مقال فلسفي : حركة الترجمة في العالم الإسلامي وتطور الأفكار العلمية والفلسفية ..حلال اسماعيل

مقال فلسفي : حركة الترجمة في العالم الإسلامي وتطور الأفكار العلمية والفلسفية



الكاتب :
حلال اسماعيل
أستاذ مادة الفلسفة بمدينة خنيفرة.

طالب باحث في سلك الدكتوراه- تخصص الفلسفة– كلية الآداب والعلوم الإنسانية- مكناس.

مقال : حركة الترجمة في العالم الإسلامي وتطور الأفكار العلمية والفلسفية:

تحميل المقال : اضغط هنا

ملخص:

الترجمة و سيلة فعالة تمثل صلة وصل بين الحضارات في جميع الميادين و المجالات الفكرية، كما أنها أيضا وسيلة تعبر عن قوة و عمق منظومة فكرية ( نظرية) في استيعاب مجموعة من الأفكار العلمية و الفلسفية و غيرها من المعارف. و قد شكلت الترجمة عبر التاريخ من أهم الروابط المعرفية بين مختلف الحضارات، إذ ساهمت في تقدم مجموعة من المجتمعات بفعل ترجمة معارف و مخطوطات علمية و فلسفية، من لغة إلى أخرى قصد الاشتغال عليها نظريا و الاستفادة منها عمليا، و لذلك تعتبر الترجمة من بين أهم العوامل الأساسية التي ساهمت في ازدهار وتطور مجموعة من المعارف و الاشكالات الفلسفية و العلمية في العالم الإسلامي، و ذلك بعد ترجمة مجموعة من الكتب و المخطوطات من اليونانية و السريانية إلى اللغة العربية. و الترجمة كما نعلم ليست مجرد نقل حرفي من لغة إلى أخرى، بل الترجمة تحمل في ثناياها إشكالات نظرية تؤدي إلى ظهور تقاليد علمية و فلسفية جديدة رصينة وأصيلة، لأن الترجمة تحمل معها اشكالات نظرية و فلسفية وعلمية، و ليست مجرد نقل حرفي أو عملية تقنية. من هنا سننطلق من الأسئلة التالية لمحاول فهم الوظيفة النظرية للترجمة عبر التاريخ : ماهي الأسباب و العوامل التي ساهمت في بروز حركة الترجمة في العالم الاسلامي؟ و ما هو الدور الذي تلعبه الترجمة في تطور الأفكار النظرية، العلمية و الفلسفية؟

الترجمة وأهميتها في تطور الأفكار والأنساق الفلسفية:

يحكي ابن النديم، صاحب ( الفهرست) الذي عاش في القرن الرابع/العاشر أن قرار الخليفة المأمون بتمويل اقتناء المخطوطات العلمية والفلسفية اليونانية وترجمتها إنما جاء بعد أن رأى في منامه أنه يتحدث مع أرسطو شخصيا. وفي الواقع لم يكن الأمر إلى هذا الحد من البساطة. ويبدو أن الملوك المسلمين المنتمين إلى الدولة الأموية قد أخذوا منذ نهاية القرن الأول/السابع يبحثون عن بعض الكتب التي تعتبر مفيدة لإدارة شؤون المملكة، مثل المؤلفات التي كان من شأنها أن تنبئ بالوقائع بفضل الوسائل التنجيمية، أو الكتب التي كانت تتضمن بعض المعارف الحربية. إلا أنه مما لا شك فيه أن الخطوة الحاسمة الأولى لظاهرة الترجمة تحققت في عهد العباسيين، أيام المنصور ثاني خلفاء تلك الدولة. ففي عهده وبمبادرة منه ترجم أول كتاب هندي في علم الفلك والرياضيات من اللغة السنسكريتية إلى اللغة العربية. وجسد ذلك أول عمل رسمي لرعاية العلوم من لدن الدولة”. ولذلك فإن قراءة و متابعة تاريخ الحضارات الانسانية الكبرى يكشف لنا العلاقة الوطيدة بين النهضة الفكرية و الاجتماعية من جهة، و الترجمة من جهة ثانية. و هذا ما يؤكده الدور الذي لعبته الترجمة في العالم الاسلامي، و كذلك في اروبا ابتداء من القرن الثالث عشر. و في هذا السياق فإن حركة الترجمة في العالم الاسلامي بشكل خاص كانت بمثابة لحظة اساسية في التقعيد لمجموعة من العلوم و الافكار الفلسفية، فمن خلالها ثم التعرف على ما أنتجته الحضارات السابقة و خصوصا الحضارة اليونانية. و قد أكدت “و استقرت كتابات المتخصصين على أن هذه الحركة العلمية النشيطة، تحققت عبر مراحل أربعة: الأولى عملية نقل علوم الأوائل أيام الدولة الأموية و هي المرحلة التي امتدت ستين عاما. و الثانية هي الفترة الممتدة من خلافة المنصور إلى وفاة هارون الرشيد، و هي التي نبغ فيها من المترجمين: يوحنا ابن البطريق، ابن المقفع، يوحنا ابن ماسوية… و الثالثة هي مرحلة الازدهار، حيث توالت ترجمات حنين ابن اسحاق و مدرسته. الرابعة و الأخيرة هي الفترة الممتدة من مطلع القرن الرابع الهجري إلى منتصف القرن الخامس، و فيها من المترجمين: أبو بشر متى ابن يونس، أبو سليمان السجستاني، أبو عثمان الدمشقي أبو علي عيسى ابن زرعة.” . ففي هذا الاطار التاريخي تأسست حركة الترجمة بالتدريج في العالم الاسلامي، و قد ساهمت مجموعة من الظروف و العوامل السياسية و الاجتماعية في الاقبال على عملية الترجمة. و خصوصا في العصر العباسي، لأن الترجمة في العصر العباسي تحولت إلى عملية مؤسساتية منظمة. أما في العصر الأموي كانت نشاطات الترجمة اليونانية – العربية عبارة عن عملية غير منظمة جاءت كتلبية “لحاجات الزمن التي نشأت عن حكم العرب لشعوب غير عربية. كالوثائق الادارية و البيروقراطية و السياسية و التجارية، و قد كانت شخصية و بدون تنسيق.” أما في العصر العباسي ستتخذ عملية الترجمة طابعا مؤسساتيا منظما، فمع قيام الثورة العباسية و بناء بغداد وانتقال عاصمة الخلافة إلى العراق، قام في بغداد مجتمع متعدد الثقافات، أساسه المزيج السكاني المختلف ديمغرافيا و يتألف من مسيحيين، و يهود ناطقين بالآرامية، وناطقين بالفارسية في المدن، و عرب كان بينهم مسيحيون مستقرون فضلا عن البدو في المناطق الزراعية شمال العراق.”

ازدهار عملية الترجمة في العصر العباسي :

وهناك مجموعة من الأسباب و العوامل وراء ازدهار عملية الترجمة في العصر العباسي على وجه التحديد، و من أشهر الروايات نذكر هاهنا لفهم تبريرات الدارسين لسبب ارتباط الترجمة بالعصر العباسي، و السبب هو:” إن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مشربا حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب أجلح الرأس، أشهل العينين حسن الشمائل، جالس على سريره. قال: المأمون. و كأني بين يديه قد ملئت له هيبة. فقلت من أنت؟ قال أنا أرسطو طاليس. فسررت به، و قلت: أيها الحكيم أسألك؟ قال: سل: قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور…” فهذا الحلم حسب بعض الدارسين كان من أهم الاسباب و الشروط في اخراج و ترجمة الكتب من اليونانية إلى العربية. بمعنى أن هذا الحلم هو الذي دفع المأمون إلى الاقبال على الترجمة و تشجيع المترجمين و النقلة، و توجيه الانظار نحو الإقبال على العلوم و الفلسفة. و من بين العوامل الأخرى التي ساهمت و أدت إلى ازدهار حركة الترجمة و النقل: أولا: شعور المسلمين بضآلة موروثهم المعرفي، العلمي، أمام التراث الهائل الذي تركته الأمم السابقة. ثانيا: حدوث جدل ديني واسع بين المسلمين و أصحاب الديانات الأخرى، فكان منطق أصحاب الديانات الأخرى أبلغ، فاحتاج المسلمون إلى ندب فريق منهم لهذه المهمة – و هم المتكلمون- كما احتاجوا إلى التعرف على طرائق الجدل و البرهان، و علم المنطق، و لا سبيل لمعرفة هذا العلم المدون باليونانية و السريانية إلا بالترجمة. ثالثا: إحساس الدولة الاسلامية بالغرابة اتجاه موروث الأمم السابقة. رابعا: التطور الطبيعي للعلوم مع استقرار الدولة.” فهذه النظرة إلى الترجمة نختزلها في عوامل اجتماعية و نفسية (حلم الخليفة المأمون)، فهذه المقاربة تكاد تبتعد عن المقاربة العلمية، لأن التركيز فقط على الشروط و العوامل الاجتماعية لعملية الترجمة يبعدنا عن الدراسة العلمية الرصينة، لأن مثل هذه المقاربة لا تكاد تختلف على بعض المقربات الاستشراقية للفلسفة و العلوم، في المرحلة الوسيطية في العالم الاسلامي. لأن هناك مجموعة من الباحثين و الدارسين للمرحلة الوسيطية يركزون في قراءتهم و مقاربتهم لتاريخ الأفكار ( الفلسفة-العلمية) في العالم الاسلامي على مسائل دينية أساسية، لا تخرج عن نطاق علم الكلام و هذا ما يؤدي إلى تجاهل و تغييب القضايا و الاشكالات العلمية و الفلسفية الاساسية في هذه المرحلة. فهذا إميل برييه: ” يؤكد أن النظر العقلي كله تركز حول مسألتين لاهوتيتين خالصتين: نفي التعدد في الله، و نفي كل قدرة أخرى غير قدرة الله. و بصدد النقطة الاولى كان علماء الكلام المسلمون يتساءلون كيف يمكن وصف الله، وهو الواحد، بأنه رحيم عليم عادل. و قد غلا بعضهم حتى نفى عن الله هذه الصفات. بينما اعتبرها بعضهم الثاني، بدون أن ينفيها مجرد كيفيات وجودية، بها تتجلى ماهية الله…”. فهذا النقاش المتعلق بعلم الكلام كان مطروحا بطبيعة الحال في العالم الاسلامي ولكن المشكلة تكمن حينما يتم اختزال مرحلة تاريخية تمتد لقرون في هذا الإشكال المتعلق بعلم الكلام. إذ، غالبا ما يتم استبعاد الجانب العلمي و الفلسفي و اختزال كل ما ثم إنجازه في العالم الاسلامي خلال العصر الوسيط في قضايا علم الكلام . و لذلك نجد مجموعة من الدراسات حول تاريخ الفلسفة و العلم في العصر الوسيط بشكل عام و تحديدا حول المرحلة العربية الاسلامية ترتكز على بعض القضايا الكلامية و تجعل منها قضايا مركزية و تغيب بذلك الاشكالات العلمية و الفلسفية، التي اهتم بها العلماء و الفلاسفة المسلمين في مجالات علمية مختلفة ( الفلك، الفيزياء، البصريات…) بعد ترجمة الكتب و المخطوطات الفلسفية و العلمية اليونانية إلى العربية.* إضافة إلى ذلك فهذه المقاربات و الدراسات حتى حينما تستحضر العلاقة بين الأفكار النظرية العلمية-الفلسفية و الدين تغلب منطق الصراع و التناقض بين الفلسفة و الدين، عوض الاعتماد على المقاربة العلمية، لأن اعتماد منطق الصراع بين الأفكار قد يتحول إلى عائق يحول دون فهم العلاقة بين الاشكالات و الافكار الفلسفية و العلمية، و هذا ما نجده لدى إميل برييه الذي يقول: “انتشر التأثير اليوناني المناقض لهذا العلم الكلامي، بفضل الكتب التي نقلها من اليونانية إلى السريانية بوجه خاص. وكان في جملة ما نقلوه، في مدرسة الرها( 431-489) أولا ثم في أديرة سورية. و أخيرا في القرن السابع في قنسرين على الفرات، الأورغانون لأرسطو و كتاب في العالم المنسوب إلى أرسطو، و مؤلفات جالينوس. و في القرن التاسع بعد تأسيس بغداد، نقلت إلى العربية كتب كثيرة سواء من السريانية أو اليونانية، و أنشأ الخليفة نفسه في عاصمته سنة 832 شبه معهد للمترجمين. و في أواخر القرن التاسع ترجمت مجموعة من كتب أرسطو إلى العربية (مثلا كتاب السياسة). مع شروح الاسكندر و فورفوريوس وثامسطيوس و أمونيوس و يوحنا فيليبون … أما في الطب فقد نقلت إلى العربية كتب جالينوس و في الفلك كتاب المجسطي لبطليموس” إضافة إلى ذلك يؤكد “إميل برييه” أن فهم أرسطو في العالم الاسلامي هو فهم ناتج عن كتابان منسوبان إليه خطأ “فنحو عام 840 نقلت إلى العربية، باسم كتاب الربوبية لأرسطو مقتطفات مختارة من سبع مقالات من اخر ثلاث تاسوعات لأفلوطين ، و قد سبقت الترجمة بتصدير تضمن عرضا مقتضبا للنظرية الافلاطونية المحدثة في الأقانيم. هذا التصدير يضيف إلى ثلاثية الله و العقل و النفس (وكل حد في هذه الثلاثية يشتق من سابقه) حدا رابعا هو الطبيعة التي تشتق من النفس، و يقابل كل حد من هذه الحدود الأربعة بعلل أرسطو الأربعة: الغائية و الصورية و المحركة و الهيولانية. و كان من بين المقتطفات تمام المقالة الثانية من التاسوعة الخامسة، و فيها تلخيص كل مذهب أفلوطين. أما الكتاب الثاني المنسوب خطأ إلى أرسطو فهو كتاب العلل و يتضمن مقتطفات من ” مبادئ الالهيات لبيروقلس.” فحسب إميل برييه، فهذه هي أهم المؤثرات التي وجهت الفلسفة والعلم في العالم الاسلامي بعد عملية الترجمة، و ربما السبب في هذا القول الذي يكاد يكون حكما مسبقا، هو غياب القراءة و المقاربة النسقية و العلمية لتاريخ الافكار النظرية بشكل عام و في العالم الاسلامي الوسيطي بشكل خاص. و لهذا نجد إميل برييه يختزل الفلسفة الاسلامية في كتابه “تاريخ الفلسفة: العصر الوسيط و النهضة” في صفحات محدودة مقتصرا فقط على ذكر الكندي و الفارابي و بعض الشذرات و التعريفات الضئيلة لابن سينا و الغزالي، ثم بعض الفقرات حول أبن باجة، و ابن طفيل، و ابن رشد. مقتصرا فقط على التعريف بهم دون الاشارة إلى الاشكالات الفلسفية و العلمية التي اشتغل عليها الفلاسفة في العالم الاسلامي. و هذا الأمر يجعلنا نتساءل حول طبيعة هذه المقاربة التي اعتمدها “إميل برييه” باعتباره أحد المؤرخين و الدارسين الكبار لتاريخ الفلسفة، لكن هذه المقاربة غلبت منطق الحكم (الحكم المسبق) على منطق الفهم الرصين و المعرفة، و كأن هذه المرحلة لم تعرف إلا سجالات كلامية دينية فقط، مع التركيز على طابع التناقض بين الفلسفة في صيغتها اليونانية مع علم الكلام، و هنا تتجلى أهمية مقاربة تاريخ الأفكار العلمية و الفلسفية مقاربة نسقية و ابيستمولوجية بعيدا عن الخلفيات و المقاربات الايديولوجية، الاستشراقية و التمجيدية. لأن ذلك قد يحول دون فهم منطق تطور الأفكار العلمية و الفلسفية.* و لذلك سنعمل هنا على توضيح السياق العلمي أو العوامل التي أدت إلى الاقبال على عملية الترجمة في العالم الاسلامي، لكي نميز بين منطق العمل و منطق النظر في عملية الترجمة، و سأركز في هذا المحور على المنطق الاول، الذي يمكن ترجمته إلى السؤال الآتي:

ماهي أهم الشروط و العوامل التي أدت إلى الاقبال على عملية الترجمة في العالم الاسلامي؟

هل تم التعامل مع عملية الترجمة كوسيلة لأغراض عملية سياسية دينية أم أن الترجمة حملت في ثناياها أيضا إشكالات فلسفية و علمية أدت إلى بناء نسق فلسفي و علمي جديد؟ من خلال مجموعة من الدراسات العلمية و الفلسفية و التاريخية يبدو أنه و بفضل الترجمة بلغ تأثير الفلسفة اليونانية في الفكر العلمي و الفلسفي في العالم الاسلامي أقصى فاعليته. بعد انتشار المؤلفات الفلسفية و العلمية و خصوصا في القرن التاسع. لأنه “كانت هناك اعتبارات عملية دعت إلى نقل المؤلفات العلمية و الطبية القديمة إلى العربية، التي انحصرت بادئ ذي بدئ في علوم نفعية أو شبه نفعية كالطب و الكيمياء و التنجيم”. فعملية الترجمة كما أسلفنا الذكر لم تبدأ جديا إلا في العصر العباسي، حيث أدخل الخلفاء في خدمتهم أبرز الاطباء و العلماء و المنجمين، و لهذا السبب ركزت عملية الترجمة في البداية على المؤلفات و الكتب العملية، التي يمكن توظيفها لبناء الدولة العباسية و تحصينها سياسيا و اجتماعيا. *”لأن الانتفاضات السياسية التي تلت سقوط السلالة الأموية و انتقال الخلافة إلى العباسيين، قد أقنعت هؤلاء بأن مصير الانسانية، و قيم الدول و انحلالها، هي اسرار محفوظة في ثنايا النجوم، و أنه من شأن الحكماء و حدهم رموزها و الكشف عن خفاياها.” و في هذا السياق العلمي –السياسي و الاجتماعي و الديني- ثم تأسيس “بيت الحكمة” الذي أنشأه المأمون* في بغداد سنة 830. و جعل منه مؤسسة رسمية و مكتبة للترجمة و البحث، و أرسل و فودا إلى بلاد الروم لطلب كتب و مخطوطات في العلوم القديمة، و العمل على ترجمتها إلى العربية من طرف مجموعة من المترجمين من بينهم “يوحنا بن ماسويه، و الحجاج بن مطر، و يحي بن البطريق، و حنين ابن اسحاق، و اخرين …فحاجة المجتمع الاسلامي العملية للعلوم هو من بين العوامل الأساسية و راء الاقبال على ترجمة الكتب و المؤلفات و الاهتمام بالعلوم. إذ “أعطى المجتمع الاسلامي بعد نشأته، دفعة لازدهار العلوم بنوعيها النقلية ثم العقلية، رغم أنه ليس في وسع الباحث إدراك جميع الأسباب الاجتماعية لميلاد هذه الحركة العلمية العقلية لفهم أسباب اتساعها و انتشارها، ورغم عدم توفر دراسات تاريخية دقيقة جدا عن المجتمع الاسلامي و نظمه الاقتصادية و مؤسساته، فإن ما لا يمكن إنكاره هو وجود ارتباط قوي ووثيق بين العلم وحاجات المدينة الاسلامية”. بمعنى أن مجموعة من العلوم تم الاهتمام بها و ترجمتها لأغراض و أهداف سياسية و اجتماعية و دينية، فالجبر الحسابي مثلا تم توظيفه من طرف الفقهاء و تطبيقه على المسائل الشرعية الخاصة بالمواريث و الوصايا و فقا للتعاليم الدينية، كما تم الاهتمام بعلم الفلك أيضا لدواعي عملية تتمثل في محاولة تحديد القبلة و مواقيت الصلاة، و هذا ما يوضح ان استجلاء العلوم اليونانية إلى العالم الاسلامي في العصر العباسي نشأ بدافع الحاجة إليها و لم يكن مجرد ترف فكري، لذا “كان طابع العلم العربي-الاسلامي هو الطابع العملي، إذ حمل الوعي الاجتماعي و التوجه البراغماتي للحياة التجارية و الطابع الحضري المديني للحياة، كما اصطبغ اساسا بالمصالح الاجتماعية، و بذلك لم يقع تحت هيمنة الفكر النظري الخالص”. و لهذا السبب يبدو أن أغلب الدراسات حول التقليد العلمي و الفلسفي في العصر الوسيط، تركز على الجانب السوسيولوجي للاهتمام بالعلم، لكن الاقتصار عل المقاربة السوسيولوجية قد يحول دون فهم أهم الاشكالات النظرية خلال العصر الوسيط في العالم الاسلامي، كما أن الاقتصار على المقاربة السوسيولوجية فقط (منطق العمل) هو ما يجعل بعض الباحثين يسقطون أحكام جاهزة و غير علمية على الاسهامات النظرية في العالم الاسلامي، إذ يتم اختزال هذه المرحلة إلى مجرد مرحلة للترجمة و النقل، و إلى مجرد سجالات كلامية. و لهذا السبب سأحاول توضيح أهمية الاعتماد على المقاربة السوسيولوجية أو ما يسمى بسوسيولوجيا المعرفة لكن في حدود معينة، نظرا لأهميتها في فهم السياق التاريخي و الاجتماعي لظهور و تطور الافكار الفلسفية و العلمية في مرحلة تاريخية محددة. لأن “فهم الملابسات المقامية للفاعلية العلمية يحتاج إلى الدراسة السوسيولوجية، فكل معرفة تمتلك بعدا اجتماعيا، و العلماء أعضاء فاعلون في مجتمع ما. و التحليل السوسيولوجي مهم لأنه يدرس العلاقات الاجتماعية التي تحيط بالنشاط العلمي و توجهه” فالمقاربة السوسيولوجية هي من بين المداخل الاساسية التي لا يمكن انكار أهميتها أيضا في قراءة و فهم تطور الفلسفة و العلوم في العصر الوسيط و تحديدا في العالم الاسلامي، فمن خلال هذه المقاربة يتضح أن مجموعة من العلوم التي تمت ترجمتها، كان ذلك لأهداف عملية ولم يحدث ذلك من قبل حب الاطلاع، و إنما حدث لاعتبارات إدارية و معيشية كانت الدولة الناشئة تتعهد بإرسائها، و لذلك لم تكن هذه المبادرات مبادرات فردية حبا في الفكر و الاطلاع عل انتاجات الحضارات الأخرى، بل كان استجابة – عملية نفعية- لبناء و تأسيس الدولة على دعائم متينة. و لهذا الهدف احتضنت “بيت الحكمة” مجموعة من العلماء و الأطباء و الفلكيين و أصحاب الصناعات المختلفة و ترجموا مختلف العلوم التي تبحث في شتى العلوم و الفنون والمعارف.

أهم الكتب التي تمت ترجمتها نذكر بعض منها:

كتب أرسطو: “المقولات”. “العبارة”. “الكون و الفساد”. “في النفس” . كتاب ‘بطليموس ” المجسطي”. كتاب فورفوريوس “الإيساغوجي”. ثم كتب أخرى كثيرة لأفلاطون و جالينوس و أبقراط…إضافة الى كتب علمية وفلسفية أخرى لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا. و بعد عملية ترجمة الكتب و المؤلفات، وتوظيف بعضها لأغراض عملية، ستظهر مرحلة جديدة بعد الترجمة، هي مرحلة التأسيس لنسق علمي جديد في العالم الاسلامي، و هذا الانتقال من عملية الترجمة إلى ما بعد الترجمة هو ما سميته بالانتقال من منطق العمل إلى منطق النظر –العلمي الفلسفي-. و بعض الباحثين الذين يصدرون أحكاما تبدو غير علمية حول الفلسفة الاسلامية بكونها مجرد نقل و ترجمة، فإنهم يقفون فقط على الجانب الأول الذي سميناه منطق العمل، كما يختزلون كل الاسهامات الفلسفية في علم الكلام فقط، دون البحث في أصل الاشكالات الفلسفية و العلمية التي اشتغل عليها مجموعة من الفلاسفة و العلماء في العالم الاسلامي، و هكذا تتضح مدى أهمية استحضار المقاربة الابيستيمولوجية للبحث و الكشف عن منطق تطور الأفكار و الاشكالات العلمية، لأن المقاربة السوسيولوجية رغم أهميتها فقد تعجز عن كشف و رصد المنطق الذي يحرك تاريخ الأفكار النظرية –العلمية و الفلسفية- “إذ صحيح أن الدراسة السوسيولوجية تساهم في استكمال النظرة إلى النشاط المفهومي في العلم. فلا تسكن المفاهيم العلمية في عالم مفارق، بل تنبع من التقليد الثقافي المرتبط بعلاقات وثيقة مع المجتمع. لكن هل تتحكم القوى المجتمعية السائدة في المضامين التي تأتي بها القوانين العلمية؟ هل المجتمع هو الذي يربط الظواهر بشروط معينة دون أخرى؟ هل المجتمع هو الذي يملي على العلماء صيغ الاستدلال و البناء؟ و هل يمكن أن يقوم التناول السوسيولوجي مقام التحليل الابيستمولوجي” .و بخصوص هذا السؤال الأخير، فلا يمكن الاستغناء عن المقاربة الابيستيمولوجية لأن التحليل الابيستيمولوجي كما أسلفنا الذكر هو المدخل الأساسي لفهم الميكانيزمات و الاشكالات الداخلية المحركة لتطور الأفكار العلمية. أما العوامل الاجتماعية فهي قد تساهم أحيانا في تطور الأفكار و ذلك باحتضانها داخل مؤسسات، كما هو الحال في العصر العباسي بعد تأسيس “بيت الحكمة”، بمعنى أن الشروط الاجتماعية و السياسية هي مجرد عوامل ثانوية قد تسرع أو تبطئ أحيانا في تطور الأفكار العلمية و الفلسفية. و لهذا السبب يتضح أن “التحليل السوسيولوجي يرتكز فقط على العوامل الخارجية التي قد تساعد في تطور العلم كما قد تعيق أحيانا أو تبطئ من تقدم العلم. و لهذا فمجموعة من الدراسات التي أنجزت حول تاريخ العلم و الفلسفة حول العصر الوسيط ركزت بشكل على الجانب السوسيولوجي، غير أن الاقتصار على المقاربة السوسيولوجية قد يجعل ذلك الباحث عاجزا عن فهم المنطق الداخلي الذي يحرك تاريخ العلم، مما يجعل بعض الباحثين يشرعون في اصدار بعض الاحكام الجاهزة و غير المبنية علميا حول مرحلة تاريخية من مراحل تطور العلم*، كما هو الحال مع الباحث “توماس جولد شتاين” الذي يرى أن “العلم في العالم الاسلامي كان يستمد إلهامه من الملاحظة الممتعة لتنوع الطبيعة و استخدامات سخائها. و لم يهتم كثيرا بتأسيس سيطرة العقل على الطبيعة من خلال أنساق فلسفية محكمة” من هنا تتضح أهمية المقاربة الابيستمولوجية لتاريخ الأفكار العلمية، و هذه المقاربة للأفكار في العصر الوسيط و خصوصا في العالم الاسلامي نجد لها حضورا في بعض الدراسات و لدى مجموعة من الباحثين الذين اهتموا بتاريخ العلوم في العصر الوسيط، و من أبرز هؤلاء الباحثين “الدكتور عبد الحميد صبرة”*، و “جورج صليبا”* و “مصطفى نظيف”* و “رشدي راشد”* و “الدكتور محمد أبطوي” إضافة إلى باحثين اخرين قدموا مجهودات علمية كبيرة من أجل إخراج ميدان تاريخ العلوم في العالم الاسلامي الوسيط من عزلته الأكاديمية و وضع حد لقلة الاهتمام بالإشكالات النظرية و نتائجها، و العمل على توضيح أهمية الاسهامات العلمية للحضارة الاسلامية الكلاسيكية في تقدم العلوم، لأن دور العلماء المسلمين لم يقتصر فقط على الترجمة بل مارسوا العلم أيضا في مختلف الميادين و المجالات العلمية، و هو ما شكل أرضية نظرية لتطور الفلسفة و العلوم انطلاقا من القرن الثاني عشر و الثالث عشر في أروبا. لأن النهضة العلمية الحديثة تدين بشكل كبير لتلك الجهود و الاسهامات التي قدمها مجموعة من العلماء و الفلاسفة في ميادين مختلفة، كالفلك و الطب و الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء… و في هذا السياق نجد الباحث “أحمد جبار” يدعو إلى تجاوز ذلك الحيف و الاقصاء تجاه التقليد العلمي و الفلسفي في العالم الاسلامي. « c’est pourquoi nous avons entrepris de rédiger ce Modest ouvrage , à la fois pallier une insuffisance et pour contribuer à réparer une injustice historique » تأسيسا على ما سبق يتضح أن عملية الترجمة ساهمت بشكل كبير في نقل مجموعة من الكتب و المؤلفات العلمية من اليونانية و السريانية إلى اللغة العربية و خصوصا في العصر العباسي الذي ازدهرت فيه عملية ترجمة الكتب و المخطوطات العلمية بدعم و إيعاز من الخلفاء العباسيين و خصوصا بعد تأسيس “بيت الحكمة” سنة 830 من طرف الخليفة العباسي المأمون، الذي فتح مجالا كبيرا لمجموعة من المترجمين و تحفيزهم لترجمة أكبر عدد من الكتب و المخطوطات العلمية و الفلسفية. و هكذا يتضح أن عملية الترجمة لعبت دورا كبيرا في نقل المعرفة واستمرارية الأفكار النظرية، فمجموعة من الحضارات التي أسست لتقاليد علمية و فلسفية انطلقت من عملية الترجمة و هذا ما حدث في العالم الاسلامي، و كذلك في أروبا خلال القرنين الثاني عشر و الثالث عشر . إذ بواسطة الترجمة تم نقل التراث اليوناني و العربي الاسلامي، خصوصا إلى أروبا، حيث “أتاحت هذه الجهود الخارقة في الترجمة للغرب الحصول على أعمال أرسطو و شراحه إلى جانب الأعمال الأساسية الأخرى اليونانية و العربية”*. فمن خلال الأعمال الفلسفية و العلمية و الشروحات و الاسهامات التي قدمها الفلاسفة و العلماء في العالم الاسلامي، سيتم التأسيس لنسق و تقليد علمي في أروبا ابتداء من القرن الرابع عشر. بعد ترجمة مجموعة من الأعمال و الكتب العلمية إلى اللغة اللاتينية ، لثلة من العلماء و الفلاسفة “كابن سينا” و “ابن الهيتم” و “الخوارزمي” إضافة إلى “أقليدس” و “بطليموس” و “أبقراط” و “جالينوس” و شروحاتها… فهذه الاسهامات النظرية هي التي شكلت أرضية خصبة لتطور العلم الحديث انطلاقا من عصر النهضة. لكن ماهي الشروط النظرية (الفلسفية و العلمية) التي ساهمت بشكل كبير في التطور الذي عرفه تطور العلوم ابتداء من القرن الرابع عشر في أروبا؟ ماهي أهم الاسهامات العلمية التي قدمها الفلاسفة و العلماء في العالم الاسلامي في مجال الأفكار الفلسفية والعلمية ؟

    المراجع

    1.  أحمد جبار: العلوم العربية في عصرها الذهبي. ترجمة عبد السلام الشدادي ومحمد أبلاغ، بيت الفنون والعلوم والآداب،ص.23.  
    2.  الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للرجمة . بحوث و مناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية الفصل الأول : الترجمة في التراث العربي: حركة الترجمة و النقل: درس تاريخي : يوسف زيدان ( ص 37-38 ) مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى . بيروت، فبراير 2000.
    3.  هالة على : الترجمة العربية في نهضتها الأولى : قراءة في كتاب  “الفكر اليوناني و الثقافة العربية دمتري غوتاس”. ترجمة نقولا زيادة. ص: 4
    4.  المرجع نفسه، ص.4.
    5.  ابن النديم: الفهرست، المكتبة التجارية القاهرة، ص. 353. في ذكر السبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة في هذه البلا
    6. الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للرجمة. يوسف زيدان، ص. 44.
    7. إميل برييه: تاريخ الفلسفة، الجزء الثالث، العصر الوسيط و النهضة. ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة للطباعة و النشر. بيروت. الطبعة الثانية . يناير 1988 ص.117.
    8. الاشارة هنا إلى بناصر البعزاتي. المقاربة الابيستيمولوجية للترجمة بدل المقاربة الاجتماعية و السيكولوجية (حلم المأمون) أو الايديولوجية.
    9. . إميل برييه: تاريخ الفلسفة، الجزء الثالث، العصر الوسيط و النهضة. ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة للطباعة و النشر. بيروت. الطبعة الثانية . يناير 1988  ص. 119

    10.  المرجع نفسه. ص.119.

    11. *  بخصوص عملية الترجمة و دورها في تطور و ازدهار الفكر العلمي و الفلسفي في العالم الاسلامي، فهناك خلط في بعض الدراسات بين علم الكلام و الفلسفة. لأن إميل برييه يختزل بشكل من الاشكال الفلسفة الاسلامية في علم الكلام فقط. دون تميزه بين الاشكالات الكلامية و النظرية في تلك المرحلة. لأن “الكندي” منهجيا هو معيار الفصل  في ذلك، إذ يقف على الخط الفاصل ما بين الفلسفة و علم الكلام، ذلك الخط الذي حاول الفلاسفة اللاحقون أن يتجاوزوه بجرأة ربما فلسفية و علمية عميقة.

    12.   ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الاسلامية ، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، الجامعة الامريكية بيروت ، الدار المتحدة للنشر 1979، ص.28.

    13.  العلاقة بين علم الكلام و الفلسفة و العلم في العالم الاسلامي، فهناك قضايا دينية ساهمت في بروز اشكالات علمية و فلسفية.* 

    14.   ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الاسلامية ، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، الجامعة الامريكية بيروت ، الدار المتحدة للنشر 1979. ص.30.

    15.  * المأمون: من أهم الخلفاء العباسين الذين أسس بيت الحكمة سنة 830. و كما يؤكد ماجد فخري في كتابه “تاريخ الفلسفة الاسلامية” انه ليس من بين رعاة العلم اليوناني، * ممن مر بنا ذكرهم، من استطاع أن يضاهي باندفاعه و كرمه و تفوقه الفكري الخليفة العباسي العظيم المأمون، الذي كان عهده نقطة تحول في تقدم الفكر الفلسفي و النشاط الكلامي في الاسلام. إذ كان يرأس مجالس العلماء التي انعقدت حول الجدل في مسائل كلامية و فلسفية بالغة الجرأة، جرى فيها النقاش بحسب أدق قواعد النزاهة الفكرية.

    16.   سالم يفوت، “مكانة العلم في الثقافة العربية” العلوم في المجتمعات الاسلامية: مقاربات تاريخية و أفاق مستقبلية، تحت اشراف محمد أبطوي، الرباط. 16-17 أبريل 2004 ، ص. 15.
    17.   المرجع نفسه. ص. 19.
    18.   بناصر البعزاتي: الاستدلال و البناء: بحت في خصائص العقلية العلمية، دار الأمان الرباط ، المركز الثقافي ، الطبعة الاولى 1999. ص 371.
    19. *  إن اعتماد المقاربة السوسيولوجية  و حدها لقراءة تاريخ العلوم، قد تجعل الباحثين و الدارسين يصدرون أحكاما مسبقة وجاهزة. كما قد تسقطهم في متاهات ايديولوجية (عرقية، لغوية، دينية) تفضل مرحلة تاريخية فكرية على أخرى. كما هو الحال في بعض القراءات و الدراسات الاستشراقية  أو التمجيدية. غير أن المقاربة العلمية الأكاديمية تعلمنا أنه لا يمكن ربط الابداع بحضارة ما دون أخرى، فكل حضارة ساهمت بشكل من الأشكال في تاريخ تطور الأفكار العلمية و الفلسفية، فما يحرك تطور العلوم هو الاشكالات النظرية، كما أن الاشكالات لا دين و لا لغة لها.  

    20. المرجع السابق. ص.377
    21. عبد الحميد صبرة (1924-2013) أستاذ تاريخ علوم وتكنولوجيا مصري ، متخصص في تاريخ علم البصريات والعلم الإسلامي في العصور الوسطى. حصل صبرة على شهادته الجامعية من جامعة الإسكندرية، ثم درس فلسفة العلوم على يد كارل بوبر في جامعة لندن، حيث حصل على درجة الدكتوراه في عام 1955 عن أطروحة في علم البصريات في القرن السابع عشر. درّس في جامعة الإسكندرية بين عامي 1955-1962، ثم في معهد فاربورغ بين عامي 1962-1972، وفي جامعة هارفارد من عام 1972 حتى تقاعده في عام 1996.في بحثه حول “الاعتماد وتطوير العلوم اليونانية على أيدي المسلمين في العصور الوسطى”، عارض نظريات بيير دوهيم التي تقول بأن الثقافة الإسلامية لم تضف أو تحافظ على العلوم اليونانية القديمة، ولكنها استخدمتها وعدلتها فقط بنشاط. تعرف أحيانًا نظريته حول نقل الثقافات للعلوم بين بعضها بشكل غير رسمي باسم “نظرية صبرة. في عام 2005، منحته جمعية تاريخ العلوم ميدالية جورج سارتون عن مجمل أعماله في تاريخ العلوم .توفي عبد الحميد صبرة في 18 ديسمبر 2013.

    22. جورج صليبا مفكر لبناني الأصل يشتغل صليبا منصب أستاذ العلوم العربية والإسلامية في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. أصدر صليبا عشرات الكتب والمقالات المختصة في تاريخ العلوم الإسلامية والفلسفة وتأثيرها على تطور الحضارة الغربية وعلومها في عصر النهضة. وركز صليبا في الكثير من بحوثه على علم الفلك، تاريخه وتطوره في الحضارة الإسلامية واليونانية. من بين مؤلفاته التي صدرت أو ترجمت للعربية “العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية” و”الفكر العلمي العربي؛ نشأته وتطوره” و”تاريخ علم الفلك العربي”. حصل صليبا على العديد من الجوائز من بينها جائزة تاريخ العلوم عن “أكاديمية العالم الثالث للعلوم” عام 1993، كما حصل على جائزة تاريخ الفلك عن مؤسسة الكويت للتنمية عام 1996. يعد جورج صليبا من  أبرز الباحثين في مجال تاريخ العلوم الإسلامية . ويؤكد الدكتور جورج صليبا إن المخطوطات العلمية والشواهد التاريخية تثبت بطريقة علمية مسندة أن العلماء العرب والمسلمين لم يبنوا نظرياتهم في علم الفلك على النظريات اليونانية فقط ، ولكنهم جددوا معايير الفلك، وقدموا حسابات أكثر دقة من الحسابات اليونانية، وهي الحسابات التي تستخدم حتى يومنا هذا، بل وقاموا بتحديد نواقص النظريات اليونانية وقدموا نقد للنظريات القديمة وصححوا الخاطئ منها.

    23.  مصطفى نظيف هو مفكر مصري ( 1971-1893 )  اشتهر بدراسته الرائدة لأعمال العالم الحسن بن الهيثم، وهي دراسة مستفيضة تقارب صفحاتها الألف، ونشرتها جامعة القاهرة في مجلدين، وقد بذل المؤلف جهدًا مضنيًا في قراءة مخطوطات ابن الهيثم،  وقرأ مئات المراجع، وراجع آراء العلماء والفلاسفة حتى يجلي جهود ابن الهيثم، ويخلص إلى حقيقة صادقة، بأن ابن الهيثم قد وضع أسس علم الضوء بالمعنى الحديث، وأنه أبطل علم المناظر الذي كان معروفًا، ووضع أسسًا ونظريات وآراء جديدة لم يُسبق إليها. ويذهب مصطفى نظيف إلى أن أعظم آثار ابن الهيثم في الضوء أنه أبطل نظرية قديمة كانت شائعة تتوارثها الأجيال من عصر
    24. رشدي راشد هو مفكر مصري متخصص في تاريخ العلوم  ولد عام 1936م، بالعاصمة المصرية، القاهرة، حيث درس في جامعتها، ليحصل على ليسانس الفلسفة وهو في العشرين من عمره، ثم ينتقل إلى فرنسا، فيكمل دبلوم الرياضيات من جامعة باريس، وينال دكتوراه الدولة في تاريخ فلسفة الرياضيات في الجامعة نفسها. بعد ذلك شغل رشدي راشد مناصب عدة في المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية عام 1965م، ومنصب مدير أبحاث الابستمولوجيا وتاريخ العلوم في جامعة دنيس ديدرو – باريس، حتى عام 2001م، ومدير مركز الفلسفة والعلوم والفلسفة العربية للعصور الوسطى حتى عام 2001م.   أسس رشدي راشد -فريق بحث في الابستمولوجيا وتاريخ العلوم والمعاهد العلمية. نشر العديد من المقالات والأبحاث والكتب في مختلف الدوريات عن مساهمة العلوم الإسلامية والعلماء المسلمين في تطوير وتقدم العلوم، كما يرأس تحرير دورية العلوم والفلسفة العربية، بجامعة كامبريدج، وشغل  منصب المدير الشرفي لقسم أبحاث المستوى الرفيع في مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS..  وضع رشدي راشد أكثر من 30 كتابًا، ومن أعماله المهمة إشرافه على موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في لندن ونيويورك طبعتها الأولى في 1996م، وقد حرر فيها الأجزاء التي تقع في تخصصه المباشر، وهي الحساب والجبر والبصريات الهندسية. ومن أشهر أعماله: مدخل لتاريخ العلوم (باريس، 1971)، كتاب الجبر  (القاهرة، 1975)، أعمال عمر الخيام في الجبر ـ بالاشتراك مع أحمد جبار (حلب، 1981)، العلوم في عصر الثورة الفرنسية (باريس، 1984)، أعمال الكندي الفلسفية والعلمية (ليدن،  1998)، أعماله الأخرى في مجال الرياضيات أوما يعرف بفلسفة الرياضيات.

    25. يعتمد الدكتور رشدي راشد في فهمه وتحليله للتاريخ على فكرة “التقاليد” “tradition”، فالتطورات التاريخية، من الناحيتين الفلسفية والعلمية، تعتمد على ظهور تقاليد فلسفية وعلمية جديدة تؤشر على ظهور هذه التطورات وانتهائها. لذلك يعتمد تحليله التاريخي من الناحيتين الفلسفية والعلمية ليس على المقارنة الصورية للنماذج التاريخية المختلفة، وإنما على التحليل المجتمعي التفصيلي للظروف المصاحبة لظهور التقاليد التاريخية المختلفة. لذلك يمكن القول بأن التحليل التاريخي للدكتور راشد ينتمي بشكل أساسي إلى مجال علم اجتماع المعرفة الذي يربط بين الوقائع والشروط الاجتماعية والتاريخية وبين نشوء وتطور المعرفة العلمية.وقد طبق الدكتور رشدي راشد وطور هذا المنهج على ظهور وتطور العلم العربي/الإسلامي القديم، وعلى بيان علاقته التطورية بالعلم اليوناني السابق عليه والعلم الغربي الحديث اللاحق له. وأمكن له بواسطة هذا المنهج أن يكشف عن الطبيعة الخاصة للعلم العربي/الإسلامي وللمجتمعات العربية/الإسلامية التي أنتجته وكيفية تميزه عن العلوم السابقة واللاحقة عليه. كما أمكن له أن يثبت نوعا من الاستمرارية والتطور في الفكر العلمي عموما، وفي العلاقة بين الفكر العلمي العربي/الإسلامي القديم والفكر العلمي الحديث خصوصا. وهو ما غير من نظرة المجتمع العلمي الإنساني المعاصر لتاريخ العلم وللعلاقات المجتمعية المؤدية إلى نشأة العلم، وللإسهامات العلمية في العالم الاسلامي دور كبير في التطور الذي عرفه تاريخ الأفكار العلمية والفلسفية بشكل عام.

    26.  Ahmed Djabbar : une histoire de la science arabe . introduction de la connaissance  du patrimoine scientifique des pays d’islam . entretiens avec jean rosmorduc , Editions du seuil, mai 2001, p. 13  . توبي هاف : فجر العلم  الحديث: الاسلام والصين  و الغرب .ترجمة شوقي جلال، ص.206.

    27. *  توبي هاف: باحث أمريكي معاصر، متخصص في تاريخ العلوم من أهم كتبه “فجر العلم الحديث: الاسلام و الصين و الغرب” في هذا الكتاب انطلق “توبي هاف” من سؤال أساسي مفاده: لماذا نشأ العلم الحديث في الغرب فقط و ليس في حضارتي الاسلام و الصين، رغم أن حضارتي الاسلام و الصين في العصور الوسطى كانتا متقدمتين على حضارة الغرب من الناحية العلمية؟ . و قد فسر “توبي هاف” ذلك بمجموعة من العوامل، من بينها الاختلافات الكامنة في المؤسسات الدينية و القانونية في الحضارات الثلاث، و يركز على فكرة المؤسسات، و هي فكرة اختص بها الغرب دون غيره، مما أوجد الفضاء المحايد و الحرية الضرورية للبحث. فهذه من بين العناصر و العوامل التي ساهمت في بروز و تطور العلم الحديث في أروبا.