحظة التطابق بينهما في أشكال الراوي الأخرى التي ظهرت بشكل متقطّع ومتفاوت في الحكايتين، فمثلا لما أخذت شخصية البطل في الحكايتين زمام السرد حين ألقي عليه القبض نجد الراوي أصبح مساو للشخصية الحكائية فلا يعلم أكثر منها وهذا متشابه في الحكايتين، فمثلا في حكاية العدواني يقول الراوي/الشخصية:”يا سيّدي، مجنون أصابني الفقر….”4 فنجد أن الراوي والشخصية متساويين، والأمر ذاته نجده في الخيميائي في ذات الموقف حيث يقول:”أبحث عن الكنز”5، وعليه يظهر التقارب الكبير بين تشكيلي الراوي في كلتا الحكايتين مما يثبت مجددا أنهما خرجتا من مصدر واحد.
الخاتمة:
من خلال ما تقدّم نلاحظ بوضوح اقتراب الحكايتين لدرجة التطابق في بعض المسارات، رغم اختلافهما في بعض التفاصيل خصوصا ما تعلّق بعقيدة ودين البطل، ففي حكاية العدواني يظهر أنه مسلم من خلال العبارات الدينية التي غطّت المتن، أما بطل حكاية الخيميائي فهو مسيحي ودليل ذلك اسمه وما صرّح به في رحلته، لكن رغم الاختلاف في الدين إلا أن الحكاية ظلت ذاتها على مستوى الفضاء وإيقاعه وعلى مستوى وظائف الشخصيات، أو تشكيلات حضور الراوي، وعبر هذه المحددات يمكن الحكم بأن الحكايتين من مصدر واحد، وانطلاقا من أنّ باولو كويلو متأخر بالنسبة للعدواني فنرجّح أنه اطّلع على هذه الحكاية ونسوق ثلاثة احتمالات لذلك:
  الاحتمال الأول هو أن باولو كويلو اطّلع على كتاب تاريخ العدواني في أحد ترجماته التي قام بها شارل فيرو سنة 1867م ونشرتها مجلة روكاي. خصوصا لعلمنا أن كويلو مهتم بتاريخ الحضارات، والمجتمعات البدائية وديانات الشرق.
  الاحتمال الثاني هو أن التشابه ناتج من باب توارد الأفكار وتشابه التصوّرات بين المؤلفين، رغم اختلاف طبيعة النصين (تاريخي/ روائي).
  الاحتمال الثالث هو وجود هذه الحكاية وانتشارها في التراث الشعبي القصصي في منطقة شمال إفريقيا منذ زمن، وقد اطّلع باولو كويلو على هذه الحكاية من مصادر مختلفة.
ومهما يكن احتمال التشابه تظل الحكايتان متماثلتين لحد التطابق، وهذا على مختلف مستويات مقوّمات الحكاية، مما يقدّم دليلا واضحا على إمكانات التراث في تقديم مادة خام للسرد الحديث، وهذا يدفعنا للبحث أكثر في التراث الشعبي للكشف على وجوهه المختلف وكيف يمكن الاستفادة منه في تقديم نصوص سردية حديثة مفعمة بالحركة والتوالد الدلالي كما هو الحال في نص رواية الخيميائي.
الإحالات:
عنوان الحكاية، مدينة طنجة ومدينة الجزائر، وهي بين ص 287 و289 من كتاب تاريخ العدواني، لمحمد بن محمد بن عمر العدواني، تقديم وتعليق أبو القاسم سعد الله، دار البصائر، الجزائر، الجزائر عاصمة الثقافة العربية، 2007.
هذا العنوان وغيره من وضع المحقق واختياره، كما أشار في مقدمته.
ينظر، طاهر عبد مسلم، عبقرية الصورة والمكان، التعبير- التأويل، النقد، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2002م، ص 23.
اقرا ايضا :الشيخ حبيب الكاظمي : الطاعة التكوينية في السجود
ينظر، حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان، الدار البيضاء –المغرب، دط، 1990م، ص 31.
ينظر حميد لحمداني، بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1991، ص64.
ينظر، محمد صابر عبيد، سوسن البياتي، جماليات التشكيل الروائي، دراسة في الملحمة الروائية (مدارات الشرق)، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 2008م. ص 238.
ينظر، حميد لحمداني، بنية النص السردي، ص 65.
ينظر، سعيد بنكراد، مدخل إلى السيميائية السردية، (سلسلة مناهج 4)، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط2. ص 88.
ينظر، يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ط2، 1999م. ص 20.
ينظر، حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 35.
ينظر، محمد بوعزة، الدليل إلى تحليل النص السردي، تقنيات ومناهج، دار الحرف للنشر والتوزيع، المغرب، ط1، 2007م، ص 80.
0 باولو كويلو، الخيميائي، الطبعة العربية الأصلية، دط، ص 07.
1 محمد بن محمد بن عمر العدواني، تاريخ العدواني، تقديم وتعليق أبو القاسم سعد الله، دار البصائر، الجزائر، الجزائر عاصمة الثقافة العربية، 2007. ص 287.
2 رولاند بارث، النقد البنيوي للحكاية، ترجمة، أنطوان أبو زيد، منشورات عويدات، بيروت، باريس، ط1، 1988، ص 131.
رولان بارت (Roland Barthes) فيلسوف فرنسي، وناقد أدبي، ومنظر اجتماعي، وُلد في 12 نوفمبر 1915 وتُوفي في 25 مارس 1980، له عدة أعمال في المجال السردي منها، النقد البنيوي للحكاية.
3 حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 52.
4 رشيد بن مالك، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، عربي- انجليزي- فرنسي، ص 15.
5 ينظر حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 52.
6 ينظر، المرجع نفسه، ص 28.
7 ينظر رولاند بارث، النقد البنيوي للحكاية، ص 105.
  الوحدات التوزيعية لا تختلف عن الوظائف كما حددها بروب، أو الحوافز كما سماها توماتشفسكي من قبل. ينظر حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 29.
ينظر، حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 29.
اقرا ايضا :الشيخ سعيد الصرفندي: نظرة إلي النشأة السياسية للفرق الإسلامية وهروبها “الغبي” من تاريخ الخلافة الأموية
تاريخ العدواني، ص 287.
باولو كويلو، الخيميائي، ص 07، ص 08، ص 19.
ينظر، حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 30.
تاريخ العدواني، ص 288.
باولو كويلو، الخيميائي، ص 193، ص 194.
تاريخ العدواني، ص 289.
باولو كويلو، الخيميائي، ص 198.
ينظر، رولاند بارث، النقد البنيوي للحكاية، ص 107.
ينظر، مراد عبد الرحمن مبروك، جيوبوليتيكا النص الأدبي، تضاريس الفضاء الروائي نموذجاَ، دار الوفاء للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، ط1، 2002م. ص 13.
ينظر، عمر محمد عبد الواحد، شعرية السرد، تحليل الخطاب السردي في مقامات الحريري، دار الهدى للنشر والتوزيع، المنيا، ط1، 2003م. ص 09.
طه وادى، الرواية السياسية، دار النشر للجامعات المصرية، مصر، ط1، 1417هـ/ 1996م. ص 89.
جان بويون “Jean-Pouillon” ناقد فرنسي، يُعزى له التفصيل في وجهة النظر أو زاوية الرؤية، وذلك من خلال كتابة ” الزمن والرواية” الصادر سنة 1945م، لكن تجدر الإشارة أن الناقد الروسي توماتفسكي كان سباقا للإشارة لوجهة النظر وذلك من خلال ما نشره حول نظرية الأغراض سنة 1923م، ينظر حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 47.
ينظر، سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي ( الزمن- السرد- التبئير)، ص 287، ص 288.
ينظر، عمر محمد عبد الواحد، شعرية السرد، ص 31.
الخطأ النحوي موجود في نص الحكاية والصحيح “ذا”، ولم نشأ التغيير في النص الأصل كما فعل المحقق من قبل، ينظر مقدّمة تاريخ العدواني، ص 26.
تاريخ العدواني، ص 287.
باولو كويلو، الخيميائي، ص 07.
تاريخ العدواني، ص 288.