Home » الفلسفة المعاصرة » الفلسفة المغربية المعاصرة

الفلسفة المغربية المعاصرة

محتويات



الكاتب : يحي علاء 

الفلسفة المغربية المعاصرة
المصدر أوراق فلسفية , ع27
الناشر: أحمد عبدالحليم عطية
تاريخ: 2010

يسعى الفكر المغربي المعاصر إلى التحرر من ربقة فكر فلسفي انشغل لفترة طويلة بتناول المشكلات والقضايا الفلسفية بشكل انتقائي، حتى بدت الفلسفة معه وكأنها لا فلسفة؛ بحيث يمكن القول أننا أمام فلسفة جديدة تغير مسار البحث الفلسفي المغربي الذي ظل لفترة طويلة من الزمن قاصراً على بحث قضايا التراث ومسائله، أو حبيس التناول التلخيصي للقضايا والإشكالات.

الفلسفة المغربية

ونلحظ بشارات هذه الفلسفة المغربية الجديدة في كتابات مفكرين من أمثال: عبد السلام بن عبد العالي، ومحمد سبيلاً، ومحمد المصباحي، وإدريس كثير، وعز الدين الخطابي، وعبد العزيز بومسهولي، وعبد الصمد الكباص، وحسن أوزال، الذين يراهنون بنوع من الجرأة على تبني فلسفة لها قدرة على قول المفاهيم وتعميقها، من أجل توطين قدم لهم داخل بيت الفلسفة، والذين يقدمون إنتاجاً فلسفياً متميزاً يرتبط بتاريخ الفلسفة ويتجاوزه.

إننا هنا أمام فلسفة جديدة تتجاوز الفلسفة المغربية التي سيطرت عليها كتابات عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، بقضاياها التراثية المغرقة في ترجمة النصوص، وعمل الشروح لها، إلى فلسفة تطرح سؤالاً عن المستقبل، وعن الكونية، وتجعل من وجود الإنسان في العالم “علة تأسيسية”، قابلة لأن تتشكل كقوة حيوية عندما يتوافر لها مناخ من الحرية؛ بحيث تمكن الإنسان من الانفصال عن ثقافة أنتجها وأصحبت بفعل العادة والتراكم ميتافيزيقا مهيمنة تمارس نوعاً ما من الوصاية على فكره.

إن أسمى ما في الفلسفة –كما يذهب إلى ذلك بومسهولي- تلك العلة التأسيسية التي تجعلنا قادرين على أن نتحرر من الثقافة كنسق مهيمن، ونمهد عقولنا لتأسيس منظورات جديدة للحاضر والمستقبل؛ لأن الثقافة إذا أصبحت نسقاً مهيمناً غدت ثوابت ميتافيزيقية، تمجد الأصول وتجعل من الوجود الإنساني وجود بالتبعية مفصولاً عن الحداثة بما هي صيرورة.

إن الفلسفة من خلال هذا المنظور التأسيسي تدفع الإنسان إلى التعالي Transcendence، إلى تجاوز ذاته على الدوام، فيتجاوز ميتافيزيقاه، أو بمعنى أدق “أنساقه الثقافية المهيمنة عليه بفعل الزمن والتراكم”، ليخلق أنماطاً مختلفة للتفكير في الإنسان والعالم، وليعيد التفكير مرة ثانية في الثقافة التي غدت تعبيراً عن الشمول والنمطية خاصة في عصر طابعه الأساسي هو التقنية.

ومن ثم علت أصوات هؤلاء متسائلين: هل غدت الفلسفة المغربية قادرة على المبادرة والتجاوز الخلاق؟ هل ثمة سبيل إلى تحول في الفكر المغربي؟ وهمم في ذلك يسيرون على هدي من كتابات المفكر المغربي بن عبد العالي؛ الذي طرح السؤال عن الحياة الفكرية في المغرب منذ عشرين عاماً خلت، استعاد فيه التفكير الفلسفي كاستراتيجية تتمثل في تأسيس قراءة الفكر الفلسفي المغربي والعالمي بمعزل عن منظور الوحدة الذي يختزل تاريخ الفكر الفلسفي في مدارس وتيارات ومذاهب، من أجل تأسيس مغاير يرمي إلى تأصيل حياة فلسفية تسهم في بناء خطاب حول الفلسفة ومساءلة أسسها بقصد فهم التحولات الكبرى التي يعيشها الفكر، على اعتبار أن إمكانية الفهم هذه هي إمكانية التفلسف ذاتها.

إن رهان الفلسفة المغربية لا يكمن في متابعة تطورات الفكر العالمي فحسب، كما يذهب إلى ذلك الجيل الحالي في المغرب، ولكن في الإسهام في حركية هذا الفكر؛ يبدو هذا جلياً في محاولة إثبات مفاهيم هؤلاء الفلاسفة؛ أنها تشكل إضافات نوعية من قبيل: “العلة التأسيسية” الذي صاغه كل من عبد العزيز بومسهولي وعبد الصمد الكباص وأزوال، والمجرى الأنطولوجي “الذي يشكل منظوراً جذرياً للعالم، و”المبدأ الإيطيقي المحايث” الذي يعد بمثابة تأويل لنهاية الأخلاق، و”الإسرار الفلسفي” الذي حاول إدريس كثير صياغة ملامحه الأساسية.

إننا مع هؤلاء بإزاء وثبة تحررنا من سلطة المعرفة الكلية، وثبة تمنع اختزال التجارب الإنسانية داخل مذاهب وتيارات فكرية، لتولد حالة من اللاطمأنينة تخلصنا من سباتنا الدوغمائي، وتسمح لنا بتولي المفاهيم وتوطينها، وهذا هو الشرط الضروري لأية حياة فلسفية ممكنة.

الفكر الفلسفي المغربي 

من هنا تبزع لحظة التحول في الفلسفة المغربية؛ اللحظة التي يدرك فيها عبد السلام بن عبد العالي أن الفلسفة المغربية لم تعد تهتم بما يسمى موضوعات فلسفية، حتى وإن زعم البعض أن عبد الله العروي بحث موضوعات كانت ولا تزال موضوعات الفلسفة المفضلة، من قبيل مفهوم الدولة ومفهوم الحرية؛ غير أن هذا وإن كان صحيحاً إلا أنه بحث وتناول هذه المفاهيم من زاوية لا فلسفية.

إنها لحظة انتباه يقرأ فيها بن عبد العالي الفلسفة باعتبارها أحداث لا باعتبارها مواضيع؛ إدراكاً منه أن استراتيجية الفلسفة لا تقوم على الموضوع؛ بل تقوم على الأحداث التي تقولها المفاهيم. فما يعرف في المفهوم ليس الموضوع وإنما الحدث الخالص، ومهمة الفلسفة استخراج الحدث من الأشياء ومن الموجودات حين تبدع المفاهيم، وهو ما تساءل عنه بن عبد العالي في كتابه “الفكر الفلسفي بالمغرب” حين قال: “هل نتابع الإنتاج الفلسفي باعتباره أشخاصاً أم مصنفات، أو نحصره في موضوعات وقضايا، أم نبلوره في مفاهيم؟”

إذن نحن أمام رؤية استراتيجية للفلسفة تعتمد في الأساس على رصد حركة الفكر في تعدده واختلافه، وتنأى بالفلسفة عن الوحدة التي تتناول الفلسفة بوصفها تيارات أو مذاهب مفترضة. وهي استراتيجية تقوم على رصد المفاهيم التي تقول الحدث فتكشف بذلك عن حركة الفكر؛ لأن المفاهيم إذ تقول الحدث فإنها بذلك تنبثق من صلب حركة الوجود. وهو الأمر الذي يعتمد بالضرورة على تفريغ الكتابة التاريخية وتطهيرها من المطلقات التي تقيد الشعب، حتى لا يتجمد الزمن الذي نحياه، والمكان الذي نعيش فيه والجسد الذي نحيا به.

إنها رؤية استراتيجية هدفها فتح إمكانيات توليد الفوارق التي تنشأ عن التحولات التي يعرفها تاريخ الفكر، ورصد المفاهيم الأساسية التي يحاول الفكر الفلسفي بالمغرب أن يخلخلها بقصد الانفلات من وهم الوحدة والتطابق ومجاوزة التراث الميتافيزيقي عبر مساءلة أصوله الفلسفية. ليؤكد بذلك بن عبد العالي أن التفكير بالمفاهيم هو إثبات لتحولات كبرى حاسمة يحياها الفكر داخل العلاقة بالأرض، فحيثما تحل المفاهيم تتغير الأرض على حد قول “دولوز”.

وإذا سألنا بن عبد العالي: كيف تسنى للفكر المغربي رصد المفاهيم ومتابعة حركتها في المغرب؟ أجابنا باستحضار المفاهيم في ارتباطها بالفكر الغربي المعاصر بإحداث ثورات تعد بمثابة تحولات كبرى:

1. ثورة تاريخية أعادت النظر في مفهوم الحضور.
2. ثورة سيميولوجية أدت إلى مراجعة لمفهوم التأويل وتوليد المعاني.
3. ثورة ابستمولوجية فوضت فلسفة الكوجيتو وابستمولوجية المباشرة.
4. ثورة فلسفية قلبت الأفلاطونية وزعزعت أزواج الميتافيزيقا وأثبتت حقيقة الجسد.

وفهم هذه الثورات التي تؤسس لتحولات كبرى يحتاج إلى حس تاريخي لا يحصر اهتمامه بتحقيب التاريخ وإثبات الأدوار عن طريق بناء المراحل التاريخية والقرون؛ وإنما يقوم على فهم مغاير للزمان يسعى إلى بناء مراحل، لا يكون العصر فيها حقبة زمنية، أو فترة بين تاريخين؛ بل يرى في العصر التاريخي علاقة متفجرة بين الماضي والمستقبل، كما يرى في بداية كل عصر اكتشاف عالم جديد يكشف للإنسان عن علاقة جديدة بين الماضي والمستقبل.

إن الجيل الجديد من الفلاسفة في المغرب وعلى رأسهم بن عبد العالي، ومحمد سبيلاً إنما يؤسسون لعلاقة جديدة تربط الفكر المغربي بعصر تحولات العالم. فتكتسي الفلسفة على أيديهم بثوب زاه، مرقط بنقوش التقويض والمبادرة، ثوب مفتح على الفكر الكوني. إن هؤلاء الفلاسفة إنما يحاولون خلخلة مفاهيم لطالما تداولها الفكر العربي تناولاً دوغمائياً، كمفهوم التراث والهوية والأصل والتاريخ، محاولين تقويض رؤية ميتافيزيقية سيطرت عليه، ومؤكدين في الوقت نفسه قدرة الفكر الفلسفي في المغرب على التراجع والانتقاد، وقدرته على إنتاج الأسئلة وتوليد الفراغات؛ بمعنى قدرته على التحرر مما هو جاهز، والتحرر من الأفكار كسلطة، بمعنى قدرته على الانفصال والقطيعة.

الفكر المغربي

والسؤال: كيف نجح الفكر المغربي أن ينفصل عن الأفكار بوصفها تيارات جارفة؟

والواقع أن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب بالضرورة التعرض لمحاولات هذا الجيل الجديد في المغرب في بناء استراتيجيات فلسفية مقابلة لتلك التي سيطرت على الفكر الفلسفي في المغرب لفترات طويلة، وحصرته في إطار البحث التراثي والتراجم وتقديم التلخيصات. من هذه المحاولات، المحاولة التي قام بها عبد السلام بن عبد العالي وإدريس كثير وعز الدين الخطابي لتجاوز الميتافيزيقا، وعلاقة الفلسفة بالحداثة عند محمد سبيلاً، ومحاولات عبد العزيز، بومسهولي تناول الفلاسفة الغربيين باعتبارهم مفاهيم، ودراسة عبد الصمد الكباص عن بومسهولي باعتباره مفكر الرغبة والزمان، انطلاقاً من عبارة نيتشه “أن المثاليات لا طائل ورائها”.

ثمة استراتيجية يتبناها هؤلاء تعمل النظر في الأسس الفلسفية للأفكار والقضايا بغرض رصد مختلف المفاهيم الأساسية التي يحاول الفكر الغربي أن يخلخلها لينأى بعيداً عن تلك الادعاءات الكاذبة عن امتلاك الحقيقة. ومن ثم نجد بن عبد العالي يراهن على وضع الفكر المغربي في مواجهة أسئلة جديدة، ليست من قبيل الأسئلة الأيديولوجية التي شغلت الفكر العربي وغذته بالأوهام، وجعلته رهين ميتافيزيقا الأصل والهوية، وإنما هي أسئلة مغايرة لتلك الأسئلة التي شغلت عبد الكبير الخطيبي الذي يحول التفكير خارج سياق ميتافيزيقا الحضور، وخارج سياق التراث الفلسفي، أي على هامش تاريخ ميتافيزيقي يقوم على الأزواج (أصل- اشتقاق)، (حضور- غياب).

ومن ثم تتغير النظرة إلى الأصول؛ من قيم ينظر لها باعتبارها قيمة أصيلة خالدة، إلى أصول هي بمثابة نسخ وبداية لا تمثل أي حضور بقدر ما تعبر عن التكرار ، فلا قيمة في هذا التفكير للوحدة الأصيلة وإنما قيمته في إبراز الفوارق والاختلافات. وبن عبد العالي بذلك إنما ينفلت من النزعة المذهبية؛ تلك التي تختزل التفكير في المواقف والنماذج الجاهزة، وتجرد الفكر من الحدث، وتجعل المعنى رهين الثبات، فتفصله بذلك عن الفوارق المولدة لمعان جديدة.

وحتى يتحقق هذا الانفلات، فإن الأمر يتطلب إعادة لحم الفكر بالحدث؛ فالحدث هو ما يتوجب التفكير فيه بطريقة مغايرة للميتافيزيقا التي تفكر في الأصل، في العلة، فتنسى الحدث؛ فكشف العالم وتأويله لا يتم إلا على أساس منظور حدثي يبرز الفوارق ويظهر التعدد الذي يقطن العالم ويشكل لحمته، ومن الممكن أن نسمى هذا المنظور باللاميتافيزيقي، بما أن الحدث يشكل بالنسبة إليه أولوية أنطولوجية.

ومعنى ذلك أن الفكر المغربي المعاصر لكي ينخرط في استعادة الفكر، لابد أن يتماس بالحدث الذي يجعله مشاركاً في الكونية. هذه الكونية التي لا هوية لها، وربما كانت المحددة لكل هوية، ومن ثم لا سبيل لافتراض مفهوم مطلق عن الخصوصية، ولا معنى للأصالة إلا في إطار هذا الفكر الكوني.

الجدير بالذكر أن الكونية هنا في عصر من عصور العالم، وشكل من أشكال الحقيقة. فالكونية لا تحيل إلى معنى عرقي أو جغرافي أو قومي. ومن ثم فـ بن عبد العالي لا يفكر في أصالة أو خصوصية يمكن أن يقوم عليها فكرنا الفلسفي؛ لأن التفكير في الأصل يفصله عن قلب تحولات العالم، كما يفصله عن قدرته على فهم آلية اشتغال الفكر الكوني، وهذا يعني أنه ليس هناك فكر أصيل، لأن كل ما هناك هو كيفيات أصيلة للمشاركة في العالمية والمساهمة في الفكر الكوني، ومجاوزة التقنية من حيث هي اكتمال الميتافيزيقا.

إننا في الفكر المغربي المعاصر مع بن عبد العالي نستعيد الموقف الجينالوجي لا باعتباره دراسة النشأة والتكوين، لإثبات النسب والوقوف عند الأصل، بمعنى دراسة نشأة الميتافيزيقا، والقيام بعرض تاريخي للوقوف عند الأصل الذي نشأت عنه، هذا الأصل الذي يكون قد غذاها منذ البداية فطبعها بطابعه؛ وإنما باعتبارها خلخلة لمفهوم الأصل الميتافيزيقي.

إن الميتافيزيقا تنظر إلى الأصل كما لو كان موطن حقيقة الأشياء؛ فهو النقطة البعيدة التي تسبق كل معرفة إيجابية والتي تجعل المعارف ممكنة. ومن ثم يضع بن عبد العالي الجينالوجيا في مقابل الميتافيزيقا، فهي بمثابة –الجينالوجيا- تاريخ مضاد للتاريخ الميتافيزيقي، وترمي إلى عدم الوحدة، وتقويض الهوية، وإثبات التعدد وإظهار الانفصال الذي يقطن كل هوية. وإذ تقوم الجينالوجيا بذلك فإنها تقلق ما تعتقده الميتافيزيقا ساكناً، وتفتت ما تظنه موحداً، وتظهر التنوع فيما يبدو منسجماً.

إن جيل المفكرين الجديد في المغرب أو ما يمكن أن نسميهم مفكري الاختلاف إنما يضعون الفكر المغربي أمام إمكانية جديدة في التأويل الجينيالوجي وأمام احتمال انفلات الفكر المغربي من هيمنة النزعة الاختزالية والتوحيدية. ليؤكدوا على أن تقويض الميتافيزيقا لا يعني مواجهة حقيقة بأخرى، كما أن تفكيك النصوص لا يعني نقد النصوص أو تحليلها؛ وإنما يعني استراتيجية نتسلل عبرها إلى فكر الاختلاف.

إن ما يقوم به هؤلاء الفلاسفة هو بمثابة الدخول في لعبة استراتيجية تغدو فيها قراءة أسس الفكر تأويلاً جديداً يكشف كيفية تحول المفاهيم، وبناء على هذا المنظور يغدو الفكر المغربي بدوره معنياً باستراتيجية يتسلل عبرها إلى التحولات، كما هو معني بتجاوز الميتافيزيقا ومساءلتها. وهذا ما يسعى إليه بن عبد العالي؛ الذي  يرى أن الميتافيزيقا لا تتوفر قط على ما تدعيه من اكتفاء ويقين وحضور أمام الذات ومعنى ذلك أن ما تدعيه من حضور فإنه لا يستند إلا على الوهم. وإمكان مجاوزة الميتافيزيقا فعلياً يستند بدوره على فضح هذا التعلق بحضور وهمي، وإعادة النظر في مفهوم الحضور ذاته، وما يرتبط بهذا الحضور من مفاهيم متعلقة به كمفهوم الزمان والوجود والتاريخ والمعنى والذات والهوية، وهي كلها مفاهيم محددة بنمط الحضور على نحو ما يذهب دريدا.

مجاوزة الميتافيزيقا أم مجاورتها؟

يتفق في هذا الهدف الاستراتيجي مع بن عبد العالي كل من إدريس كثير وعز الدين الخطابي في تساؤلهما عن مجاوزة الميتافيزيقا أم مجاورتها، وهو سؤال يرتبط ارتباط ضروري وقوي بمحاولات بن عبد العالي الانفلات من هيمنة الميتافيزيقا؛ فالسؤال عن مجاورة الميتافيزيقا يأتي في وقت تبدو فيه الحاجة ماسة إلى البحث في أصول فكرنا العربي وتراثنا الإسلامي، وضرورة الانفتاح على الآخر وإلى المطالبة بالمساهمة في العالمية والكونية، ودفع اللغة العربية إلى اقتحام أبواب الفكر المعاصر. وهي أهداف تضعنا في مواجهة تساؤلات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: هل نلج الكونية بمقياس أجدادنا؟ ما السبيل إلى التعامل مع التقنية التي تعلن نهاية الميتافيزيقا واكتمالها؟ كيف نفهم واقعاً أنطولوجياً طال انقلابه الإنسان والطبيعة والوجود والحقيقة؟ وما أثر التقنية فينا وفي وعينا وتراثنا؟

لتبدو بذلك الجينالوجيا هي الحل الوحيد لتجاوز الميتافيزيقا؛ فإذا كانت الجينالوجيا هي البحث في الأنساب والأصول؛ فإن الأصل هنا لا يعني نقطة بداية ثابتة ولا جوهراً ولا ماهية محفوظة؛ وإنما تبعثر شبيه بتشتت الأجزاء، الأصل حدث وفق زمن ما لا يبدأ من نقطة ولا ينتهي إلى نقطة، إنما هو تفاصيل وأحداث فارقة تفاضلية، زمنها لا ينطلق من اتجاه معين وفق غاية منشودة؛ بل هو إعادة بناء مختلف المنظومات الفاعلة طبق خطة منبوذة.

الجينالوجيا تأويل مستمر، ينتج المعنى من اللامعنى وعكسيا، باحثاً عن قوة المعنى في تراتبها واختلافها، مفترضاً تأويلات لا حصر لها لتفاصيل لا تعد، تفاصيل لغوية اشتقاقية لا تعرف إحالة إلى الأصل والوقائع الخام، تبحث في كيفيات لا في ماهيات، لا تعارض السؤال الماهوي بل تفارقه وتخالفه.

إن الوصول إلى الجينالوجيا وتجاوز الميتافيزيقا لا يكون إلا بإخراج معرفة الذات من البساطة واليقين ومن التنظيم والتمثل إلى اللامعنى والتشتت وإلى اللامركز الذاتي واللاشعور. فحينما تغدو اللغة هي التي تتكلم والمعنى يخرج من اللامعنى، واللاشعور هو المتحكم في بنية الذات، فإن آفاق ما هو مسكوت عنه، وما هو في غياهب النسيان سيظهر للعيان، وتظهر حقيقة الكذب وواقعية الخيال، وهو ما يخول لنا مسائلة الحقيقة بمفارقاتها وتكرارها. ومثل هذا التفكير البناء يدفعنا إلى الاعتراف بالخطأ والقصور، ويدفعها إلى التخلص من النقائض التي جعلناها جزءاً من العقل، وهذا كله من شأنه أن يهدم أسس الميتافيزيقا.

ومن ثم –وفق هذا الفهم- يمكن أن نتكلم عن الفلسفة باعتبارها مكاناً محايداً؛ كما نقرأ في دراسة محمد المصباحي. هذه المحايدة من شأنها أن تجعل ثقافة المعية في مقابلة ثقافة الهوية، وأن تجعل من ثقافة الوحدة مقابل لثقافة التقابل، وأن يصبح العقل هو أداة المكان المحايد.

فثقافة المعية من شأنها أن تدعم الاختلاف؛ فالاختلاف حق بشري موجود في جبلة الإنسان ولا يمكن انتزاعه. ووسط هذا الاختلاف علينا أن نبحث عن حيز أو مكان محايد نبني فيه إمكانية تواصلنا المعرفي والدلالي، بعيداً عن المشاحنات العنيفة والصراعات القاتلة. إن المصباحي يرى أن ترويجنا لثقافة الهوية لم يجلب علينا إلا انتهاك ذاتنا وتهديد وجودنا وإحباط آمالنا المشتركة. فلقد كان ثمن خطاب الهوية مكلفاً للغاية؛ لأننا وجهناه في الغالب ضد أنفسنا دون دراية منا. ومن ثم كان من الواجب علينا أن نبحث عن خطاب بديل لخطاب الهوية، وقد نجده فيما نسميه خطاب “المعية” استلهاماً من ابن عربي، أو فيما يمكن أن نسميه بخطاب الذات عبر الآخر، استلهاماً من ابن رشد.

حرب الهويات

إن حروب الهويات في نهاية القرن الماضي أظهرت أن الهوية أداة ضد الآخر؛ لأنها بطبيعتها منغلقة، ومنعزلة، إقصائية ونافرة من الغير، مستبعدة للتعدد بالرغم من أنها صادرة عنه. ومن ثم يرى المصباحي أن من يتشبث بهوية ما، فهو كمن يعلن الحرب على الآخر. مع ملاحظة أن المصباحي لا يعني هنا أن الهوية معنى سلبي ذا دلالة معيبة، لكن ما يعنيه هو التشبث بالمعاني السلبية للهوية التي من شأنها أن تلغي الاختلاف وتؤكد للوحدة؛ فالمعية إنما تعني علاقة صميمية تداخلية بين الذات والغير؛ فالمعية صحبة ومصاحبة، تجعل الذات تنطق بلسان الموضوع، والهوية عزلة وانفراد، تقصي أي مناسبة بين الذات والآخر.

ومن ثم تأتي المقاربة التوحيدية بدل المقاربة التقابلية، تلك المقاربة التي تنظر إلى العقل الإنساني بوصفه عقلاً واحداً، وأن الاختلاف فيه ينحصر في كيفية ملء مقولاته وجهة استعمالها (كمقولات الزمان، الفعل، الانفعال، الأخلاق، المواطنة، حقوق الإنسان….)، فالعقول كالشرائع واحدة بالقوة كثيرة بالفعل.

إن المقاربة الوحدية، مقاربة المكان المشترك، تعفيناً من جو التوتر المشحون الذي خقله فينا فكر الهوية والتقابل، لأن المقاربة الوحدوية تنطلق من أموراً عامة يشترك فيها الجميع، مهما تنوعت الثقافات والديانات والطوائف والأعراق والطبقات. فالإنسانية واحدة في جوهرها، مختلفة في قدرة تلقيها للأفكار، واحدة في أساطيرها وتصوراتها وخيالاتها وأحلامها وأفكارها، مختلفة في لغة عرضها وكيفية صياغتها.

وبناء عليه يصبح اختلافنا حيال طبيعة العقل ومقدار تطوره وتعدده، فإنه يبقى عقلاً واحداً بوصفه أداة الوقوف على الحق، بغض النظر عن التباين في تعريف هذا الأخير وتعدد مناهج الوصول إليه. وعلى هذا يكون العقل هو صانع المكان المحايد، إن لم يكن هو نفسه المكان المحايد. فهو عندما يتدخل في أمر معرفي أو أخلاقي أو جمالي أو سياسي يضفي عليه سمة الكونية واللا انتماء.

ولكي يبقى العقل مكاناً محايداً أو أداة لبنائه علينا ألا نحبسه في مذهب واحد، أو منهج واحد، أو نلبسه عقلانية بعينها لا نقبل بتغييرها، أو نقيده بتأويل واحد للعالم لا ينفصل عنه، فالعقل لكي يكون محايداً أو أداة للحياد عليه ألا يتلون بأي لون حتى يقبل كل الألوان، مما يفرض عليه أن يراقب ويراجع نفسه باستمرار على ضوء نجاحاته وإخفاقاته.

ومن ثم تصبح الحداثة هي القدرة على إنشاء مكان محايد ومجال عام مشترك بين كل العقول وكل الحضارات، مكان تتساكن وتتحاور فيه تجارب الإنسانية الآتية من كل بقاع العالم ومن كل أزمنة الدنيا.

مع ملاحظة أن دعوة المصباحي إلى مكان محايد لا تعني مطلقاً إثبات تميز هويتنا؛ وإنما جعل هذه الهوية المتميزة قادرة على التجاوب مع العالم المحيط بناء ويقصد به الغرب. وإذ يقول المصباحي بذلك فهو يؤكد في الفلسفة تلك الطبيعة النقدية اليقظة حيال كل ما يهدد إنسانية الإنسان، فتبقى بذلك منفتحة على كل الاحتمالات، وكل الآفاق، رغبة منها في صياغة قواسم مشتركة بين مختلف الحساسيات الفلسفية والثقافية. فالمكان، كما يشير إلى ذلك ابن عربي، فسيح ولا معنى للمزاحمة فيه.

فلسفة جديدة في المغرب

هذه إذن ملامح فلسفة جديدة في المغرب، تنطوي على ثورة على القديم، واستشراف للمستقبل، في ظل فلاسفة جدد نهضوا بالفلسفة المغربية من كبوتها القائمة على أسس ميتافيزيقية بالية، ليؤسسوا لجينالوجيا الميتافيزيقا، وانتهاء بالعقل باعتباره مكان محايداً أو أداة تبني مكاناً محايداً، ليصبح الحق واحد، والاختلاف شريعة الإنسان في الأرض.

مراجع الدراسة 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[*] هذه الدراسة هي بمثابة Review للدراسات المقدمة في مجلة أوراق فلسفية عدد (23) الصادرة في القاهرة لسنة 2009، والتي تضم الدراسات التالية:

1. عبد العزيز بومسهولي: الفلسفة المغربية، ما بعد العروي والجابري سؤال الكونية والمستقبل.

2. عبد السلام بن عبد المعالي: لحظة تحول في الفلسفة المغربية.

3. إدريس كثير وعز الدين الخطابي: مجاوزة الميتافيزيقا، حول: أسس الفكر/ مجاوزة الميتافيزيقا.

4. محمد المصباحي: الفلسفة باعتبارها مكاناً محايداً.

[**] باحث في الفلسفة جامعة القاهرة.

أقرء أيضا
3.7/5
Share on facebook
شارك الآن
Share on twitter
غـــــرد الآن
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on print
Print
أحدث المقالات
تصنيفات
اعلان
مقالات مميزة