خصائص الفلسفة الاسلامية

اليوم في صوت العقل نقدم لك هذا البحث عن خصائص الفلسفة الإسلامية وأهم الأفكار الرئيسية في الفلسفة الإسلامية وكيف تمت معالجة الفلسفة في النطاق الاسلامي ويمكنك أيضا قراءة الأبحاث والمقالات التالية : 

الأفكار الرئيسية في الفلسفة الإسلامية

بلغت الحضارة الإسلامية في عهد هارون الرشيد (170-193هـ) أعلى مستوى لها في مختلف المجالات السياسية والعسكرية، والاقتصادية والاجتماعية. وفى المجال الثقافي، كانت قد أصبحت تتعايش في المجتمع الإسلامي أربع ثقافات كبرى هي اليونانية، والفارسية، والهندية والعربية. كما وجدت إلى جانب الإسلام، دين الأغلبية، كل من اليهودية، والمسيحية، وبعض أتباع الديانات الوضعية كالزرادشتية والمانوية. أما السبب الأساسي في وجود هذا التنوع ، والسماح له بالتفاعل فيرجع إلى سعة أفق الخلفاء العباسيين من أمثال هارون الرشيد ، والمأمون([1]).

في

عهد المأمون (198-218هـ) الذي كان مشجعا لحركة العلوم والآداب، تمّ إنشاء (بيت الحكمة) وهو مؤسسة ثقافية، ذات طابع عالمي، كان يجرى فيها ترجمة المختارات من مختلف لغات العالم إلى اللغة العربية. وفى هذه المؤسسة توافر عدد من المترجمين الأوائل على نقل كنوز التراث اليوناني في الفلك والرياضيات والطب والفلسفة. وكان (المنطق) بصفة خاصة الذي اعتبره اليونان مدخلاً للفلسفة هو أهم ما حاز إعجاب المسلمين ، فأقبلوا عليه بالدرس والشرح والتلخيص، بل إنهم راحوا يستخدمونه في جدلهم الديني، وعلومهم اللغوية والدينية([2]).

style="text-align: right;">مفهوم الفلسفة الاسلامية

قد أتاح هذا التنوع الديني والثقافي من ناحية، والوقوف على عناصر الفلسفة اليونانية من ناحية أخرى – الفرصة لأصحاب الميول الفلسفية من المسلمين لكي يمارسوا التفكير الفلسفي الخالص، بل ويعبروا عنه في جو مشجع من القبول والحرية، خاصة وأن الأرض كانت ممهدة من قبل بوجود طائفة المتكلمين، الذين كانوا قد بدأوا مهمتهم بالدفاع العقلي عن الإسلام ضد خصومه، ثم انكفأوا بعد ذلك يتجادلون فيما بينهم حول أصول العقيدة ، وأدق تفصيلاتها([3]).

وكان الكندي (ت 252) هو أول فيلسوف إسلامي من أصل عربي خالص، يهتم بالفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة، أي بالموضوعات التي سبق أن تناولتها الفلسفة اليونانية القديمة، وتطور بعضها على يد الأفلاطونية المحدثة، التي ظهرت في الإسكندرية على يد أفلاطين (ت 269م) ممتزجة بعناصر شرقية، ومتخذه اتجاها روحيا وزهديا([4])، وسوف نجد من بين أهم المسائل الفلسفية التي بحثها الكندي: مسألة النفس، ومسألة العقل (المعرفة)، وقضايا الميتافيزيقا.

في مسألة النفس

في مسألة النفس، التي سبق أن درسها كل من أفلاطون وأرسطو، ولكل منهما رأى يخالف صاحبه، اختار الكندي رأى أفلاطون، القائل بأن النفس مفارقة للبدن، وأنها خالدة بعد موته، أما في أثناء الحياة، فهناك ثلاثة أنواع من النفوس:

الشهوانية، الباحثة عن الطعام والجنس.
الغضبية ،المتطلعة للتملك والغلبة.
العاقلة، الأقرب إلى مستوى الروح، والأبعد عن طبيعة البدن.
أما أرسطو، فقد ذهب إلى أن النفس مرتبطة بالبدن ارتباطاً عضويا، توجد بوجوده وتفنى بوفاته. ويمكن أن نقول باختصار إن بحث النفس لدى الكندي يمثل البحث عن حقيقة الإنسان، تمهيدًا لتحديد دوره في هذه الحياة، واستعداده لما بعدها([5]).

مسألة العقل عند الكندي

أما مسألة العقل عند الكندي، فقد كان الهدف من بحثها هو الوقوف على طبيعة المعرفة الإنسانية . والسؤال هنا :

– هل يدرك الإنسان المعقولات بعقله، الموجود في بدنه، والذي هو جزء من النفس (كما هو مذهب أرسطو)، أم بقوة أخرى خارجة عنه، وأعلى منه (كما يذهب إلى ذلك شراح الأفلاطونية المحدثة)؟ هنا خلط كبير. وقد ذهب الكندي إلى أن العقول أربعة:

العقل الأول.
العقل بالقوة.
العقل الذي خرج من القوة إلى الفعل.
العقل الظاهر من النفس.
وسوف يتابعه في هذا التقسيم كل الفلاسفة المسلمين الذين جاءوا بعده، وأهمهم : الفارابي وابن سينا، لكن المصطلحات عندهما سوف تصبح أكثر بلورة وتحديدا. فهي عند الفارابي :

العقل الفعال.
العقل بالقوة.
العقل بالفعل.
العقل المستفاد.
وعند ابن سينا:

العقل الفعال.
العقل الهيولاني.
العقل بالملكة.
العقل المستفاد([6]).
وعلى أي الأحوال، فقد مهد الحديث عن العقل الفعال (الذي هو خارج النفس تماما) إلى القول بالمعرفة الإشرافية، أو الفيض المعرفي الذي يهبط على الإنسان نتيجة تصفية نفسه، وليس بالبحث الحسّي أو العقلي في شئون الكون. وهي الفكرة التي سوف تتسرب إلى كثير من مفكري الإسلام، وبصفة خاصة فلاسفة الصوفية من أمثال السهروردي وابن عربي.

مجال الميتافيزيقا

وفى مجال الميتافيزيقا، التي سماها الكندي (علم ما فوق الطبيعة) أو (علم الربوبية) الذي يقابل عن المتكلمين: علم التوحيد، سوف يحدد تعريف الفلسفة بأنها: علم الأشياء بحقائقها. وأشرف الفلسفة وأعلاها مرتبة الفلسفة الأولى، أعنى علم الحق الأول، وهو علة كل حق([7]). والحق الأول عند الكندي هو الباري سبحانه، الذي هو عند المتكلمين: الله تعالى.

وهنا يتطرق الكندي إلى العلاقة بين الفلسفة والدين، باعتبار كل منهما بحثا وطلبًا للحق. وهما عنده يتفقان في الموضوع والغاية، وحتى المنهج. وبهذا الشكل يكون الكندي أول مَنْ فتح باب البحث في إحدى أهم مسائل الفلسفة الإسلامية، وهى علاقتها بالدين أو الوحي أو الشريعة، التي شغلت كل مَنْ جاء بعده من الفلاسفة (الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن طفيل حتى حسمها أخيرا ابن رشد).

وسوف يبحث الكندي موضوع الجوهر والأعراض. ومن المهم أنه يزيد على المفهوم الذي حدده أرسطو للجوهر بخاصتين اثنتين هما الهيولي والصورة – ثلاثة مفاهيم أخرى، هي المكان والزمان والحركة . وهى الخصائص الخمسة التي يمكن مقارنتها بما أسفرت عنه علوم الطبيعة في العصر الحديث. لكن أهم مسألة ركز عليها الكندي في ميتافيزيقاه هي مفهوم الألوهية ومحاولة تجريده من كل الصفات التي قد تؤدى إلى اختلاطه بالكثرة أو التعدد. وقد اقتصر على وصف الله تعالى بأنه: الأول والواحد والحق والمبدع، مستدلاً على كل هذه الصفات بالمنهج الرياضي أو العلمي الطبيعي، ومتفقا في ذلك كله مع ما قرره السلف من فهم صحيح للصفات الإلهية كما وردت في القرآن الكريم([8]).

ثم بعد الكندي، يبرز الفارابي (ت 339هـ) الذي يؤكد د. إبراهيم مدكور أنه “أول من صاغ الفلسفة الإسلامية في ثوبها الكامل، ووضع أصولها ومبادئها” بعد أن كانت نظرات متفرقة ومتعلقة بموضوعات مختلفة عند سلفه الكندي. أما العمود الفقري لفلسفة الفاربي فإنه يتمثل في نظرية السعادة التي تعنى ترقى العقل البشرى في مستويات متدرجة حتى (يتصل) بالعقل الفعال العاشر، الموكل بالسماء الدنيا والعالم الأرضي، ويصبح بالتالي أهلاً لتقبل الأنوار الإلهية. وتلك هي السعادة العقلية التي ما بعدها سعادة للإنسان. وقد اهتم الفارابي كثيرا بفكرة السعادة، فخصها بكتابين هما: تحصيل السعادة، والتنبيه على السعادة([9]).

وفي مجال تدعيم الدين بالأدلة والبراهين العقلية، كان الفارابي أول فيلسوف يضع نظرية في النبوة، تقوم على دعائم من علم النفس، وما وراء الطبيعة، وتتصل اتصالاً وثيقا بالسياسة والأخلاق. وإذا كان مفكرو الأديان عموما يجحدون إمكانية اتصال السماء بالأرض، أو الله بالإنسان عن طريق الوحي، فإن الفارابي من خلال عرضه لتلك النظرية يثبت صحة النبوة، ويعدّها وسيلة من وسائل الاتصال بين علم الأرض وعالم السماء، بل إنه يرى فوق ذلك أن النبي لازم لحياة المدينة الفاضلة من الناحيتين السياسية والأخلاقية([10]).

وفي المجال السياسي الخالص، سوف يقدم الفارابي للعالم الإسلامي فكرته عن آراء أهل المدينة الفاضلة، محاكيا ومعارضا في نفس الوقت الفيلسوف اليوناني الكبير أفلاطون، في كتابه الشهير: الجمهورية. يرى الفارابي أن الاجتماع ضروري للإنسان الفرد. وأقل أنواعه اجتماع أهل البيت الواحد، ثم أهل السكة (الشارع أو الحارة) ثم أهل المحلة (الحي) ثم أهل القرية. أما الاجتماعات الكبرى فتبدأ بالمدينة، ثم بالأمة، ثم بالإنسانية كلها. وهذا التصور كما نلاحظ مخالف لتصور أفلاطون الذي حصر الاجتماع الأمثل في المدينة وحدها . أما أفضل أنواع الاجتماع الإنساني فهو الذي يحقق السعادة من خلال تعاون الأفراد على الأشياء التي توصل إليها . وهذه الوسائل ينبغي أن تكون فاضلة لكي يكون الاجتماع أفضل. وقد ترك لنا الفارابي بالإضافة إلى كتاب (أراء أهل المدينة الفاضلة) كتابين آخرين يكملان نظريته السياسية ، وهما (كتاب الملّة) و(رسالة السياسة)([11]).

وفى مناهج البحث، سوف يضع الفارابي نظرية متكاملة في تصنيف العلوم، كان من الممكن أن تصبح استراتيجية علمية وتعليمية لو تم الأخذ بها في صورتها التي عرضها في كتابه (إحصاء العلوم).

يقسم الفارابي العلوم التي ينبغي أن يشتغل بها المتعلمون إلى ثمانية أقسام كبرى، تندرج تحتها بالطبع تفصيلات أخرى كثيرة، وهى:

  • علم اللسان (ويشمل علوم اللغة، والكتابة، وتصحيح القراءة والأداء).
  • علم المنطق (التصور والتصديق والقياس، ويبين الأدلة البرهانية، والجدلية والخطابية .. الخ).
  • علم التعاليم (ويشمل الحساب والهندسة وعلم المناظر والنجوم والموسيقى والأثقال والميكانيكا).
  • علم الطبيعة (مبادئ الأجسام، والكون والفساد، وخصائص المعادن والنبات والحيوان).
  • العلم الإلهي (الميتافيزيقا في الفلسفة القديمة، والإلهيات في علم التوحيد الإسلامي).
  • العلم المدني (ويشمل علم الأخلاق والسلوك، وعلم السياسة).
  • علم الفقه (ويشمل على الأحكام الفرعية، وعلم أصول الفقه).
  • علم الكلام (وهو أنواع، وأفضلها الدفاع عن العقيدة الإسلامية، وأسوأها الخلاف والجدل).
  • وقد سبق لنا في دراسة تحليلية الكشف عن أهمية الترتيب في تقديم هذه العلوم للمتعلم في شكل هرمي يبدأ من علوم اللغة ويصعد إلى قمته في العلم الإلهي، ثم ينتهي هبوطاً حتى علم الكلام([12]).

وبعد الفارابي، سوف يظهر ابن سينا (ت 428) أكبر وأشهر فلاسفة المشرق، والذائع الصيت في أوربا بسبب كتابه الرائع في الطب (القانون) الذي ظل يدرس في جامعاتها حتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي. يعترف ابن سينا بأستاذية الفارابي، ويأخذ عنه مجمل أرائه، لكنه يجيد عرضها بأسلوب عربي مشرق. وتحتوى مؤلفاته على خلاصة مركزة واضحة للموسوعة الفلسفية اليونانية انظر: (كتابه الضخم الشفاء) بعد أن تمت على يديه تنقيتها، وتوضيح الكثير من مشكلاتها. ويكفى أن نستعرض مؤلفات ابن سينا المنطقية (وهى شروح وتلخيصات لمنطق أرسطو) لنجد كيف سهل مصطلحاته، وحدد أقسامه، وقدم له الأمثلة التوضيحية التي جعلته يستقر في منظومة التعليم الإسلامي، ويمتزج بمختلف العلوم([13]).

أبرز نظريات ابن سينا الفلسفية

أما أبرز نظريات ابن سينا الفلسفية فهي التي دارت حول النفس وخلودها. وقد ظلت براهينه الثلاثة (الانفصال – البساطة – المشابهة) مصدر إلهام لكل الفلاسفة المسلمين، وكذلك المسيحيين، الذين استعانوا بها لإقناع المخالفين على أن النفس خالدة بعد فناء البدن([14])، وبذلك تتفق الفلسفة الإسلامية مع الدين فى إثبات البعث، وما يتلوه من جزاء يحتوى على الثواب أو العقاب. وهذا هو مستند قيام النظام الأخلاقي في الحياة الدنيا([15]).

لكن فلسفة الأخلاق بمعناها المحدد، سوف يتميز فيها أحد معاصري ابن سينا، وهو مسكويه (ت 421) الذي وضع كتابه الشهير (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) محاولاً فيه أن يؤصّل نظرية متكاملة للأخلاق الإسلامية، وإن كان قد استمد الكثير من أصولها وعناصرها الفرعية مما كتبه أرسطو في كتابه (الأخلاق) ([16]).

لكن اهتمام المسلمين بالأخلاق لم يبدأ فقط مع مسكويه، بل سبقه واستمر بعده من خلال الاستمرار المباشر من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة السلف الصالح. وسوف نجد بعد ذلك لدى الغزالي (ت505هـ) في كتابه الشهير إحياء علوم الدين) مادة أخلاقية ثرية ومتنوعة، وتتميز بطابعها الإسلامي الغالب، الأمر الذي جعلها تصبح زادًا يستمد منه الدعاة، لصياغة خطابهم الأخلاقي الذي يوجهونه للمسلمين حتى عصرنا الحاضر.

ولا يمكن أن نغادر المشرق العربي دون الإشارة إلى كل من إخوان الصفا، والماوردي.

إخوان الصفا

أما إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري) فهم فلاسفة الإسماعيلية الذين انتشرت رسائلهم في مختلف الطبقات، حتى أحدثوا ما يشبه الثورة الثقافية في المجتمعات الاسلامية ، محاولة تبسيط الفلسفة إلى أكبر حد ممكن لكي يفهمها العامة أو رجل الشارع بتعبيرنا الحاضر.

وقد أتيح لنا أن ندرس فكرة التطور لديهم، وهى التي ترتب كائنات العالم الطبيعي وما فوق الطبيعي من النشأة حتى زمانهم: فمن الأركان أو العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب) تكونت المولدات الثلاثة (المعادن والنبات والحيوان). وهم يقررون أن آخر المعادن متصل بأول النبات، وآخر النبات متصل بأول الحيوان، وآخر الحيوان متصل بأول عالم الإنسان، وآخر الإنسان متصل بأول رتبة الملائكة، فهل يعنى ذلك أن هناك تواصلا في الحلقات بين الموجودات، كما سوف يذهب إلى ذلك فيما بعد كل من لامارك، وداروين ؟!([17])

 الماوردي

وأما الماوردي (ت 450هـ) فيمكن أن نعده بكل اطمئنان صاحب نظرية سياسية ذات طابع إسلامي غالب. وهو يتناول في مؤلفاته العديدة نظرية الإمامة أو الخلافة، ويحدد واجبات الإمام الدينية والدنيوية، وماذا يحدث إذا قصّر في أدائها؟ كما يعرض لنظام الحكم من وزارة وإمارة وولاية، ويفصل سلطات الدولة كالقضاء، وولاية المظالم، وولاية الصدقات. ونلتقي لديه بألوان من الفقه الدستوري، والقانون الإداري، والقانون الدولي إلى جانب أصول وضع الموازنة المالية للدولة([18]).

ابن باجه، وابن طفيل، وابن رشد.

فإذا انتقلنا إلى الأندلس والمغرب، وجدنا أن الفلسفة الإسلامية قد شهدت تطورًا نوعيا لدى ثلاثة من أكبر فلاسفتها وهم ابن باجه، وابن طفيل، وابن رشد.

لدى ابن باجه (ت 533) تقوم فلسفته على محاولة تمييز الإنسان الحقيقي أو المتوحد عن سائر المخلوقات من ناحية، وعن سائر معظم بني جنسه من ناحية أخرى. الإنسان على الحقيقة عند ابن باجه هو العاقل الذي يظل يتدرج في مستويات المعرفة حتى يصير العاقل والمعقول عنده شيئا واحدا. وهو يفرق بين الإنسان البهيمي الذي يقوده هواه، وتسيطر عليه انفعالاته، والإنسان الذي يفكر تفكيرًا نظريا، وأخيرًا الإنسان الفائق الفطرة الذي يتحقق لديه العقل في أكمل صوره (العقل الذي يصنع نفسه بنفسه) فيشبه العقول المفارقة التي تحدث عنها كل من الفارابي وابن سينا([19]).

عند ابن باجه، توحد نظريته لتدرج الكائنات في الطبيعة، وبناء على ذلك فإن الاجتماع البشرى إذا تم بين أفراد مستوى أدنى فإنه لن يحقق السعادة المرجوة للبشر، لأنه سيكون حينئذ أشبه باجتماع قطيع من الحيوانات (مجتمع العبيد) التي تأكل وتتناسل ثم تهرم وتموت. أما المجتمع المثالي فهو الذي يضم الأفراد الكاملين بالعقل (مجتمع الأحرار) الذين يحسنون استخدام عقولهم لتحريك أبدانهم، وليس العكس! وهنا تبرز لدى ابن باجه فكرة الإنسان الكامل أو المتوحد، الذي جعله عنوانًا لواحد من أهم كتبه (تدبير المتوحد). ومما يؤسف له أن المسلمين لم يتنبهوا حتى الآن إلى قيمة أفكار ابن باجه، ولعل مقارنتها بأفكار فيلسوف عالمي مثل اسبينوزا تلقى عليها الأهمية التي تستحقها في تاريخ الفكر الإنسانى([20]).

أما ابن طفيل (ت 581) فهو صاحب القصة الفلسفية الشهيرة (حي بن يقظان) التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات عالمية، واختلف الدارسون المحدثون حول مغزاها الحقيقي، تبعا لفهم كل منهم([21]). وهى تصور إنسانًا نشأ في جزيرة منعزلة تمامًا عن البشر، ولبيان كيفية وجوده، يقدم ابن طفيل أحد هذين الفرضين: إما أنه نشأ نشأة طبيعية تبعًا لمبدأ التطور، أو لأنه كان ولدًا غير شرعي لابنة أحد الملوك، فتخلصت أمه منه خوفًا من غضب أبيها، ووضعته في صندوق، وألقته في البحر، الذي قذفه إلى تلك الجزيرة المهجورة، حتى صادف ظبية قامت على إرضاعه ورعايته إلى أن كبر .. ثم تتوالى أحداث القصة المشوقة، فتساير حي بن يقظان في معرفة أساليب الحفاظ على حياته وسط الغابة، وكيفية الحصول على طعامه، واكتشاف مظاهر الطبيعة من حوله، ثم انتقاله بعد سن العشرين إلى البحث فيما وراء الطبيعة: من الذي أوجد هذه الطبيعة؟ ومن بعث فيها الحياة والحركة؟ حتى أداه ذلك إلى الإيمان بوجود خالق لهذا الكون، ولذلك راح يستغرق في تأمله، ويستشعر اللذة العليا التي لا يمكن وصفها بألفاظ اللغة البشرية.

وأخيرًا يصل شخص (أبسال) إلى الجزيرة، وهو ممن اطلع على الشرائع المنزلة، فيقوم بتعليم حي بن يقظام اللغة، ويعرض عليه ما ورد في تلك الشرائع، فيجد أن كل ما حدثه عنه قد اكتشفه بنفسه، بل إنه يندهش من أنه الناس لا يدركون (مرامي) الشريعة التي وصل هو بنفسه إليها، ويرغب إلى أبسال في اصطحابه لهداية الناس، لكنهم لا يدركون جميعا دعوته، فيوقن أن أسلوب التأمل والزهد لا ينفع جميع الناس، ويقرر العودة إلى جزيرته، وهنا يختار أبسال أن يصحبه، متخذًا منه شيخا له: يعنى أن تابع الشريعة قد أصبح تلميذا لشيخ الحقيقة!

ابن رشد

وأما الفيلسوف العقلي بامتياز، ابن رشد (ت 595هـ)، الذي أنكره العرب، وتلقف آراءه مفكرو أوربا، ممهدين بها لعصر النهضة، فهو الذي يعد بحق آخر كبار الفلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة اليونانية. وبالطبع نلتقي عنده بفكرة العلاقة بين الفلسفة والدين، أو بين الحكمة والشريعة في كتابه الرائع (فصل المقال، فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) ([22]) وهى الفكرة التي تناولها من قبله فلاسفة المسلمين، ولكنهم لم يحسموها بنفس الأسلوب والمنهج اللذين حسمها بهما.

لكن ابن رشد يقوم بعمل هام في كتابه (مناهج الأدلة في عقائد الملة) ([23]) عندما استعرض مدارس علم الكلام وحلل مقولاتها، ثم قام بنقدها على أساس فكرة محورية لديه، وهى التفرقة بين عالم الغيب (الذي هو محجوب عن العقل الإنساني ولا ينبغي تصوره إلا من خلال الشرع) وبين عالم الشهادة (الذي تدركه عقولنا، ويقع في متناول حواسنا)، وأنه بسبب خلط المتكلمين بين هذين العالمين المتميزين وقعوا في مشكلات كثيرة، ظلوا يتجادلون حولها دون أن يتمكنوا من الوصول إلى حلول نهائية.

وأخيرا فإن ابن رشد يبرز لنا ثلاثة مناهج للخطاب الديني، مستمدة في أساسها من القرآن الكريم، ومتمشية في نفس الوقت مع قواعد المنطق الأرسطي. وهى خطاب العامة بمنهج بالدليل الخطابي (الموعظة الحسنة)، ثم خطاب أنصاف المثقفين بالدليل الجدلي (وجادلهم بالتي هي أحسن) وأخيرًا خطاب المفكرين والفلاسفة بالدليل للبرهاني وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالدعوة بالحكمة([24]).

ومعاصرًا لابن رشد، وبعده بقليل، سوف يخرج ابن عربي (ت 638هـ) من الأندلس، مارًا بالمغرب فمصر، فالحجاز، ثم الشام والعراق حتى قونية، ويتميز بفلسفته الصوفية التي تدور كلها حول مذهب وحدة الوجود وهذا المذهب يقرر أن الوجود بأسره عبارة عن حقيقة واحدة، وليس فيها ثنائية أو تعدد، على الرغم مما يبدو لحواسنا من كثرة الموجودات في العالم الخارجي، وما تقرره عقولنا من ثنائية بين الله والعالم، أو الحق والخلق، اللذين هما اسمان أو وجهان لحقيقة واحدة، إذا نظرت إليها من ناحية وحدتها الذاتية سميتها: الحق، وإن نظرت إليها من ناحية تعددها سميتها: الخلق([25]).

وفى إطار هذا المذهب؛ الذي يبدو أنه صعب الفهم، ومازال مثار جدل حتى الآن، تندرج أفكار أخرى لابن عربي مثل فكرة الذرات الروحية، وفكرة التفاؤل، وفكرة الرحمة الشاملة، وفكرة الإنسان الكامل، إلى جانب فكرته المتميزة عن علم الضربة أو الحدس، وفكرته المبتكرة عن الخيال([26]). وهى الأفكار التي تصمد بكل جدارة لمقارنتها مع الأفكار والنظريات الفلسفية لكبار الفلاسفة المحدثين من أمثال اسبينوزا، وليبنتز، وبرجسون .

وإذا كان قد شاع أن تاريخ الفلسفة الإسلامية ينتهي بابن رشد في القرن السادس الهجري، فإن المفاجأة تعود فتخرج لنا في القرن الثامن الهجري مؤرخا كبيرا يمتلك عقلية فلسفية نادرة، هو ابن خلدون (ت 808هـ) الذي سوف يضع في مقدمة تاريخه (التي اشتهرت في أوربا قبل أن يعرف العرب قيمتها الحقيقية إلا مؤخرًا) الكثير من معالم فلسفة السياسة، وأصول علم الاجتماع، في تلك (المقدمة) الشهيرة، يتحدث ابن خلدون عن فكرة العصبية التي تقوم على أساسها الدول، كما يبين القوانين التي تؤدى إلى اتساع رقعة العمران، وحاجة الناس في كل مجتمع إلى التعاون من خلال تبادل المنافع والصناعات. ومن بين العوامل التي تؤدى إلى تدهور الدول، يركز ابن خلدون بصفة خاصة على فكرة (أن الظلم مؤذن بزوال العمران). ومن أروع فصول المقدمة ذلك الفصل الذي تحدث فيه ابن خلدون عن العلوم الإسلامية: كيف نشأت؟ وكيف تطورت؟ منبها بالطبع إلى أهميتها في تقدم المجتمعات. وهكذا استطاع هذا المؤرخ – الفيلسوف أن يمزج أحداث التاريخ بمنطق العقل، وأن يغلف الاثنين بالخبرة والتجربة وبعد النظر.

تلك هي أهم (وليس كل) الأفكار التي برزت في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وشغلت أذهان كبار أعلامها، وجرى تداولها أو النقاش حولها في المؤلفات التي تولت شرحها أو تلخيصها أو التعليق عليها. ومع ذلك فقد وجدت إلى جانب هذه الأفكار الرئيسية أفكار أخرى كثيرة، تضافرت فيما بينها لتشكل النسيج الخاص بالفلسفة الإسلامية، والتي جعلتها تمثل حلقة وسطى بين الفلسفات القديمة (اليونانية والهندية والفارسية) وبين الفلسفة الحديثة .

وإذا كان المستشرقون قد ركزوا جهودهم، خلال القرنين الماضيين (19 ، 20) على تلمس بعض جوانب من تأثير الفلسفات القديمة في الفلسفة الإسلامية، فإنهم قد قصّروا بدون شك في عدم بيان أوجه تأثير الفلسفة الإسلامية في الفلسفة الحديثة المعاصرة. والواقع أنه لولا ما قام به بعض الدارسين المنصفين في هذا المجال لكان قد اختفى تماما دور الفلسفة الإسلامية في تاريخ الفكر الإنساني. ومن ذلك المقارنة التي عقدت بين ابن عربي ودانتي، ثم بينه وبين كل من سبينوزا ولبينتز، والمقارنة بين ابن رشد وتوماس الأكويني، أو البير الكبير، والمقارنة بين الغزالي وديكارت([27])، والمقارنة بين ابن طفيل وروبنسون كروزو.

وفى رأينا أن الاستمرار في عقد مثل هذه المقارنات بين أعلام الفلسفة الإسلامية في مختلف عصورها، القديمة والحديثة، من بين كبار فلاسفة الغرب ينبغي أن تظل في قلب اهتمام الدارسين الجدد في الفلسفة الإسلامية. وبالطبع لابد أن يتوافر لهذه المقارنات منهجها العلمي، وللقائمين بها إمكانياتهم الخاصة، وأن تتوافر لديهم الرغبة والإرادة لكي تتأكد مكانة الفلسفة الإسلامية في تاريخ الفكر الإنساني، وتسهم في إمداده ببعض التوازن أو التعادلية التي تتميز بها في نظرتها إلى الإنسان والعالم.

هوامش البحث:

[(*) ] أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم، ونائب رئيس جامعة القاهرة السابق.

[1] انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج1، ط عاشرة (الباب الثاني) ص 162 وما بعدها. وخاصة الفصل السادس بعنوان: امتزاج الثقافات، مكتبة النهضة المصرية- القاهرة 1984.

[2] انظر ترجمتنا للفصل الأخير من كتاب د. إبراهيم مدكور بالفرنسية: منطق أرسطو في العالم الإسلامي بعنوان: المنهج الأرسطي والعلوم الكلامية والفقهية في الإسلام، ضمن كتابنا: منهج البحث بين التنظير والتطبيق، ص، مكتبة نهضة مصر. القاهرة.

[3] انظر: ه. ولفنسون، فلسفة المتكلمين. ترجمة د. مصطفى لبيب، المركز القومي للترجمة. القاهرة 2009.

[4] انظر: عبد الرحمن بدوي، الأفلاطونية المحدثة عند العرب. المقدمة. مكتبة النهضة المصرية. القاهرة 1955.

[5] انظر:د. أحمد فؤاد الأهواني، الكندي فيلسوف العرب. ص 127. سلسلة أعلام العرب (26).

[6] السابق، ص 257 وما بعدها.

[7] السابق، ص 273 وما بعدها.

[8] السابق، ص 296 وما بعدها.

[9] انظر: د. إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقية ج1 ص 32 وما بعدها. ط. دار المعارف. القاهرة 1983.

[10] السابق، نفس الجزء، ص 69 وما بعدها.

[11] انظر كتابنا: المدينة الفاضلة بين أفلاطون والفارابي: دراسة مقارنة ط. القاهرة 1986.

[12] انظر: الفارابي: كتاب إحصاء العلوم، تحقيق ودراسة د. عثمان أمين دار الفكر العربي، القاهرة 1949 وبحثنا بعنوان: نظرية تصنيف العلوم عند الفارابي، في كتابنا: الفلسفة الإسلامية: مدخل وقضايا دار الثقافة العربية 1991.

[13] انظر كتابيه (الهداية) الذي حققه ودرسه د. محمد إسماعيل عبده، و(النجاة) بتحقيق ماجد  فخري.

[14] انظر د. إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج1، الفصل الرابع ص 119 وما بعدها.

[15] انظر كتابنا: الخطاب الأخلاقي في الحضارة الإسلامية. ط. نهضة مصر. القاهرة.

[16] انظر عبد العزيز عزت، (ابن) مسكويه فلسفته الأخلاقية ومصادرها ط. عيسى الحلبي. القاهرة 1949.

[17] انظر الفصل الخاص عن هذا الموضوع بعنوان: فكرة التطور عند إخوان الصفا، في كتابنا الفلسفة الإسلامية مدخل وقضايا، ص 209 وما بعدها.

[18] انظر: الفصل الخاص بالماوردي والفلسفة السياسية في الإسلام للدكتور إبراهيم مدكور في كتابه: في الفكر الإسلامي، ص 87 وما بعدها. الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2008.

[19] انظر: د. محمود قاسم، الفصل الخاص بابن باجه وفلسفته في: دراسات في الفلسفة الإسلامية ص 225 وما بعدها. ط. دار المعارف، القاهرة 1973.

[20] السابق، 212، 213.

[21] السابق، الفصل الخاص بابن طفيل وفلسفته، ص 225 وما بعدها. ولقد لخصنا من القصة كما رواها ابن طفيل نفسه.

[22] تحقيق ودراسة د. محمد عمارة. دار المعارف. ط ثانية 1983.

[23] بتحقيق مع مقدمة خاصة في نقد مدارس علم الكلام للدكتور محمود قاسم، مكتبة الإنجلو، القاهرة ط. ثانية 1964.

[24] انظر: ابن رشد، فصل المقال، ص 64 وما بعدها.

[25] انظر: د. أبو العلا عفيفي، الفلسفة الصوفية عند محيي الدين بن عربي، ترجمة من الإنجليزية د. مصطفى لبيب، ط دار الكتب القاهرة 2009.

[26] انظر دراسات د. محمود قاسم عن ابن عربي في كتابه: ابن عربي وليبنتز، والخيال في مذهب محيى الدين ابن عربي.

[27] انظر كتاب د. محمود زقزوق: المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت.

أهم المراجع:

بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلس
ترجمة د. حسين مؤنس.

د. بدوي (د. عبد الرحمن) مذاهب الإسلامين (جزآن) دار العلم للملاين. بيروت 1971.
بلاثيوس، ابن عربي، حياته ومذهبه، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط الإنجلو العربية، 1965.
بينيس، مذهب الفررة عند المسلمين، ترجمة د. أبو ريدة، النهضة المصرية. القاهرة 1946.
التفتازاني (د. أبو الوفا) مدخل إلى التصوف الإسلامي، دار الثقافة. القاهرة 1974.
الجر (بدر خليل) بالاشتراك مع حنا الفاخوري) تاريخ الفلسفة العربية (جزآن)
بيروت 1957، 1958.
جواشون: فلسفة ابن سينا وأثرها في أوربا (مترجم)، بيروت 1950.
جولد تسهير، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة د. محمد يوسف موسى وآخرين. القاهرة 1946.
دي بور، تاريخ الفلسفة في الاسلام،ترجمة وتعليقات اضافيه للدكتور أبو ريدة، القاهرة 1954.
روزنتال، مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ترجمة أنيس فريحة، بيروت 1961.
أبو ريده، الكندي وفلسفته، دار الفكر العربي القاهرة 1950.
أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج1 في السياسة والعقائد، دار الفكر العربي، القاهرة. د.ت.
الشيبي (د. مصطفى كامل) الفكر الشيعي والنزعة الصوفية، مكتبة النهضة، بغداد 1966.
صبحي (د. أحمد محمود)، الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، دار المعارف. القاهرة 1969.
عفيفي (د. أبو العلا)، التصوف النورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، القاهرة 1963.
العوا (د. عادل)، الكلام والفلسفة ط. جامعة دمشق 1961.
قاسم (د. محمود)
– ابن رشد وفلسفته الدينية، الأنجلو. القاهرة 1969.

– دراسات في الفلسفة الإسلامية ط. خامسة. دار المعارف القاهرة 1973.

مدكور (د. إبراهيم)
– في الفلسفة الإسلامية: منهج وتطبيقه،دار المعارف، القاهرة.

– وحدة الوجود بين ابن عربي وسيبتوزا، الفصل 14 من الكتاب التذكاري عن ابن عربي 1969.

النشار (د. علي سامي)
– مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ط. ثانية. الإسكندرية 1965.

– نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، ج2، ج3، دار المعارف القاهرة 1965.

هويدي (د. يحيى) تاريخ فلاسفة الإسلام في القارة الإفريقية، النهضة المصرية. القاهرة 1966.