العقلانية في الفكر العربي المعاصر

العقلانية في الفكر العربي المعاصر:
الكاتب : محمود السيد طه متولي

نود من البداية أن نبين كيف أن الأستاذ عطية رفض الميل إلى العودة بالأفكار الفلسفية الأوربية الحديثة إلى أصول عربية إسلامية لاعتقاده الواضح والمحدد أن ما يفيد الفكر العربي المعاصر ليس تأكيد نسبة بعض الأفكار الديكارتية أو الكانطية أو البيكونية إلى رواده القدامى من العرب كابن سينا والغزالي، بل استيعاب العقلانية الديكارتية، وكل الفلسفة الغربية وتمثلها وتجاوزها في سبيل إبداع فكر فلسفي عربي معاصر. فيجب أن لا يغيب عن عقولنا –من وجهة نظره- الإطار الحضاري الذي نشأت فيه فلسفة ديكارت وغيره من الفلاسفة المحدثين واختلافها عن الفلسفات السابقة عليها.

style="text-align: right;">قضايا الفكر العربي المعاصر

وبالفعل فالعودة بالأفكار والفلسفات الحديثة والكشف عن مصادرها العربية الإسلامية لا يفيد البحث الفلسفي، ولا يثريه، ولا يؤصل للإبداع، ولن يحقق الاستقلال للوعي العربي عن مثيله الأوربي. إن الكشف عن أصول ومصادر الأفكار في أي علم وكذلك الفلسفة يفيد البحث التاريخي في عرض تطور العلوم، ويفيد تاريخ الفلسفة، وهذا ليس هدف عطية في دراسته عن ديكارت، بل كان شاغله الرئيسي هو معرفة كيف تناول المفكرون العرب المعاصرون عقلانية ديكارت، في قراءاتهم المتباينة لفلسفته، وكيف أن هذه القراءات العديدة تثري البحث الفلسفي، مما قد ينعكس في تشكيل الرؤية العربية المعاصرة، ومنهجا فلسفيا يمكن استخدامه في قضايا الفلسفة، وتفسير الواقع تمهيدا لحل مشكلاته*.

يتناول

في كتابه “الديكارتية في الفكر العربي المعاصر” والذي صدر عام 1990 القراءات المختلفة لديكارت سواء كانت قراءة مثالية عند عثمان أمين أو واقعية علمية عند نجيب بلدي ويحيى هويدي أو مادية أو بوصفها الرحم التاريخي الذي نشأت فيه الفلسفة الحديثة والمعاصرة وقد عرض فلسفته من خلال بعدين محوريين هما:

المنهج الديكارتي وتطبيقه على الأدب والنقد الأدبي عند طه حسين، والثاني بعث اللغة الفلسفية العربية عند محمود الخضيري، فالأستاذ عطية يعي أنه لا تقوم فلسفة ما إلا بوضوح منهجها، ونحت مصطلحات لغتها حتى يتحقق لها الاستقلال، ولهذا عرض هذين المحورين اللذين قد يدلان على طرق لتحقيق الاستقلال عن الفلسفة الأوربية الحديثة وإبداع منهج عربي فلسفي ولغة مستقلة لهذه الفلسفة لأهميتها بعد تناوله لبذور الديكارتية في الجامعة المصرية. كما أوضح جوانب أخرى لم تجد اهتماما كافيا من قِبَلِ الباحثين مثل: فلسفة العلم عند ديكارت، وكذلك فلسفات اللغة والأخلاق وسيكولوجيا ديكارت القائمة على تفسير حالات النفس اعتمادا على أسسها الفسيولوجية.

وهو يحدد في مقدمة كتابه أسباب اختياره لديكارت بالذات ليكون أو الدراسات المقارنة بين الاتجاهات الغربية وبين الفكر العربي المعاصر، ذلك لأننا سنجده فيما بعد يتناول كل من الكانطية والنيتشوية والوجودية والتفكيكية في الفكر العربي المعاصر وذلك أن ديكارت مؤسس العقلانية، “جاء كاستمرار للتيار العقلاني الذي ساد مع نهضة القوى الوطنية المصرية وتأسيس أحزابها وإقامة مؤسساتها المختلفة وتفتحها على التيارات الغربية… هذا الاختيار له مبرراته الحضارية والتاريخية بالإضافة للأسباب الفكرية المتعلقة بخصوصية تاريخ الفلسفة نفسه”.

وهو اختيار يضاف إلى اختيار لطفي السيد لأرسطو في عشرينيات القرن العشرين ويظهر لنا الأستاذ أسباب اختيار ديكارت في بداية مقارناته ليعلن لنا أنه لا ينساق مع مؤرخين الفلسفة الذين يؤكدون أن ديكارت هو بداية الفلسفة الحديثة فهو يؤكد في موضع آخر أن هذا الحكم يحتاج إلى مناقشة وفحص وإعادة نظر.

وهو يثير بعض الأسئلة النقدية حول مدى تقبلنا للفكر الغربي بوجه عام والفلسفة الديكارتية بوجه خاص وهل تناوُلُ المفكرين العرب لهذه الفلسفة جاء عارضا لها بصورة مستقلة عن رؤى المفكرين الغربيين لها أم عرضها عن طريق هؤلاء المفكرين، وسؤال آخر لماذا استأثرت شخصية ديكارت باهتمام الكتاب العرب في مرحلة معينة دون غيرها حتى أصبح ديكارت هو الإطار المرجعي لكل الدراسات العربية حول الفلسفة الحديثة، ويطرح سؤالا محوريا يضع الفكر العربي المعاصر تحت مجهر التشريح وهو: لماذا كانت الدراسات الديكارتية العقلانية الغالبة على الباحثين في مصر

 بينما ساد البحث في الاتجاهات الحيوية اللاعقلانية: البرجسونية على الباحثين في بلاد الشام فما السبب الذي أنتج هذا الاختيار؟، فهل هذا يدل على أن الفكر العربي المعاصر ليس كلا واحدا بل هو متنوع يمتلئ بالاختلاف.

 دراسة الديكارتية في الفكر العربي

 وسؤالا أخر حول النتيجة من درس ديكارت؟ ويجيب بأن دراسة الديكارتية في الفكر العربي هي في الحقيقة دراسة لنا نحن في نفس الوقت الذي هو دراسة لديكارت وفلسفته، فديكارت هو الإطار والشكل ونحن الموضوع والمحتوى. فالاختيار يدل على شخصية الذي يختار وتوجهاته، وهذا يوضح رؤيته للواقع وما يتطلبه هذا الواقع من أفكار وحلول، ويطلعنا على مدى وعيه بثقافته، والثقافة التي يجلب منها الحلول. كما أن مجموع الاختيارات يطلعنا على الوضع العام للثقافة العربية المعاصرة. كما قد يساعد على تلمس طريق لإقامة فلسفة عربية معاصرة.

ثم يتناول في الفصل الثاني قضية منهج الشك الديكارتي، وتطبيقه في الأدب والنقد الأدبي. ويرى أن صاحب كتاب “في الشعر الجاهلي” أراد من استعمال هذا المنهج الدعوة إلى العقل وتحرير الإنسان، ويقتضي هذا أن ننسى عواطفنا القومية والدينية، وأن لا نتقيد بشيء إلا بمناهج البحث العلمي الصحيح، وأن القراءة بهذا المنهج تجعلنا أحرارا.

ويحدد الأستاذ هدفه من دراسة المنهج الديكارتي وتطبيقه في مجال الأدب والنقد بقوله “إننا لا نود… أن نتوقف أمام… أي جانب من فلسفته كان محور اهتمامهم بل نهدف في المقام الأول إلى بيان العلاقة الحضارية بين المفكرين العرب والحضارة الغربية من منطلق تحدي إسهام كل منهم في تحديث العقل العربي وتحديد الأسس المختلفة التي يقوم عليها، وإلى أي مدى استفاد كل منهم من إنجازات الحضارة في النظر إلى الواقع العربي، وكيف ساهم الغرب في هذا المشروع التحديثي من خلال توظيف الخطاب الفلسفي الغربي وتحويله إلى مكون من مكونات الفكر العربي”.

ورغم الاتهامات العديدة التي وجهت لطه حسين في استخدامه للشك الديكارتي –كما نعرف- إلا أن أخطرها كان ما وجهه مصطفى صادق الرافعي إلى الكتاب وصاحبه بأنه دعوة إلى التجرد عن الدين أثناء البحث العلمي وأنه أداة أوربية عميلة تعمل على إفساد أخلاق الأمة، ولكن يعلق الأستاذ عطية بأن الرافعي لم يقف عند تساؤل هام حول موقف طه حسين هل كان داعية للفكر الغربي أم كان يهدف تحديث العقل العربي؟ نلتمس من موقف الأستاذ الدفاع عن العقل والعقلانية، وإرساء شروط الحرية أثناء البحث العلمي، وهذا يعني بالنسبة لنا أن الأستاذ يدرك أن أول شرط من شروط قيام فلسفة عربية معاصرة إرساء شروط العقل والعقلانية.

ومن حيث اللغة الفلسفية للفكر العربي المعاصر، جاء بعث هذه اللغة من خلال قضية الترجمة وخاصة ترجمة الخضيري كتاب “مقال عن المنهج”، فالفكر العربي لا يكتفي فقط بالمنهج الفلسفي، بل يحتاج كذلك إلى منهج للترجمة، وقد رأى الخضيري أن يرجع إلى اللغة الفلسفية العربية الإسلامية التي نحتها أبناؤها في عصرها الذهبي، ورأى أن يستخدم مصطلحات الفلاسفة المسلمين وعلى رأسهم ابن سينا.

وتجلت قدرة الخضيري العلمية في نظر الأستاذ عطية في اختياره للمقابل العربي للمصطلحات الغربية وخير مثال اختياره لمصطلح البداهة ترجمة لـ مصطلح intuition، وليس الحدس أو الذوق. ولقد أخذ في ترجمته بمبدأين الأول هو المحافظة على وحدة اللغة العربية فاستخدم اصطلاحات الفلسفة الإسلامية للدلالة عن الاصطلاحات الديكارتية، والمبدأ الثاني المحافظة على تجانس الأدب العربي. فتحديد معاني الألفاظ يرجع إلى أن هذا التحديد أساس كل بناء فلسفي متسق.

والحقيقة أن توقف الأستاذ عطية عند أهمية الترجمة في الفلسفة منذ تسعينيات القرن الماضي قد سبق الكثيرين حيث بدأ الآن في كثير من الأقطار العربية الاهتمام بالترجمة وإنشاء مجال عليا لها وكثرت الكتابات حول الفلسفة والترجمة.

وإذا كان تحديد المنهج الفلسفي واللغة الفلسفية يكشفان عن تشكل رؤية في المعرفة، فإن القراءات المثالية والمادية والعلمية لفلسفة ديكارت تعطينا إيضاحا بمضمون الفلسفة العربية ومنطلقاتها، والمزاج الفلسفي لروادها. والترتيب الذي وضعه الأستاذ عطية يكشف عن قراءة مثالية أيضا له، فهو يعطي الأولوية للإبستمولوجيا (والتي ظهرت في المنهج واللغة، واتساق المنهج العقلاني مع وضوح اللغة الفلسفية) في الفلسفة العربية المعاصرة على الأنطولوجيا العقلية أو الصورة التي يتواجد عليها العقل سواء في وجوده المثالي عند رائد الجوانية عثمان أمين، أو العقلانية في اليقين الديني عند نظمي لوقا، أو المثالية التقليدية لدى إمام عبد الفتاح إمام، أو الكوجيتو الإبداعي عند الحبابي، أو وجود العقل في الواقع عند يحيى هويدي ونجيب بلدى.

كذلك نرى القراءات العلمية لديكارت عند مراد وهبة، وإشادته بالمنهج الرياضي في فلسفته، وزكي نجيب محمود واتفاقه مع النزعة الوضعية في شك ديكارت في الإدراك الحسي، وغيرها. ثم يعرض الأستاذ عطية الديكارتية في إطار تاريخ الفلسفة، ويتناول الدراسات المقارنة بين ديكارت والفلاسفة المسلمين والمتكلمين والصوفية، ووصل إلى أنه ليس من المهم نسبة أفكار ديكارت للفكر الإسلامي القديم، بل المهم استيعاب فلسفته وتجاوزها، ويختتم كتابه بالأخلاق الديكارتية في الفصل التاسع ويعرض للقراءات العربية على ندرتها لأخلاق ديكارت، إلا أن الأستاذ في أكثر من موضع يصرح بأن هذا الجانب من فلسفة ديكارت وغيره يتطلب الكثير من الدراسات، حيث قدم لنا هو فيها إسهامات عديدة.

ورغم تخصص الأستاذ عطية في الأخلاق والقيم، إلا أنه يضع الأخلاق الديكارتية في آخر فصول الكتاب وهذا يكشف عن تأثره العميق بالوضع الثقافي العام في قراءة الفلسفة الديكارتية، وكثرة القراءات المثالية على العلمية والمادية، فالعقلانية العربية مثالية وليس علمية مادية، وهذا يكشف عن أن الفلسفة العربية المعاصرة لا زالت تحتاج إلى قراءات أخرى للفلسفة الحديثة وتتجاوزها لاكتشاف الطبيعة، أو اكتشاف العقل في الطبيعة والمادة؛ كي يتحرر العلم من سطوة الميتافيزيقا، أو الجانب الدوغمائي في العقل.