نظرية المعرفة عند هيجل


إن السبب الذي دفع هيجل لاستخدام المنهج الجدلي في دراسة المشروع الذي أعده لنفسه، ولا سيما فيما يتعلق بأعمال ديفيد هيوم وإيمانويل كانط . حاجج هيوم ضد ما يمكن أن نفكر فيه كنظرة “ساذجة” لكيفية تحصيلنا للمعرفة العلمية


وفقاً لهذه الرؤية الساذجة، فإننا نكتسب معرفة العالم باستخدام حواسنا لإدخاله، أي العالم، إلى رؤوسنا وتثبيتها فيه، إن صحّ القول. وعلى الرغم من أننا قد نستخدم ملاحظاتٍ دقيقة و نجري التجارب، إلا إن معرفتنا بالعالم أساساً ما هي إلا عكس مرآةٍ أو نسخة لما يكونه العالم في الأساس. و قد برهن هيوم رغم ذلك على أن ادعاءات تلك العلوم الساذجة عن أن معرفتنا مماثلة للعالم أو ناسخة له غير فعالة أو غير نافعة.

 خذ المفهوم العلمي للعلة على سبيل المثال. وفقًا لمفهوم العلّة، فالقول بأن حدثاً ما يسبب آخراً يعني القول بأن هناك صلة ضروريةً بين الحدث الأول (العلّة) والحدث الثاني (الأثر) أو المعلول، وعلى ذلك يترتب أنه عندما يحدث الحدث الأول لا بدّ للثاني أن يحدث أيضاً. ووفقاً لهذه العلوم الساذجة، فإننا عندما ندّعي أو (نعرف) أن حدثاً ما يسبب حدثاً آخر، فإن ادعاءنا يعكس أو ينسخ ما ما يكونه العالم أساساً. ويترتب على ذلك أن تلك الصلة السببية الضرورية بين الحدثين يجب أن تكون هي ذاتها موجودة خارجاً في العالم. و على الرغم من ذلك فقد برهن هيوم أننا لا نلحظ مثل تلك الصلة السببية الضرورية في تجربتنا للعالم ، ولا يمكننا حتى أن نستنتج وجود شيء واحد بناءً على استدلالنا .

اعتقد كانط أن حجة هيوم أدت إلى استنتاج غير مقبول ومتشكك ، ورفض حل هيوم فيما يتعلق بالريبيّة (see Kant’s Critique of Pure Reason, B5, B19–20). اقترح هيوم أن فكرتنا عن الضرورة السببية تستند في مضمونها إلى العرف والعادة، لأنها متولدة عن تصوراتنا الخاصة بعد ملاحظات متكررة لنوع من الأحداث يحدث بعد نوع آخر من الأحداث (see Hume’s A Treatise of Human Nature, Book I, Section VI; Hegel also rejected Hume’s solution, see EL §). بالنسبة لكانط، فيجب على العلم والمعرفة أن يستندا إلى العقل، واقترح حلاً يهدف إلى إعادة تأسيس العلاقة بين العقل والمعرفة والتي قُطعت بسبب حجاج هيوم الشكوكيّ. تضمن حل كانط اقتراح ثورة كوبرنيكية في الفلسفة (Critique of Pure Reason, Bxvi). 

كان نيكولاس كوبرنيكوس هو الفلكي البولندي الذي قال بدوران الأرض حول الشمس، وليس العكس. اقترح كانط حلاً مماثلاً لحل كوبرنيكوس لكن لريبيّة هيوم. يفترض العلم الساذج أن معرفتنا تدور حول ما يكونه العالم، ولكن كما ينص نقد هيوم، فإن هذا الرأي يستلزم أننا لا يمكننا اكتساب معرفة للأسباب العلمية من خلال العقل. يمكننا إعادة تأسيس العلالقة بين العقل والمعرفة رغم ذلك كما اقترح كانط، إذا قلنا أن المعرفة لا تدور حول ما يكونه العالم – لكنها أي المعرفة تدور حول ما نكونه نحن. و لأغراض معرفتنا يقول أننا لا ندور حول العالم، بل العالم هو الذي يدور حولنا. ولأننا كائنات عقلانية، فإننا نتشارك بنية معرفية مع بعضنا البعض تعمل على تنظيم تجاربنا في العالم. هذه البنية العقلية المُشتركة “لتوافق الذوات” هي ما تؤسَّس عليها معرفتنا – و ليس العالم.

أدى حل كانط المتعلق بريبيّة هيوم رغم ذلك إلى استنتاج ريبيّ هو الآخر كان هيجل رافضاً له. بينما تسمح لنا هذه البنية المشتركة لتوافق الذوات الخاصة بعقلنا أن نمتلك معرفة حول العالم من منظورنا الشخصي، إن صحّ القول، إلا أننا لا نستطيع الخروج من أذهاننا أو من بنيتنا العقلية لنرى كيف من الممكن أن يكون العالم في ذاته. و كان على كانط أن يعترف، وفقًا لنظريته، أنه لا يزال هناك عالم  بذاته أو “الشيء في ذاته” (Ding an sich) لا يمكننا معرفة شيءٍ عنه (see, e.g., Critique of Pure Reason, Bxxv–xxvi). رفض هيجل استنتاج كانط المتشكك بأنه لا يمكننا أن نعرف شيئًا عن العالم أو “الشيء في ذاته”، وكان ينوي أن تكون فلسفته الخاصة أن تكون ردّاً على نظرة كانط (see, e.g., EL §44 and the Remark to §44).

كيف رد هيجل على ريبيّة كانط – خاصة وأن هيجل قد تقبّل ثورة كانط الكوبرنيكيّة، أو إدعاء كانط بأننا نمتلك معرفة حول العالم بسبب ما نكونه، بسبب عقلنا؟ كيف، بالنسبة لهيجل، يمكننا الخروج من رؤوسنا لرؤية العالم كما هو في ذاته؟ كانت إجابته قريبة جداً من رد الفيلسوف اليوناني القديم أرسطوطاليس على أفلاطون. ذهب أفلاطون إلى القول بأننا نمتلك معرفة حول العالم فقط من خلال الأشكال أو النماذج. هذه النماذج هي أفكار أو مفاهيم عقليّة كليّة تماماً. ولأن العالم غير مثالي، فقد أبعد أفلاطون هذه النماذج إلى عالمها الخاص. و على الرغم من أن الأشياء في العالم تكتسب تعريفاتها من خلال مشاطرة هوية النماذج، إلا أن هذه الأشياء، في أحسن حالاتها، نسخ غير كاملة من النماذج الكليّة(see, e.g., Parmenides 131–135a). 

وبالتالي فإن هذه النماذج ليست في هذا العالم، إنما في عالم منفصل خاص بها. أما أرسطوطاليس فقد زعم بأن العالم قابل للمعرفة ليس بسبب أن الأشياء نسخ غير مثالية من النماذج، بل لأن النماذج نفسها كامنة في داخل الأشياء بوصفها الماهيّات المعرّفة لهذه الأشياء(see, e.g., De Anima [On the Soul], Book I, Chapter 1 [403a26–403b18]; Metaphysics, Book VII, Chapter 6 [1031b6–1032a5] and Chapter 8 [1033b20–1034a8]).

بطريقة مماثلة، فإن إجابة هيجل على كانط هي أننا يمكننا الخروج من رؤوسنا لنرى كيف يكون العالم في ذاته – وبالتالي يمكن أن يكون لدينا معرفة بالعالم في ذاته – لأن العقلانية ذاتها أو العقل الموجود في رؤوسنا موجودٌ بالمثل في العالم كما هو بنفسه.

 و كما يبدو أن هيجل أشار إلى هذه النقطة في محاضرة بأن التعارض أو التناقض بين الذاتي والموضوعي يختفي بالقول ، كما قال القدماء:

أن النّوس أو العقل يحكم العالم، أو بقولنا نحن “إن العقل موجود في العالم”. و هو قول يعني أن العقل هو روح العالم فهو حالٌّ فيه و هو مبدؤه الكامن المحايث و هو طبيعته الداخلية و هو الكلّي فيه. (EL Addition 1 to §24)

استخدم هيجل مثالًا مألوفًا من أعمال أرسطوطاليس لتوضيح هذا الرأي:
لكن من خواص كل حيوان جزئي أن يكون حيواناً، و هذا هو قانون النوع الذي هو الكلي في هذه الحالة، و هو الذي يكوّن ماهيته المحددة: احذف من الكلب حيوانيّته تجد أنه يستحيل عليك بعد ذلك أن تقول ما هو. (EL Addition 1 to §24)

كان خطأ كانط حينذاك أنه اعتبر العقل أو العقلانية موجودين فقط في رؤوسنا، لا كما يقترح هيجل (EL §§43–44)، أنه موجود فينا و في العالم ذاته. يمكننا استخدام عقلنا ليكون لدينا معرفة حول العالم لأن العقل ذاته الموجود فينا موجود في العالم أيضاً بوصفه مبدأه المعرّف له. تجعل العقلانية أو العقل في العالمِ الواقعَ قابلاً للفهم، و لهذا يمكننا معرفة أو فهم الواقع بعقلانيّتنا. والديالكتيك – الذي يمثّل نظرة هيجل للعقل – لا يميّز المنطق فحسب، بل وأيضاً “كل حقيقة أيّاً كانت” (EL Remark to §79).
لكن لمَ يصل هيجل إلى تعريف العقل وفقاً للديالكتيك، ومن ثم يعتمد منهجاً جدلياً؟ نستطيع البدء برؤية ما الذي دفع هيجل لاعتماد منهجٍ جدلي بالرجوع مرة أخرى إلى فلسفة أفلاطون.

 زعم أفلاطون أنه يمكننا امتلاك معرفة عن العالم بإدراك النماذج، تلك الأفكار أو المفاهيم العقليّة الكليّة تماماً. و نظراً لأن الأشياء في العالم غير مثالية بالمرّة أو ناقصة، خَلَص أفلاطون إلى أن النماذج ليست في هذا العالم، بل في عالم خاص بها. في النتيجة، إذا كان إنسانٌ ما جميلاً بشكل فائق مثالي على سبيل المثال، بالتالي هو أو هي لن يصبحوا غير جميلين. لكن البشر يتغيرون، يتقدمون في السن ويموتون، وبهذا يمكن أن يكونوا في أحسن أحوالهم، نسخًا غير كاملة من نموذج الجمال – رغم أنهم يمتلكون أي قدر من الجمال بمشاركتهم لنموذج الجمال. وعلاوة على ذلك، بالنسبة لأفلاطون، فإن الأشياء في العالم مجرّد نسخ غير مثالية لا يمكننا من خلالها أو من خلال دراستها تحصيل معرفة عن النماذج الكلية، لكن يمكننا ذلك فقط من خلال العقل، بمعنى، فقط باستخدام عقلانيّتنا نستطيع الوصول إلى العالم المنفصل الخاص بالنماذج.( as Plato argued in the well-known parable of the cave; Republic, Book 7, 514–516b).

لاحظ مع ذلك بأن استنتاج أفلاطون بتعذّر وجود هذه النماذج في هذا العالم و وجوب نفيها أو إبعادها إلى عالمها الخاص مبنيٌّ على ادعاءين. الأول، يعتمد على الادّعاء القائل بأن العالم مكان غير مثالي أو كامل و فوضوي – وهو ادعاء يصعب إنكاره. لكنه يعتمد أيضًا على الافتراض القائل بأن هذه النماذج – المفاهيم أو الأفكار العقليّة الكليّة للعقل نفسه – ساكنة و ثابتة، وبالتالي لا يمكنها إدراك الشواش داخل ثنايا هذا العالم الناقص. هيجل قادر على ربط العقل مرة أخرى بعالمنا الفوضوي عن طريق تغيير تعريف العقل. فبدلاً من القول أن العقل يتكون من مفاهيم أو أفكار ساكنة كليّة، يقول هيجل إن المفاهيم أو النماذج الكليّة هي نفسها فوضويّة. و بعكس أفلاطون، فإن منهج هيجل الجدلي يسمح له بأن يبرهن أنه بإمكان هذه المفاهيم الكليّة يمكن أن “تٌدرك و تتعدى overgrasp” (من الفعل الألماني) übergreifen ) الطبيعة الجدلية الفوضوية للعالم لأنهما هي نفسها، أي الأفكار، جدلية. علاوة على ذلك، و نظرًا لأن المفاهيم اللاحقة تعتمد على المفاهيم السابقة أو تتجاوزها (تلغيها ولكن تحتفظ بها أيضًا) ، فإن المفاهيم اللاحقة الأكثر كليّة تُدرك العمليات الجدلية للمفاهيم السابقة. نتيجةً لذلك، لا تستطيع المفاهيم ذات المستوى الأعلى اللاحقة إدراك الطبيعة الجدلية للمفاهيم أو النماذج السابقة فحسب، بل أيضاً بإمكانها إدراك العمليات الجدلية التي تجعل العالم نفسه مكاناً فوضوياً. 

على سبيل المثال، لن يعتبر التعريف الأعلى لمفهوم الجمالِ الجمالَ ثابتاً أو ساكناً، و لكنه سيضمّن في ثناياه طبيعة الجمال الجدليّة أو تناهيَه، الفكرة القائلة بأن الجمال سيصبح بالنسبة لنفسه قبحاً أو ليس جمالاً. 


يمكن لهذا الفهم الجدلي لمفهوم الجمال أن “يدرك و يتعدى” الطبيعة الجدلية والمتناهية للجمال في العالم، وبالتالي الحقيقة أنه في العالم، فإن الأشياء الجميلة نفسها تُصبح غير جميلة. أو من الممكن أن تكون جميلة من منظور واحد و ليس من الآخر.

 وبالمثل، فإن التعيين الأعلى لمفهوم الشجرة سيتضمن في تعريفه العملية الجدلية التي تتمثل بالتطور و التغيّر من البذرة مروراً بالشتلة و وصولاً إلى الشجرة. وكما يقول هيجل فالديالكتيك هو “مبدأ كل الحياة الطبيعية والروحية” (SL-M 56 ؛ SL-dG 35)، أو “روح التقدم العلمي و حياته” (EL §81). فالديالكتيك إذن يدفع كلاً من العقل والأشياء في العالم إلى التطور. عقل جدليّ يستطيع بالتالي إدراك و تعدّي عالم جدليّ.

ستساعد رحلتان إضافيّتان في تاريخ الفلسفة على إظهار لمَ اختار هيجل الجدل منهجاً له في الحجاج والبرهنة. كما رأينا، يحاجج هيجل ضد ريبيّة كانط باقتراح أن العقل ليس موجوداً فقط في رؤوسنا، ولكنه موجود في العالم نفسه. و على أي حال فلإظهار أن العقل يكمن في العالم نفسه، يتعين على هيجل أن يعرض كيف أن العقل يمكن أن يكون كيفما هو بدون مساعدتنا نحن البشر.

 و يتعيّن عليه أن يظهر كيف يستطيع العقل التطور من تلقاء نفسه، ولا يحتاج منا أن نطوّره (على الأقل بالنسبة لتلك الأشياء التي في العالم و ليست خلقاً بشرياً). الفكرة الأساسية في جدل هيجل هي كما رأينا في القسم الأول  أن المفاهيم أو الأشكال تتطور من تلقاء نفسها لأنها ترفع أو تُجاوز (تلغي و تحتفظ في الآن ذاته) نفسها، و تعبر من ثمّ إلى مفاهيم أو أشكال لاحقة بواسطة أنفسها بلا مساعدة من قوة خارجية. فالعقل كما كان، يدفع نفسه، وبالتالي لا يحتاج إلى رؤوسنا لتطويره. يحتاج هيجل إلى تعليل -الدفع الذاتي- الخاص بالعقل ليتجاوز ريبيّة كانط.

و من سخرية القدر أو للمفارقة فإن هيجل يشتق الخطوط العريضة الأساسية لتعليله أو تفسيره للعقل المدفوع ذاتياً من كانط. قسم كانط العقل البشري إلى مَلّكتين: مَلَكة الفهم و مَلَكة العقل. يستخدم الفهم المفاهيم أو الأفكار لتنظيم و ترتيب تجاربنا التي نقوم بها في العالم. تتمثل وظيفة العقل في تنسيق مفاهيم و تصنيفات الفهم من خلال تطوير نسق مفاهيمي موحد تمامًا، وهو يقوم بهذا العمل بمفرده حسب رأي كانت، بشكل مستقل و بعيداً عن كيف يمكن تطبيق هذه المفاهيم على العالم. ينسق العقل هذه المفاهيم الخاصة بالفهم باتباع سلاسل قياسيّة ضروريّة لإنتاج مفاهيم تصل إلى مراحل أعلى و أعلى من الوحدة المفاهيميّة.

 ستقود هذه العملية في الواقع العقلَ إلى إنتاج أفكاره الترانسندنتالية الخاصة به، أو تلك المفاهيم التي تتجاوز عالم التجربة. يدعو كانط هذا العقل خلّاق المفاهيم الضرورية بالعقل “النظري”.( cf. Critique of Pure Reason, Bxx–xxi, A327/B384). يبتكر العقل مفاهيمه أو أفكاره الخاصة – إنه “ينظّر” أو يتكهن – بتوليده لمفاهيم خاصة به و شموليّة بنحوٍ متزايد، بشكل مستقل عن الفهم. في النهاية كما فكّر كانط فإن العقل سيتبع مثل هذه السلاسل القياسيّة حتى يطوّر مفاهيماً شموليّة بالكامل أو كليّة غير مشروطة – كليّة بحيث تتضمن كل الشروط الخاصة بالمفاهيم الأقل شموليّة – والتي ساعدت في تعريفها. و كما رأينا في القسم الأول، فديالكتيك هيجل يعتمد على أو يتبنى فكرة كانط عن العقل المدفوع ذاتياً و العقل خلّاق المفاهيم، و كذلك على فكرة كانط القائلة بأن العقل يسعى إلى مفاهيم كليّة غير مشروطة أو إلى مفاهيم مطلقة.

في نهاية المطاف و كما اعتقد كانط فنشاط الدفع الذاتي الضروري الخاص بالعقل سيقود إلى إنتاج تناقضات – والتي أسماها ” التضادات”، وهي تتكون من أطروحة ونقيضة. مثلاً عندما يولّد العقل هذه المفاهيم غير المشروطة للعالم أجمع ، فحسب كانط يمكنه، أي العقل، النظر إلى العالم بطريقتين متناقضتين. في التضاد الأول، يمكن للعقل أن يرى العالم (1) ككليّة تامة أو بوصفه غير مشروط، أو (2) بوصفه سلسلة الأقيسة التي آلت إلى هذه الكليّة. إذا كان العقل يرى العالم كعالم غير مشروط أو ككلٍّ تام غير مشروط بأيِّ شيء آخر، عندها سيرى العالم كبداية و نهاية من ناحية الزمان والمكان، وعندها سيستنتج أن “الأطروحة” القائلة بأن العالم له بداية و نهاية أو أنه محدود. و لكن إن كان يراه كسلسلة و كل حلقة من هذه السلسلة مشروطة بالحلقة السابقة، عندها سيظّهّر الظالم و كأنه بلا بداية أو نهاية، و حينها سيستنتج العقل “النقيضة” القائلة بأن العالم غير محدود من حيث المكان والزمان. (cf. Critique of Pure Reason, A417–18/B445–6). يقود العقل بالتالي إلى تناقض: فهو يتضمن رؤيتين للعالم إحداهما محدودة والأخرى غير محدودة في ذات الوقت.

 و نظرًا لأن عملية التطوير الذاتي الخاصة بالعقل ستقوده إلى تطوير تناقضات أو لأن يكون جدلياً بهذه الطريقة، فقد ذهب كانط بظنّه أن العقل يجب أن يظل قيد الفحص من بواسطة الفهم. و كما يقول فإن أي استنتاج يستخلصه العقل ولا يتلاءم مع أو لا يدخل في نطاق الفهم فإنه غير قابل للتطبيق في العالم التجريبي، و بالتالي فلا يمكن اعتبارها معرفة أصيلة. (Critique of Pure Reason, A506/B534).

يتبنى هيجل تصور كانط الجدلي للعقل، لكنه يحرر العقل من طغيان الفهم بخصوص المعرفة. كان كانط محقًا في أن العقل يولّد المفاهيم بنفسه نظرياً، و هذه العملية النظرية مدفوعة بالضرورة و تؤدي إلى مفاهيم كليّة أو شموليّة بنحوٍ متزايد. حتى أنه كان محقاً في اقتراحه – كما أظهر في نقاش التضادات – أن العقل جدلي، أو أنه ينتج التناقضات بشكل ضروري من تلقاء نفسه. مرة أخرى، فقد كان خطأ كانط أنه أخفق في قوله إن هذه التناقضات موجودة في العالم نفسه. و قد فشل في تطبيق رؤى نقاشه بخصوص التناقضات على ” الأشياء في ذاتها”( SL-M 56; SL-dG 35). في الواقع، يثبت البرهان الخاص بكانط أن الطبيعة الجدلية للعقل يمكن تطبيقها على “الأشياء في ذاتها”. الحقيقة القائلة بأن العقل يطور تلك التناقضات بنفسه، من دون الحاجة للمساعدة بواسطة رؤوسنا، توضح أن هذه التناقضات ليست فقط في رؤوسنا، بل هي موضوعية، أو في العالم نفسه. كانط ، ومع ذلك فقد فشل كانط في التوصل إلى هذا الاستنتاج ، واستمر في اعتبار أن استنتاجات العقل محض أوهام. رغم هذا فقد بررت فلسفة كانط الفكرة العامة التي مفادها أن التناقضات التي اعتبرها كأوهام هي في الحين ذاته موضوعيّة – موجودة خارجاً في العالم – و ضرورية. و كما يصيغها هيجل فإن كانط يبرر فكرة موضوعيّة الأوهام وضروريّة التناقضات التي تنتمي إلى طبيعة تعيّنات الفكر “(SL-M 56 ؛ راجع SL-dG 35) ، أو لطبيعة المفاهيم نفسها.

أظهر عمل يوهان غيتليب فيخته (راجع المدخل على Fichte ) لهيجل كيف يمكن للديالكتيك أن يتجاوز كانط – كيف يتجاوز التناقضات التي يطورها العقل من تلقاء نفسه كيفما عرضها كانط، كيف يتجاوز “برهان الخلف” (والذي كما رأينا أعلاه، يقول بأن التناقضات تؤول للعدم)، و كيف يتجاوز ريبيّة كانط، أو ادعاء كانط القائل بأن تناقضات العقل يجب أن يتم التحكم بها من قِبل الفهم وأنه لا يمكن اعتبارها كمعرفة. يحاجج فيخته أن مهمة استكشاف أصل المعرفة الإنسانية كلها تؤدي إلى تناقض أو تعارض بين النفس و اللا نفس  أو الذات و عدم الذات(ليس من المهم لأغراضنا هنا معرفة لم تبنّى فيخته هذه الرؤية). 

نوع الاستدلال الذي يقود إلى هذا التناقض كما يقول هو المنهج التحليلي أو العكسي في الاستدلال، والذي يتضمن استنباط تعارض بين العناصر (في هذه الحالة، النفس و اللا نفس) التي تتم مقارنتها أو مساواتها ببعضها. 

في حين أن برهان الخِلف التقليدي سيقودنا إلى نفي أو رفض طرفي التضاد والابتداء من الصفر، فقد برهن فيخته أن هذا التناقض أو التعارض بين النفس و اللا نفس  يمكن حلّه. على وجه الخصوص، يتم حل التناقض بافتراض مفهوم ثالث – مفهوم القسمة – الذي يوحد الجانبين (The Science of Knowledge, I: 110–11; Fichte 1982: 108–110). ينتج مفهوم القسمة عن عمليّة استدلال تركيبية، التي تتضمن “الاستكشاف في التعارضات من حيث ما تكون هي عليه” (The Science of Knowledge, I: 112–13; Fichte 1982: 111). 

و بالفعل يبرهن فيخته أن حركة حل التناقضات بمفاهيم تركيبية ليست فقط ممكنة بل هي أساساً ضرورية. و كما يقول بشأن الانتقال من التناقض بين النفس واللا نفس إلى مفهوم القسمة التركيبي:
لا يمكن أن يكون هناك أي سؤال آخر حول إمكانية هذه (التوليفة) أو التركيبة، ولا يمكن إعطاء أي تفسير لذلك؛ فهي ممكنة بشكل مطلق، و نحن مخوّلون بذلك من غير أي تفسيرات أو تبريرات إضافية من أي نوع. (The Science of Knowledge, I: 114; Fichte 1982: 112)

نظرًا لأن الأسلوب التحليلي يؤدي إلى تعارضات أو تناقضات، فقد جادل قائلاً أننا إذا استخدمنا فقط الأحكام التحليلية ، “فإننا لسنا كما يقول كانط لا نذهب بعيداً بل نحن لا نذهب إلى أي مكان على الإطلاق”( The Science of Knowledge, I: 113; Fichte 1982: 112). بدون المفاهيم أو الأحكام التركيبية ، فإننا نُترك كما تشير حجة برهان الخِلف التقليدية، بلا أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، فإن المفاهيم أو الأحكام التركيبية ضرورية لتجاوز التناقض من أجل ألا نُترك بلا شيء على الإطلاق.

تزوّد نظرة فيخته للأسلوب التركيبي هيجل بمفتاح تجاوز كانط أو العبور عليه. اقترح فيخته أن المفهوم التركيبي الذي يوحد نتائج التناقض المتولد ديالكتيكياً لا يلغي الجوانب المتناقضة تمامًا، لكنه يحّدها فقط. وكما قال، بشكل عام، “أن تحدّ شيئاً أي أن تلغي حقيقته، ليس كليًا، ولكن جزئيًا فقط” (The Science of Knowledge, I: 108; Fichte 1982: 108).

 و بدلا من الاستنتاج الذي يقترحه أو يطلبه برهان الخِلف والقاضي بأن يُستبعد جانبا التناقض سوياً، يبرر المفهوم أو الحكم التركيبي أو التوليفي بأثر رجعي الأطراف المتعارضة بإظهار حدودها، بإظهار الجزء الذي يرتبط بالواقع والجزء غير المرتبط به (The Science of Knowledge, I: 108–10; Fichte 1982: 108–9) ، أو عن طريق تحديد من أي منظور تكون حقيقية أو إلى أي درجة تكون حقيقية. بالنسبة لـهيجل كما رأينا (راجع القسم 1)، فإن المفاهيم والأشكال اللاحقة تُجاوز – تلغي و تحتفظ بنفس الوقت – المفاهيم والأشكال السابقة  بمعنى أنها تتضمن المفاهيم والأشكال السابقة في تعريفاتها الخاصة.

 من وجهة نظر المفاهيم أو الأشكال اللاحقة، فإن المفاهيم السابقة لا تزال تتمتع ببعض الصلاحية، أي أن لها صلاحية محدودة أو حقيقة معرّفة بواسطة مفهوم أو شكل رفيع المستوى أو من مستوى عالٍ.

وبالتالي، فإن التناقضات المتولدة ديالكتيكياً ليست عيبًا يُتَحكَّم به بواسطة الفهم، كما قال كانط، ولكنها دعوات للعقل لكي “ينظّر”، بمعنى آخر، أن يولّد العقل بدقة ذلك النوع من المفاهيم والأشكال الشمولية والكليّة بنحو متزايد و التي قال عنها كانط أن العقل يهدف لتطويرها.

 في نهاية المطاف، و كما رأينا ، فقد فكر هيجل بأن العملية الجدلية تقود إلى مفهوم أو شكل غير مشروط البتّة لكل موضوع قيد النقاش – الفكرة المطلقة (المنطق)، الروح المطلق (الفينومينولوجيا)، الفكرة المطلقة للحق والقانون (فلسفة الحق)، و هلُم جرّا – والتي و هي مجتمعة تشكل “دائرة من الدوائر” (EL § 15) و التي تشكل النسق الفلسفي بأكمله أو “الفكرة” (EL § 15) و التي تُدرك و تتعدى العالم و تجعله مفهوماً بالنسبة لنا.


لاحظ أنه على الرغم من تأثر هيجل بشكل واضح بعمل فيخته، إلا أنه لم يتبنى أبدًا لغة فيخته الثلاثية “أطروحة – نقيضة – توليفة” في وصفه و شرحه لفلسفته (Mueller 1958: 411–2; Solomon 1983: 23) على الرغم من أنه قد استخدم هذا النمط بوضوح في محاضراته لشرح فلسفة كانط (LHP III: 477). في الواقع، نقد هيجل الاستخدامات الشكلية لأسلوب “الثلاثية” [Triplizität (PhG §50؛ ترجمة بديلة) المستوحى من كانط – نقد يمكن أن يكون موجهاً تجاه فيخته. 

جادل هيجل بأن استخدامات النموذج الثلاثي المستوحى من كانط قد تحولت إلى “خطاطة عريّة من الحياة ” و “إلى شبح بالفعل [ eigentlichen Scheinen, PhG §50 ؛ ترجمة بديلة) ، مثل صيغة رياضية، تم فرضها ببساطة على الموضوعات المطروحة. بدلاً من ذلك ، يجب أن يتدفق الاستخدام العلمي الصحيح لثلاثيّة كانط – كما قال أن منهجه قد فعل – من الحياة الجوانية والحركة الذاتية للمضمون.