ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة

ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة

 




عنوان الدراسة : ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة
دراسة تحليلية

الكاتب : أ.م.د: عماد صموئيل وهبة
أستاذ أصول التربية المساعد
كلية التربية جامعة سوهاج

الفصل الأول

إشكالية الدراسة وإطارها العام

مقدمة الدراسة:
إن قضية بناء الإنسان وإعداده للحياة قضية تربوية متجددة مع تجدد الحياة نفسها ومع تجدد الأجيال وتعاقبها، وهي قضية تحظى باهتمام بالغ ومستمر من كافة دول العالم ومجتمعاته على مر العصور والسنوات، وذلك نظرًا لأهميتها في صقل قدرات الفرد وتمكينه من التعامل الناجح مع ظواهر الحياة وتغيراتها.

كما

أصبح هناك اقتناع متزايد بأن بناء الإنسان وتكوينه إنما يعتمد بالدرجة الأولى على التربية والعملية التربوية التي يتعرض لها، وكذا الأهداف التربوية التي توجه لبناء الإنسان. ومن ثم أصبح النظام التربوي والتعليمي في مصر مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بان يضطلع بدوره في النهوض بالإنسان المصري، وإعادة بناءه وترقية قدراته ومواهبه، وسبيله في تحقيق مهمته هذه يتمثل في مراجعة خططه وتنظيماته وأهدافه ومؤسساته في ضوء توجهات الفلسفات التربوية المعاصرة، وانتقاء المناسب من تلك الفلسفات المعاصرة ودراستها والتعرف على تأثيرها في بناء الإنسان وتربيته داخل المجتمعات والدول المختلفة وخاصة المتقدمة منها.

وفي

هذا الإطار يشير (William, E. D., 2009: 71) إن من أهم الخطوات التي ينبغي على كافة الأنظمة التربوية في دول العالم اتخاذها هي بناء وتربية الإنسان القادر على المواطنة العولمية، والارتباط بمجتمعه المحلي داخليًا، والتعامل مع المجتمع العالمي خارجيًا، وهذا يقتضي إعادة النظر في التربية بدءًا من فلسفتها، وانتهاء بصياغة وبناء الموقف التعليمي وفق معايير جديدة متطورة للحكم على النتاج التربوي، وصورة المستقبل المتولدة عنه.

وهناك عديد من الفلسفات التربوية المعاصرة التي توجهت بأفكارها إلى الاهتمام ببناء الإنسان وتربيته، ومن بين هذه الفلسفات تأتي الفلسفة النقدية المعاصرة باعتبارها إحدى الفلسفات الحديثة التي تقوم على نقد الواقع المجتمعي والإنساني في ضوء ما ينبغي أن يكون عليه، وليس التغافل عنه أو القفز عليه والاستغراق في وضع تصورات لما ينبغي أن يكون (محمد عبد الخالق مدبولي، 2008م: 71)، أو بمعنى آخر الاهتمام بنقد نظم بناء الإنسان والمجتمع تربويًا واقتصاديًا وقيميًا، أكثر من الاهتمام بوضع تصور عن ماهيتها قد لا يكون مفيدًا في عملية السعي إلى تغيير هذه النظام وتطويرها.

وقد شكلت الفلسفة النقدية المعاصرة بشكلها الراهن منظورات ومقاربات ترصد بعين نقدية وفاحصة ما يحدث في الواقع المعاصر من ظواهر ومشكلات وأحداث، وتقديم أفكار لكيفية بناء الإنسان والمجتمع، والاستجابة لمواجهة مشكلات المجتمع عبر التفكير النقدي، كما شكلت الفلسفة النقدية المعاصرة – كما يرى (عبد الأمير الشمري، 2012م: 139) – انعكاسًا لوضع حضاري وثقافي واجتماعي راهن، وانطلقت هذه الفلسفة من روح العصر ومهيمناته التي تحدد أطر التفكير في العالم والحياة والإنسان والتربية واتخاذ موقفًا نقديًا من التحولات والتطورات التي تحدث في كل مجال منهم.

كما يرى كثير من المتخصصين والكتاب في مجال الفلسفة وقضاياها أن الفلسفة النقدية المعاصرة- بتوجهاتها التربوية النقدية، وبأفكارها المتطورة المتعلقة بمشكلات التكوين المجتمعي والإنساني الراهن، وباقتراحاتها لخطاب تربوي جديد يوجه لبناء الإنسان المعاصر- إنما تمثل إحدى أبرز الفلسفات الإنسانية التي تستحق مزيدًا من البحث والدراسة والفحص المتعمق من جانب البحاث والدارسين الذين قد يجدون لدى أصحاب هذه الفلسفة أفكارًا وتطبيقات تربوية أكثر ملاءمة لتقديم حلول لمشكلات تربية الإنسان وبناء قدراته في العمل والحياة. كما أن العملية التربوية تحتاج في كل عصر وزمن إلى الفكر الفلسفي النقدي من أجل فهم عالمها المعاصر بما يتلاءم مع الوضع الراهن في العالم ومشكلاته الاجتماعية والتربوية.

وعملية انتقاء المناسب والمفيد من الفلسفات التربوية المعاصرة تحتاج دائمًا إلى مراجعة وإعادة نظر في ضوء متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وكثيرًا ما يشعر التربويين والمربين أنهم في حاجة الى رؤية من بعد أو من منظور كلي يتم من خلاله تقييم كل جهد تربوي مبذول، وما يشعر به التربويين والمربين هنا هو نوع من التفكير الفلسفي النقدي (محمود صديق سلطان، 2002م: 2).

وتعتبر الفلسفة النقدية المعاصرة إحدى الفلسفات الإنسانية والتربوية التي برزت بقوة في العقود والسنوات القليلة الماضية بداية من النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبح لها قبول لدى الكثير من الكتاب والمفكرين في مجال الفلسفة بصفة عامة وفلسفة التربية بصفة خاصة، وأصبح لها كثير من الرواد والفلاسفة من بينهم: يورجن هابرماس Jurgen Habermas (1929م)، وماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895م – 1973م)، وتيودور ادورنو theodor adorno (1969م-1903م) وكارل ابل karl apel (1922م) وهربرت ماركيوز Herbert Marcuse (1898م – 1979م)، ورايت ميلز Wright Mills (196م – 1962م)، وغيرهم من فلاسفة ورواد الفلسفة النقدية المعاصرة، والذين كان لهم دور بارز في نشر أفكار هذه الفلسفة في كثير من دول العالم.

وفي هذا الإطار تشير دراسة (Devied, R. H., 2010: 83) إلى استناد كثير من الدول العظمى والمتقدمة إلى فلسفات تربوية حديثة في مقدمتها الفلسفة النقدية المعاصرة، وذلك في تحركها لبناء الإنسان لديها، حيث تحركت هذه الدول في إطار تربوي نقدي ينبع من واقعها، وارتكزت على أفكار ورؤى فلسفية معاصرة تناسب وضعياتها المجتمعية والاقتصادية.

كما يشير (السيد سلام الخميسي، د. ت: 38) إلى أن أي انشغال علمي وجاد بشأن تجديد التربية وتطوير عملية بناء الإنسان المصري والعربي لمواجهة التحديات المتنامية لابد أن يبدأ من فلسفة التربية المعاصرة نفسها، ويبحث بتعمق فيها ويأخذ منها ما يناسب طبيعة المجتمع والإنسان وقيمه وعقيدته.

ومما سبق تتضح مدى الحاجة إلى تقديم رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري، بحيث تستند تلك الرؤية إلى فلسفة تربوية معاصرة وجديدة من نوعها، وتهتم بتقديم أفكار عملية لبناء الإنسان وتربيته، وبطريقة تستجيب للتحولات الحضارية، وبشكل يفرض على الإنسان في الوقت الراهن استعدادات وانتظامات تربوية وتعليمية ومعرفية غير مسبوقة لمواجهة تغيرات الحياة المعاصرة.

وتأسيسًا على ذلك كانت مبررات ودواعي اختيار موضوع الدراسة الحالية في محاولة لوضع ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، باعتبارها إحدى الفلسفات التربوية والإنسانية الحديثة والتي أصبح لها انتشار كبير في كثير من دول العالم ومجتمعاته منذ منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، وأصبح لمبادئها الفلسفية وأفكارها التربوية تطبيقات واسعة داخل المؤسسات التربوية في هذه الدول والمجتمعات. وهذا هو ما تحاول الدراسة الحالية تحليله وتقديمه من خلال فصولها وأجزائها المختلفة.

مشكلة الدراسة:

إن البحث في مشكلة بناء الإنسان وتربيته هو بحث دائم لا ينقطع بإسهام بحث أو دراسة معينة، أو باجتهاد باحث معين، لأن البحث في هذا المجال عملية مستمرة تتم في حركة دائمة متواصلة وفي تغير مستمر.

كما يكثر الحديث في الوقت الراهن عن الحاجة إلى إعادة بناء الإنسان ومن ثم بناء المجتمع المصري ككل، وإمكانية تخليص المجتمع من جوانب قصور وضعف في نواحيه الاجتماعية والتربوية والتعليمية، ومن ثم التحول إلى مجتمع جديد يسعى أفراده للتطور والنمو، وأحد أهم سبل ووسائل هذا التطور هو التربية ودورها المؤثر في بناء الإنسان والمجتمع معًا.

وقد جاء الإحساس بمشكلة الدراسة الحالية، وتحددت أهم معالمها من خلال عديد من المعطيات والجوانب من بينها ما يلي:

إن حركة الفلسفة والفكر التربوي في كثير من الدول العربية ومن بينها مصر ما زالت تدور حول مجمل أفكار قديمة وتقليدية تدعو لتمييز نوعيات من التعليم عن غيرها، كما تؤكد على نظريات للتربية عفى عليها الزمن، في حين أن الحركة الفلسفية النقدية والتجديدية في مجال الفكر التربوي كانت كل انشغال العالم المتقدم منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن (شبل بدران، 2006م: ص م).
توجد عديد من المدارس والاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي ظهرت على الساحة العالمية ومن بينها الفلسفة النقدية المعاصرة وغيرها، مما ينعكس أثرها بالضرورة على اتجاهات فلسفة التربية في دول العالم ومن بينها مصر، كما يبرز دور هذه المدارس الفلسفية في توجيه عملية بناء الإنسان عامة وإعداده لعالم متغير في كافة نواحيه.
لعل الرغبة في إعادة بناء الإنسان المصري قد نبعت من الشعور بعدم الرضا عن بعض السلبيات التي اتسم بها سلوك كثير من المواطنين في المجتمع المصري، وكذلك ظهور بعض الأعراض السلبية على بنية الإنسان المصري ومقوماته، ومن هذه الأعراض: شيوع الفردية والسطحية في التفكير، وضعف الرغبة في العمل والإنتاج والانضباط، والجمود في التفكير والسلوك، وانتشار مشاعر اللامبالاة وعدم تحمل المسئولية، والعشوائية في التخطيط والعمل، والعجز في التصدي للواقع من خلال الحس العلمي والتفكير النقدي (أحمد عبد الله الصغير، 2013م: 142).
إن معظم الممارسات التربوية الموجهة لبناء الإنسان المصري سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، إنما تفتقرإلى الاستناد إلى فلسفة تربوية معاصرة واضحة المعالم ومحددة الأسس، تعبر عن أهداف المجتمع وقيمه واتجاهاته وحاجات أفراده، وغالبًا ما تعتمد تلك الممارسات على الاجتهادات الفردية غير المخططة علميًا التي تنتج عنها عمليات ترميم سطحية في مجال بناء الإنسان المصري وتربيته.
ظهور عديد من السلبيات في أساليب تعامل الأفراد داخل المجموعات الاجتماعية كالأسرة، وجماعة الرفاق، وأماكن العمل وغيرها”، مما ترتب عليه ضعف الكفاءة الإنتاجية، وهبوط المستوى الفني والمهني في كثير من قطاعات المجتمع، وظهور نتائج هذه السلبيات في النواحي الاجتماعية وفي إعاقة التقدم والتطور في المجتمع المصري.
يشير (شبل بدران، 2000م: 3) إلى أن مشكلات التعليم في مصر، ومن ثم أزمة بناء الإنسان المصري المعاصر، إنما تعود إلى أزمة الفكر الفلسفي والتربوي السائد في المجتمع المصري منذ عقود من الزمان، كما تعود إلى أزمة طبقة اجتماعية عجزت عن دفع حركة الفكر التربوي، ومن ثم دفع حركة التعليم إلى تحقيق ما يصبو إليه المجتمع المصري ويساعده في مسايرة دول العالم المتقدم.
إن معظم الأهداف التربوية الموجهة لبناء الإنسان العربي والمصري تنقصها الدقة والتحديد ويعوزها الوضوح، وقد وصف البعض هذه الأهداف بأنها أشبه بالشعارات والبيانات السياسية ذات التوقيعات التربوية، وأنها كثيرًا ما تتسم بالسيولة اللغوية والزخارف الخطابية، وتكتب بصياغة فضفاضة، كما أن المناهج والمقررات الدراسية كثيرًا ما اتسمت بالإنشائية والتقليدية والرتابة، وغلبة الشكلية على هذه المقررات، وضعف العناية بالدروس التطبيقية فيها (يزيد عيسى، 2009م: 144).
يجتاز المجتمع المصري حاليًا مرحلة حاسمة ودقيقة في تاريخه، تتطلب إعادة النظر بطريقة شاملة ومستمرة في إصلاح “كافة مجالات حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية وغيرها، ولا يغالي الباحث في القول بأن نجاح ذلك كله مرهون بتطوير المنظومة التربوية والتعليمية في المجتمع، والارتكاز على فلسفة تربوية تنبثق من الواقع الاجتماعي وتوجيه لبناء الإنسان المصري بفكر وتطبيق معاصر ومتجدد.
يؤكد التاريخ التربوي لكثير من الدول والمجتمعات أن فترات التغير السياسي والاجتماعي – مثلما يحدث في مصر بداية من عام 2011م – كان يواكبها دائمًا أن لم يسبقها تغير تربوي يعمل على دعمها والمشاركة في تحقيق أغراضها، كما يعمل على إعادة بناء الإنسان وتطويره فكريًا وعلميًا، وأنه في حالة غياب هذا التغير التربوي يصبح التغير الاجتماعي والسياسي صورة بلا معنى وشكلًا بلا مضمون.
تعكس الفلسفات التربوية الحديثة وفي مقدمتها الفلسفة النقدية المعاصرة بحثًا عن طرق جديدة لبناء الإنسان، وعن سبل جديدة للتفكير والعيش تكون مشتركة بين جميع الفلسفات التربوية. وبالتالي فهناك حاجة مستمرة إلى البحث في تلك الفلسفات والاستفادة منها في بناء الإنسان وتعليمه.
تتوجه حاليًا دول ومجتمعات كثيرة “كاليابان وسنغافورة وهونج كونج وبعض الدول الأوربية مثل ألمانيا وفنلندا وغيرها” إلى تبني توجهات وأفكار بعض الفلسفات التربوية المعاصرة، وفي مقدمتها الفلسفة النقدية المعاصرة في مجال بناء وتربية الإنسان لديها (Ralfe, G. Z., 2010: 59) وهذا بدوره إنما يدعو التربويين في مصر إلى حذو هذه الدول، والاستفادة مما تتبناه من توجهات فلسفية وتربوية، وما اتخذته هذه الدول من خطوات تربوية عملية في مجال بناء الإنسان وتربيته.
كما تبرز مشكلة الدراسة الحالية من خلال ما تشير إليه نتائج عديد من الدراسات والبحوث التربوية السابقة ومن بينها (دراسة أشرف عبده حسن 2003م، ودراسة سيف الإسلام مطر وهاني عبد الستار فرج 2009م، ودراسة أحمد عبد الحليم عطية 2010م، ودراسة حسن حنفي 2010م، ودراسة عبد الغني السمان 2011م، ودراسة أحمد عبد الله الصغير 2013م) والتي توصلت إلى أن غالبية مشكلات بناء الإنسان المصري، وكذلك المشكلات التربوية السائدة في المجتمع المصري مثل: فقدان التوازن بين الكم والكيف في تربية الإنسان وتعليمه، والاختلال بين الحاجات والإمكانيات، وبين تربية الإنسان في الريف والحضر، وبين تربية الأسوياء والمعاقين، وبين النظرية والتطبيق في التربية، وغيرها من المشكلات التربوية الأخرى إنما مردها إلى غياب فلسفة أو فلسفات تربوية معاصرة يمكن الاسترشاد بها في رسم السياسات التربوية، وفي وضع الخطط لمواجهة سلبيات تعليم الإنسان المصري والحد منها.

واستنادًا إلى ما سبق يمكن تحديد مشكلة الدراسة الحالية في أن المجتمع المصري إنما يواجه في الوقت الحاضر عديد من التحديات والإشكاليات المجتمعية والتربوية، وإحدى هذه الإشكالية وأهمها على الإطلاق تتمثل في عملية بناء الإنسان المصري وتربيته في ظل التحولات المجتمعية العالمية والمحلية الراهنة، وهذه الإشكالية تحتاج إلى رؤى تربوية جديدة تستند إلى فلسفة تربوية معاصرة، وهذا ما تحاول الدراسة الحالية تحقيقه من خلال محاولة تقديم ملامح رؤية تربوية لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة.

أسئلة الدراسة:

بلغة البحث العلمي لصياغة مشكلة الدراسة في صورة أسئلة بحثية، فإن الدراسة الحالية تطرح عددًا من الأسئلة وتسعة للإجابة عنها وهي:

ما أبعاد الفلسفة النقدية المعاصرة؟ وما أهم روادها وخصائصها؟
ما توجهات الفلسفة النقدية المعاصرة حول الطبيعة الإنسانية والمعرفة والقيم؟
ما أهم الجوانب التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة؟
ما ملامح الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة؟
أهداف الدراسة:
يتمثل الهدف الرئيس للدراسة الحالية في تقديم رؤية تربوية عصرية مقترحة لبناء الإنسان المصري وتربيته في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، ويتفرع عن هذا الهدف الرئيس مجموعة من الأهداف الفرعية تتمثل فيما يلي:

التعرف على إحدى المدارس الفلسفية المعاصرة في مجال التربية وهي الفلسفة النقدية المعاصرة، ودراسة أبعادها المختلفة وتحليل ظروف نشأتها وأشهر روادها وأهميتها وخصائصها ومباحثها الفلسفية.
الوقوف على التصورات التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة حول الكون والوجود والطبيعة الإنسانية والمعرفة البشرية والقيم والأخلاق وغيرها، بما يفيد في بناء الإنسان المعاصر.
الكشف عن الجوانب التربوية في الفلسفة النقدية المعاصرة فيما يختص بأهداف التربية والمتعلم والمعلم والمناهج الدراسية وطرائق التعليم وغيرها، والتي يمكن أن تسهم في بناء الشخصية الإنسانية برؤية فلسفية جديدة.
تقديم رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، بما يسهم في تطوير العملية التعليمية بجميع عناصرها الرئيسة المسئولة عن تربية وبناء الإنسان المصري.
تقديم مجموعة من الضوابط والتوصيات التي ينبغي مراعاتها لنجاح تطبيق الرؤية التربوية المقترحة لبناء وتربية الإنسان المصري.
أهمية الدراسة وقيمتها التربوية:
تبرز أهمية الدراسة الحالية في جانبين أساسيين هما الأهمية النظرية للدراسة، والأهمية التطبيقية للدراسة، ويمكن توضيحهما كما يلي:

أولًا: الأهمية النظرية للدراسة:

تكتسب الدراسة الحالية أهميتها النظرية من خلال الجوانب التالية:

تتناول الدراسة موضوعًا حيويًا، كما تتطرق إلى إشكالية بحثية مهمة تثير نقاشًا وجدلًا واسعًا على صعيد الفكر التربوي، وتحتاج إلى البحث فيها بشكل متواصل، وهي إشكالية تربية وبناء الإنسان المصري وإعداده للقيام بعمليات التطوير والتغيير المطلوب في المجتمع.
تتناول الدراسة الحالية إحدى المدارس الفلسفية والتربوية المعاصرة والجديدة من نوعها وهي الفلسفة النقدية المعاصرة، التي لها انتشارها الواسع في كثير من دول العالم، ولها روادها وفلاسفتها الكثيرين، كما أن لها تأثيرها البارز على الممارسات التربوية في كثير من المجتمعات المتقدمة في الوقت الحاضر.
تسهم الدراسة الحالية في التجديد والتطوير في عملية بناء الإنسان المصري، والدعوة إلى تحمل مؤسسات التربية المدرسية وغير المدرسية مسئوليتها في هذا الأمر، وهو أمر بالغ الأهمية ومطلبًا حيويًا في كل وقت.
تأتي الدراسة الحالية في وقت مناسب نسبيًا وخاصة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وما يمر به المجتمع المصري حاليًا من مرحلة مهمة وفترة حاسمة في تاريخه، فترة تحمل كثير من التغيرات الإيجابية والسلبية في سلوكيات الإنسان المصري، فترة تحتاج مزيد من الرؤى التربوية والخطوات العملية لإعادة بناء الإنسان المصري.
تأتي الدراسة الحالية متمشية مع توصيات كثير من المؤتمرات العلمية والمراكز البحثية والدراسات التربوية السابقة وغيرها، التي تنادي بضرورة التفكير في إعادة بناء الإنسان المصري، وتقديم الرؤى التربوية لتحقيق ذلك.
تمثل الدراسة الحالية خطوة أولى على طريق البحث في الفلسفات التربوية المعاصرة، تلك الفلسفات المهتمة ببناء وتربية الإنسان وإعداده للحياة المتغيرة، وهذه الخطوة يمكن أن يتلوها خطوات أخرى في هذا المجال.
لم توجد – على حد علم الباحث – دراسة علمية أو تربوية سابقة قامت بالربط بين الفلسفة النقدية المعاصرة والتوجهات والرؤى التربوية بناء الإنسان المصري حاضرًا ومستقبلًا.
ثانيًا: الأهمية التطبيقية للدراسة:

تتحدد الأهمية التطبيقية للدراسة الحالية في الجوانب التالية:

تقدم الدراسة رؤية تربوية قابلة للتطبيق من قبل جميع المؤسسات التربوية ومؤسسات المجتمع المدني في مصر والعالم العربي، بما يرتقي بعملية بناء الإنسان المصري في ظل التغيرات المعاصرة.
تفيد الدراسة الحالية عديد من الفئات والعاملين في مجال التربية والتعليم مثل: المعلمين، والإدارات المدرسية، ومخططي السياسة التعليمية، وواضعي المناهج الدراسية، والمسئولين في الإدارات التعليمية، وأولياء الأمور وغيرهم، بما تقدمه لهم من مقترحات وتوصيات لتربية وبناء الإنسان عامة.
تفيد الدراسة الحالية الباحثين والدارسين في مجال الفلسفة والتربية وغيرها، وكذلك مراكز البحوث التربوية، ومسئولي مؤسسات المجتمع المدني المشاركة في مجال التنمية البشرية وبناء الإنسان المصري.
تسهم الدراسة الحالية في توجيه وإرشاد المؤسسات التربوية والمجتمعية إلى كيفية المشاركة العملية والفعالة في بناء الإنسان المصري حاضرًا ومستقبلًا.
تفتح الدراسة الحالية المجال أمام دراسات أخرى في مجال فلسفة التربية المعاصرة من ناحية، وفي مجال بناء وتربية الإنسان المصري من ناحية أخرى.

منهج الدراسة:

أصبح من البديهي أن موضوع الدراسة وإشكاليتها يفرضان نوع المنهج المستخدم فيها، وعلى ضوء طبيعة الدراسة الحالية وأسئلتها وأهدافها تم استخدام “المنهج الوصفي” بجوانبه التحليلية، وهو منهج لا يقف عند مجرد وصف البيانات والمعلومات، بل يسعى لتحليلها وتفسيرها لاستنباط دلالات ونتائج ذات مغزى من خلالها، كما أنه يمتد لرصد واقع الظاهرة موضع الدراسة وتحليلها ونقدها والتنبؤ بمستقبلها.

كما استخدمت الدراسة “أسلوب التحليل الفلسفي”، وذلك نظرًا للطبيعة الفلسفية التربوية للدراسة الحالية، وما تسعى إليه من كشف للجوانب التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة، وتقديم ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء هذه الفلسفة.

وقد استخدم الباحث كل من المنهج الوصفي وأسلوب التحليل الفلسفي في الدراسة الحالية من خلال الإجراءات المنهجية والبحثية التالية:

رصد الأدبيات التربوية والفلسفية المتعلقة بالفلسفة النقدية المعاصرة، ثم استقراءها وتحليلها للوقوف على أهم أبعاد هذه الفلسفة وظروف نشأتها وخصائصها وأهم روادها ومتضمناتها الفلسفية والتربوية.
جمع وتحليل الكتابات المعنية بقضية بناء وتربية الإنسان وإعداده للحياة، والرجوع إلى الدراسات السابقة العربية والأجنبية في هذا المجال، والاستفادة منها في تحديد الجوانب الواجب التركيز عليها.
تحليل مبادئ وأفكار الفلسفة النقدية المعاصرة حول قضايا الكون والمجتمع والطبيعة الإنسانية والمعرفة البشرية والقيم الأخلاقية وغيرها، وتوجهاتها التربوية تجاه هذه القضايا.
تحليل الجوانب التربوية في الفلسفة النقدية المعاصرة، وتحديد مواطن التركيز فيها على تربية وبناء الإنسان المعاصر في ظل التغيرات المجتمعية.
توظيف جميع الإجراءات والخطوات السابقة في وضع ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، وتقديم مجموعة من التوصيات اللازمة لفاعلية تحقيق الرؤية التربوية المقترحة لأهدافها في مجال بناء الإنسان المصري.
حدود الدراسة:
تقتصر الدراسة الحالية على تناول الفلسفة النقدية المعاصرة، وذلك باعتبارها إحدى الفلسفات الإنسانية والتربوية المعاصرة التي تطرح رؤى جديدة للأفكار والنظريات والتصورات التربوية، وكذلك تتفق هذه الفلسفة مع ما ينشغل به التربويين والقائمون على التعليم من قضايا تربوية، فضلًا عن حداثة هذه الفلسفة وانتشار مبادئها الواسع عالميًا، واتساع تطبيقاتها التربوية في كثير من دول العالم في الوقت الحاضر.
تقتصر الدراسة الحالية على دراسة بعض القضايا الفلسفية وثيقة الصلة بمجال التربية والعملية التربوية والتعليمية وهي قضايا: الكون والوجود والمجتمع، والطبيعة الإنسانية، والمعرفة البشرية، والقيم والأخلاق. وذلك من خلال آراء وأفكار الفلسفة النقدية المعاصرة.
تقتصر الدراسة على تقديم ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، بحيث تتوافق هذه الرؤية مع البناء الاجتماعي المصري وفي ضوء التغيرات والديناميات العالمية.
مصطلحات الدراسة:
استخدمت الدراسة الحالية عدة مصطلحات أساسية، سوف يعرض الباحث بعضها باختصار هنا، على أن يقدم لها عرضًا مفصلًا وتحليليًا في متن الدراسة وأجزائها المختلفة، ومن أهم هذه المصطلحات ما يلي:

الفلسفة النقدية المعاصرة:

الفلسفة النقدية المعاصرة هي اتجاه فكري وفلسفي له انتشار واسع النطاق في الوقت الراهن، يتناول من خلاله الفيلسوف أو المفكر مجموعة من القضايا تشكل إطارًا لنقد النظام الاجتماعي القائم والكشف عن تناقضاته، بحثًا عن نظام تنتفي فيه هذه التناقضات. والمدرسة النقدية في أصلها هي إحدى المدارس الفلسفية التي تتصل بعلم الاجتماع الجديد، الذي نشأ من خلال جهود عديد من المفكرين على رأسهم: رايت ميلز Wright Mills، وكولمان Coleman، وليفين Levine، وجنكز Cengz، وغيرهم (سامي محمد نصار وجمال عبد المنعم أحمد، 1998م: 214).

والفلسفة النقدية المعاصرة هي إحدى الفلسفات الحديثة التي تقوم على نقد الواقع المجتمعي والإنساني في ضوء ما ينبغي أن يكون عليه، وليس التغافل عنه أو القفز عليه والاستغراق في وضع تصورات لما ينبغي أن يكون (محمد عبد الخالق مدبولي، 2008م: 71)، أو بمعنى آخر التركيز على نقد نظم بناء الإنسان والمجتمع اجتماعيًا وتربويًا واقتصاديًا وقيميًا، أكثر من الاهتمام بوضع تصور عن ماهيتها قد لا يكون مفيدًا في عملية السعي إلى تطوير هذه النظم.

وبذلك فالفلسفة النقدية المعاصرة هي إحدى الفلسفات الإنسانية والتربوية التي برزت بقوة في العقود والسنوات القليلة الماضية وخاصة من منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، وأصبح لها قبول لدى كثير من الكتاب والمفكرين في مجال الفلسفة بصفة عامة وفلسفة التربية بصفة خاصة، وارتبط بها كثير من الرواد والفلاسفة من بينهم: يورجن هابرماس Jurgen Habermas (1929م)، وماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895م – 1973م)، وتيودور أدورنو Theodor Adorno (1903م – 1969م)، وكارل آبل Karl Apel (1922م)، وهربرت ماركيوز Herbert Marcuse (1898م – 1979م)، ورايت ميلز Wright Mills (1916م – 1962م)، وغيرهم من فلاسفة ورواد الفلسفة النقدية المعاصرة، والذين كان لهم دور بارز في نشر أفكار هذه الفلسفة في كثير من دول العالم.

رؤية تربوية لبناء الإنسان المصري:

مصطلح بناء الإنسان أو إعادة بنائه من المفاهيم القديمة في أصلها ومرجعها، والجديدة والمتجددة في معناها ومضمونها، ولا يقصد بالبناء هنا معناه الحرفي بمعنى التشييد أو إقامة الشيء أو إعادة إقامته بعد أن تهدم، ولكن يقصد به تكوين الإنسان وتأهيله للحياة الناجحة في كل عصر وزمان.

وبناء الإنسان يعني تطبيع الإنسان وتنشئته داخل المجتمع بشكل إيجابي ومن خلال المؤسسات التربوية المختلفة، وفي مقدمتها المدرسة والمؤسسات التعليمية، وذلك عن طريق أهداف التربية والمناهج الدراسية وطرائق التعليم والإدارة المدرسية والمعلم وأساليب التقويم وغيرها، وذلك بغرض تكوين الإنسان المصري المفكر والمخطط والمنفذ بوعي في الحياة والعمل، الإنسان الذي يستطيع التعامل مع مقومات الحضارة المعاصرة بنواحيها العلمية والتكنولوجية.

أما بالنسبة للرؤية التربوية المقترحة فيقصد بها تصور تخطيطي مقترح يشتمل على مجموعة من الأهداف والمنطلقات والمحاور المختلفة التي تركز على مجموعة من الجوانب الخاصة بتربية وبناء الإنسان المعاصر، ويرسم الخطوات اللازمة لكل عنصر من عناصر العملية التربوية للقيام بدوره بفاعلية في بناء الإنسان المصري في ضوء إحدى الفلسفات التربوية الحديثة وهي الفلسفة النقدية المعاصرة وما تقدمه من آراء وتطبيقات تربوية في مجال بناء الإنسان.

خطوات السير في الدراسة:

للإجابة عن أسئلة الدراسة ولتحقيق أهدافها جاءت خطوات السير في الدراسة الحالية كما يلي:

لتحديد مشكلة الدراسة الحالية وإبراز أهميتها وقيمتها التربوية خصص الباحث الفصل الأول من الدراسة بعنوان (إشكالية الدراسة وإطارها العام) والذي تضمن: مقدمة الدراسة، ومشكلتها، وأسئلتها، وأهدافها، وأهميتها النظرية والتطبيقية وقيمتها التربوية، والمنهج البحثي المستخدم فيها، وحدود الدراسة ومصطلحاتها، وأخيرًا خطوات السير في الدراسة.
للإجابة عن الأسئلة الثلاثة الأولى من أسئلة الدراسة الحالية خصص الباحث الفصل الثاني من الدراسة بعنوان (الجوانب التربوية في الفلسفة النقدية المعاصرة) والذي تضمن: نشأة الفلسفة النقدية المعاصرة وتطورها، وطبيعتها ومفهومها، وأهم روادها وفلاسفتها، وأهميتها ومجالات تطبيقها، وخصائصها، وكذلك آراء الفلسفة النقدية المعاصرة حول الوجود والكون، وحول الطبيعة الإنسانية، وحول طبيعة المعرفة، وحول القيم والأخلاق، والتطبيقات التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة من خلال أهداف التربية، والمناهج الدراسية، وطرائق التعليم، والمتعلم وواجباته، والمعلم وأدواره، والإدارة المدرسية والمناخ التربوي، والتقويم التربوي، وأخيرًا الانتقادات الموجهة للفلسفة النقدية المعاصرة.
للإجابة عن السؤال الرابع من أسئلة الدراسة الحالية خصص الباحث الفصل الثالث من الدراسة بعنوان (ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة) والذي تضمن: أهداف الرؤية التربوية المقترحة، ورهانات الرؤية التربوية المقترحة، ومنطلقاتها، والسمات المطلوبة فيها، ومحاور الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري والتي ركزت حول طبيعة الكون والوجود والمجتمع، والطبيعة الإنسانية، وطبيعة المعرفة البشرية، وطبيعة القيم والأخلاق، وأهداف تربية الإنسان المصري، والمناهج وطرائق التعليم، وطبيعة المتعلم وواجباته، وطبيعة المعلم ومهامه، والإدارة المدرسية والمناخ التربوي، وطبيعة التقويم التربوي، وأخيرًا توصيات لنجاح تطبيق الرؤية التربوية المقترحة.
واختتمت الدراسة خطواتها بقائمة المراجع المستخدمة، وبذلك جاءت الدراسة الحالية متضمنة ثلاثة فصول بالإضافة إلى قائمة المراجع الخاصة بها.

ملخص الفصل الثاني

الجوانب التربوية في الفلسفة النقدية المعاصرة

تطرق هذا الفصل من الدراسة إلى إبراز مجموعة كبيرة من الموضوعات والجوانب المتصلة بالفلسفة النقدية المعاصرة من بينها نشأة الفلسفة النقدية المعاصرة وتطورها، حيث تبين أن الفكر الفسلفي النقدي قديم قدم الفكر البشري، وأنه على الرغم من أن الفلسفة النقدية المعاصرة لها جذور تاريخية عميقة، إلا أنها بدأت في الانتشار الواسع والظهور في كثير من دول العالم في أوربا وأمريكا الشمالية واللاتينية وأسيا وغيرها، وذلك بداية من منتصف القرن العشرين، وقد تنوعت مجالات اهتمام هذه الفلسفة ومنها المجال الاجتماعي والسياسي والتربوي وغيرها، كما ارتبطت هذه الفلسفة في نشأتها وتطورها بقضايا دول العالم الثالث والدول الفقيرة،  وكذلك ارتبطت هذه الفلسفة بمدارس فلسفية شهيرة مثل: مدرسة فرانكفورت الفلسفية النقدية في ألمانيا وفروعها في عديد من الدول الأوربية، ومركز الفكر النقدي في كاليفورنيا وفروعه.

كما تعرض هذا الفصل لطبيعة الفلسفة النقدية المعاصرة ومفهومها، حيث تبين أن هذه الفلسفة تعبر عن حركة فلسفية شاملة تستهدف تأكيد ضرورة التغيير الأساسي والجوهري للأنماط الحضارية القائمة، وإذا كان هذا النقد يبدأ بتحليل سلبي، فإن التغيير يتطلب توافر شروط ثلاثة، أولها: يتمثل في توجه الفكر الفلسفي النقدي إلى الكشف عن التناقضات التي توجد في الواقع وتفقده أحيانًا تكامله، وتجعله عاجزًا عن الوفاء بالمتطلبات الأساسية للمجتمع باعتباره تجمعًا إنسانيًا، ويتمثل الشرط الثاني في امتلاك الحركة النقدية لتصور نموذجي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، واكتشاف الآليات التي تحكم عملية التطور والانتقال إلى المجتمع المتحضر، ويتصل الشرط الثالث: بضرورة امتلاك الحركة الفلسفية النقدية لقوى اجتماعية تصبح هي العامل الثوري الذي ينتقل بالمجتمع مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون.

كما تناول هذا الفصل أهم رواد الفلسفة النقدية المعاصرة وفلاسفتها، حيث تبين أن هذه الفلسفة ارتبطت بأسماء عديد من الفلاسفة والمفكرين النقديين المعاصرين أمثال: يورجن هابرماس Jurgen Habermas (1929- حتى الآن)، وماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895-1973م)، وتيودور أدورنو Theodor Adorno (1903م-1969م)، وكارل آبل Karl Otto Apel (1922م)، وهربرت ماركيوز Herbert Marcuse (1898-1979م)، ورايت ميلز Wright Mills (1916-1962م)، وغيرهم من الفلاسفة المعاصرين الآخرين الذين كان لهم دورًا في انتشار مبادئ وأفكار وتطبيقات الفلسفة النقدية المعاصرة في دول العالم.

كما تعرض هذا الفصل لأهمية الفلسفة النقدية المعاصرة ومجالات تطبيقها، حيث وضحت أهمية هذه الفلسفة من خلال تأثيرها البارز في الحياة الفلسفية والاجتماعية والتربوية المعاصرة، وتعدد استخداماتها وتطبيقاتها في مجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، كما أن هذه الفلسفة اهتمت بالانفتاح على مجالات علمية مختلفة كالعلوم الإنسانية والإنثروبولوجيا والتحليل النفسي وعلم النفس والتربية وغيرها، مما أعطي لنتائجها وأحكامها مصداقية وقبول لدي الكثيرين.

كما تضمن هذا الفصل أهم خصائص الفلسفة النقدية المعاصرة، والتي تمثلت في: تنوع مستويات النقد الفلسفي في هذه الفلسفة، والنظرة الدائمة إلى الحداثة، وإلى كل ما هو جديد في المجتمع، ومقاومة الانتماء السياسي المباشر، والابتعاد عن كل استقطاب مؤسسي أو سياسي، والتفكير الدائم في مسألة التغيير المجتمعي، وتنوع اهتمامات الفلسفة النقدية المعاصرة، ومقاربة ونقد موضوعات واختصاصات متعددة، والمزج بين الفلسفة والاجتماع والتربية في الفكر النقدي المعاصر، وغيرها من الخصائص الأخرى التي ساعدت الفلسفة النقدية المعاصرة في الظهور والانتشار العالمي والاستمرار كإحدى المدارس الفلسفية البارزة في السنوات والعقود القليلة الماضية.

كما تناول هذا الفصل أراء الفلسفة النقدية المعاصرة حول الوجود والكون، حيث قدمت هذه الفلسفة رؤية معاصرة عن العالم والوجود انعكست من خلالها السمات الأساسية للعصر، واهتمت بالربط بين النظرة إلى العالم والوجود وبين ظواهر العلمنة والعقلنة والنزعة نحو الانفتاح على المستقبل والتركيز على دينامية العالم وتغيره باستمرار، وتشجيع فكرة “التأمل الذاتي” في الكون والعالم، والتفكر في الواقع الفعلي، والنظر إلى العالم باعتباره مرادف لكلمة “الحداثة”، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني وخصائص تشير إلى الازدهار الخارق للعلوم والتقنيات وغيرها، والربط بين مجالات ثلاثة في العالم (وهي عالم الطبيعة الخارجية، وعالم المجتمع، والعالم الداخلي للشخص).

كما قدم هذا الفصل آراء الفلسفة النقدية المعاصرة حول الطبيعة الإنسانية، حيث تؤمن هذه الفلسفة بالتقدم المستمر للإنسانية بفضل انتشار العلم وسيطرة التفكير العلمي، وأن قدرات الإنسان غير محدودة، وأنه يستطيع تغيير الواقع المادي والاجتماعي الذي يعيش فيه، وأن الإنسان هو ما ينتجه هو بنفسه، وما ينتجه الإنسان هو عالمه وتاريخه ووجوده الاجتماعي في الحياة، وأن الإنسان المعاصر يوجد في حالة قلق دائم، وأن الإنسان هو عالم لذاته متمركز حول نفسه، ولكنه ليس منغلقًا على  ذاته، وقد انتقد أصحاب الفلسفة النقدية المعاصرة صيرورة العقل أحيانًا إلى أداة بيد الشركات المنتجة الكبرى، والتفنن في إيجاد الوسائل الكفيلة لزيادة الاستهلاك، وكذلك رفضت هذه الفلسفة فكرة “العقل الأداتي” في الإنسان، ورأت أن هذه الفكرة تؤدي إلى أن الإنسان يصبح شيئًا ثابتًا وكميًا مثل التقنية، ويفتقر إلى إمكانياته الخاصة.

كما اشتمل هذا الفصل على آراء الفلسفة النقدية المعاصرة حول المعرفة البشرية، حيث ركزت هذه الفلسفة على فكرة “إعادة بناء العلوم” في  مجال المعرفة، وأن بناء المعرفة الإنسانية  لا يقوم على مجرد إعادة صياغة نصوص الآخرين والاكتفاء بتفسيرها والتذييل عليها، وإنما يتضمن أيضًا توجيه السؤال الدائم عن الواقع الفعلي والعالم المعاش، وأن المعرفة الإنسانية أصبحت سلطة لا تعرف حدودًا، وأنها تحدث في سلسلة من مراحل التقدم التي لا يمكن السير  في عكس الطريق الذي سلكته وأن المعرفة المعاصرة هي معرفة ذات جوهر تقني وأن النقد الفلسفي  يمثل في حد ذاته  فاعلية فكرية ينبثق عنه معارف جديدة، وأن المعرفة نسبية في حالة تغير مستمر ومتجدد، وأن كثير من هذه المعرفة تخضع للتجربة العلمية، وأن المعرفة تمثل المحور الأساسي للدراسة النقدية في التربية.

كما تضمن هذا الفصل آراء الفلسفة النقدية المعاصرة  حول القيم والأخلاق حيث ترى هذه الفلسفة أن قمة القيم والأخلاق تتمثل في الإيمان بالله عظيم الخير بغير حدود، وأن الأحكام حول القيم قابلة للتغيير والتجديد وهي ليست ثابتة بل تتغير بتغير الأشخاص والمواقف، وأن الإجماع القيمي والاتفاق الجمعي حول معايير الأخلاق أحيانًا لا يتحقق إلا من خلال الدين، واهتمت هذه الفلسفة بالبعد العالمي للقيم في الوقت الحاضر وقد ركزت هذه الفلسفة على عدة تطبيقات لهذه القيم والأخلاقيات في العصر الحالي تتمثل في كل من: “أخلاقيات النقاش”، باعتباره تأسيسًا للمجتمع المعاصر، و”أخلاقيات الحضارة التكنولوجية” بأبعادها العالمية، و”نظرية الديمقراطية التشاورية” ودورها في حل المشكلات وأخيرًا “فكرة النقد الذاتي” وأهميته لنجاح الإنسان في حياته.

كما تناول هذا الفصل التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة في عدة مجالات، في مقدمتها أهداف التربية، حيث ركزت الفلسفة النقدية المعاصرة على عدة أهداف مثل: تدريب المتعلمين على ممارسة النقد الاجتماعي، وتشجيع الذاتية والاستقلال لدى المتعلم، والاهتمام بتنمية القيم الاجتماعية لدى الناس من خلال التربية، وتطوير الشعور بالمسئولية الاجتماعية لدى الأشخاص، وتقديم برامج دراسية واقعية للإصلاح المجتمعي وبناء مجتمع أفضل، وتمركز التربية حول المتعلم وسعيها لتلبية احتياجاته، والتركيز على التربية المتغيرة للإنسان، وإدخال مكون المستقبل في التعليم، والتأكيد على المسؤولية الأخلاقية للمدرسة تجاه طلابها.

كما تعرض هذا الفصل للتطبيقات التربوية للفلسفة النقدية المعاصرة في مجال المناهج الدراسية، حيث ركزت هذه الفلسفة على عدة جوانب هي: أن بناء المنهج عملية اجتماعية تخضع لفلسفة المجتمع وتتأثر بظروفه وأحواله، مع تركيز المنهج على أساسيات العلم والمعرفة، وأن يعتمد المنهج على نتائج الدراسات والبحوث الأمبريقية باعتبارها تمثل نقطة تحول حقيقية من مرحلة الفلسفة الاجتماعية إلى مرحلة العلمية التجريبية، والاهتمام بتعليم القيم المجتمعية للطلاب من خلال المنهج الدراسي، وإدراج جانب المستقبل في المناهج الدراسية، وإخضاع المناهج الدراسية للنقد والتحليل المستمرين.

كما تضمن هذا الفصل التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية في مجال طرائق التعليم، حيث ركزت هذه الفلسفة على عدة طرائق وأساليب فعالة للتعليم وهي: أسلوب مجموعات المتعلمين، وأسلوب الحوار والنقاش، وحلقات التواصل، وأسلوب التفريد بحسب الاستعدادات، وأسلوب التدرج والتوجيه أثناء عملية التدريس وفقًا لقدرات المتعلم وحاجاته، وأسلوب التعليم بالقدوة العملية، وأسلوب تلازم الأقران. مع مراعاة المعلم أن يبني طريقته في التعليم على أساس أن الفرد يتعلم بشكل أفضل في مواقف شبيهة بمواقف الحياة اليومية، وان طريقة التعليم الناجحة يجب أن تدرب الطلاب على ممارسة طرائق التفكير النقدي والمنطقي.

كما تناول هذا الفصل التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية في مجال المتعلم وواجباته، حيث ركزت هذه الفلسفة على أنه يجب مساعدة المتعلم على إدراك الصلة بين ما يتعلمه وبين الحياة، وتنمية قدراته على استخدام العقل بطريقة نقدية، والارتباط بأهداف أبعد أثرًا بالنسبة للمتعلم باعتبار التعليم عملية مستقبلية أكثر منها عملية وقتية حاضرة، كما يتعين على المتعلم أن يدرس العلوم بطريقة نقدية ومن خلال عقلية مفكرة ناقدة، كما ينبغي الاهتمام بتنمية أخلاقيات المتعلم، ومنح المتعلم أكبر قدر من الحرية في التصرف وفي التعامل مع زملائه في حجرة الدراسة.

كما تضمن هذا الفصل التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية في مجال المعلم وأدواره، حيث ركزت هذه الفلسفة على أن المعلم هو مفتاح العملية التربوية، وله مكانة مهمة فيها، وعلى المعلم أن يدرك أنه يعيش في عالم له حقائقه العلمية ومنجزاته الطبيعية، وأن واجب المعلم هو التوسط بين العالم كامل النمو وعالم الطفل، وأن يكون المعلم مؤهلًا تأهيلًا مناسبًا من النواحي العقلية والمهنية والأكاديمية والعاطفية ليستطيع القيام بمهامه، وأن تأثير المعلم في نمو تلاميذه لا يحدث بحشو رؤوسهم بالمعلومات، ولكن بمراقبة البيئة التربوية التي يجري فيها نموهم، وأن من بين مهام المعلم تدريب تلاميذه على استخدام التفكير النقدي في إيجاد الحلول الجديدة والمبتكرة للمشكلات، وأن يقف المعلم موقفًا مستمرًا من فكره وطريقته في التعامل مع التلاميذ.

كما توجه هذا الفصل إلى توضيح التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية في مجال الإدارة المدرسية والمناخ التربوي، حيث ترى هذه الفلسفة أن عمل إدارة المدرسة يقوم على تطبيق مبادئ الديمقراطية داخل أسوار المدرسة، وتشجيع التعاون بين أفراد العمل أكثر من تشجيع التنافس بينهم، والمشاركة في إعادة البناء الاجتماعي في أي مجتمع إنساني، والمشاركة في وضع تصور لإدارة المشكلات التربوية والتصدي للأزمات المجتمعية، وتطبيق مبادئ المحاسبية والمساءلة، والتقييم المستند إلى الأداء، وتحقيق فاعلية المدرسة والتعلم المرتكز إلى المخرجات.

كما تناول هذا الفصل التطبيقات التربوية للفلسفة النقدية في مجال التقويم التربوي، حيث ترى هذه الفلسفة أنه يجب التركيز على وضع مستويات أكاديمية عالية يسترشد بها في تحديد أساليب التقويم، والربط بين وسائل التقويم وطرائق التعليم، واستخدام وسائل التقويم الفردي والجماعي للأنشطة التعليمية، وتقديم المكافآت والإثابات للتلاميذ انطلاقًا من نتائج أداءات الجماعة، كما ترى هذه الفلسفة أن التقويم التربوي يجب أن يركز على إعادة بناء المتعلم علميًا وأخلاقيًا، وتنمية التفكير النقدي والموضوعي لدى التلاميذ، وتنمية طرق تقويم الذات لديهم.

وأخيرًا تضمن هذا الفصل الانتقادات الموجهة للفلسفة النقدية المعاصرة، وسبل الرد على هذه الانتقادات، وقد تبين أنه رغم وجود بعض الانتقادات التي تعرضت لها هذه الفلسفة فإنها تبقى مدرسة فلسفية جديدة من نوعها، قدمت حلولًا لكثير من المسائل الاجتماعية والفلسفية والتربوية والحياتية التي تعرضت لها، كما أنها فلسفة معاصرة لها انتشارها الواسع، وتأثيرها البارز في الممارسات التربوية في كثير من المجتمعات والدول منذ منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الراهن.

الفصل الثالث

ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة

مدخل:

لقد أضحى التجديد في مجال تربية الإنسان وتعليمه مطلبًا ملحًا في جميع الدول والمجتمعات وإن كان بنسب متفاوتة من دولة لأخرى ومن مجتمع لآخر، كما يمثل هذا التجديد طرفًا رئيسًا في المسألة التعليمية، ومحل اهتمام واسع من جانب النخب المعنية بطروحات التغيير الشامل في بنية المجتمع المصري بتجاوز أزماته الراهنة، ورسم مسارات لمستقبل أفضل للإنسان المصري، وللمتخصصين في الشأن التربوي والتعليمي، الذين يتجهون في طرح رؤاهم التجديدية لتربية الإنسان المصري منذ عقود مضت.

كما أن الاستجابة لهذه المطالبات التجديدية لم تعد تقبل التأجيل في ظل التغيرات والأحداث والتطورات الراهنة في المجتمع المصري مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وما برز بها من تغيرات سياسية واجتماعية لم تترك آثارها على مصر وحدها بل على دول العالم بأكملها، وبذلك تضاعفت مبررات التجديد، وتنوعت مصادر دواعيه من داخلية وخارجية ومحلية وكونية.

علاوة على المظاهر المختلفة لأزمة النظام التربوي في مصر وغيرها من الدول العربية، والتي لا تتطلب إسهابًا في عرضها، فضلًا عن توترات العولمة التي أضافت إشكاليات تربوية جديدة بجانب الإشكاليات القديمة، ولذلك لم يعد بوسع النظم التربوية عامة وفلسفة تربية الإنسان بشكل أكثر تحديدًا في مصر وغيرها من الدول العربية غض الطرف عن هذه الإشكاليات أو تجاوزها أو اللامبالاة بشأنها.

ومن هذا المنطلق يحاول الباحث في هذا الفصل رسم ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، وهذه الرؤية التربوية تمثل في حد ذاتها مجهود عقلي يسعى إلى ترجمة ما تنادي به فلسفة التربية المعاصرة بصفة عامة والفلسفة النقدية المعاصرة بصفة خاصة من أهداف وقيم واتجاهات وآراء، وتحويلها إلى تطبيقات تربوية وخطوات عملية لبناء الإنسان في المجتمع المصري، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة التغيرات المعاصرة عالميًا ومحليًا، وكذلك طبيعة التحديات التي تواجه المجتمع المصري حاليًا.

أولًا: أهداف الرؤية التربوية المقترحة:

تقوم الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري على تحقيق مجموعة من الأهداف من بينها ما يلي:

تقديم بعض الآليات والطرق التي يمكن للمؤسسات التربوية استخدامها في إعداد وتأهيل الفرد للتعامل مع المستقبل، وكذلك تفعيل أدوار كل من: المعلم، والإدارة المدرسية، والمناهج الدراسية، وطرائق التعليم، ووسائل التقويم في بناء الإنسان المصري المعاصر منذ الصغر.
الانفتاح على الفلسفات الإنسانية والتربوية المعاصرة، وإحدى هذه الفلسفات هي الفلسفة النقدية المعاصرة، خاصة وأن منهج التفكير والبحث العلمي المتطور يستدعي الاستمرار في دراسة الاتجاهات والمدارس المعاصرة في ميادين العلم والفلسفة والاجتماع والثقافة وغيرها، مع مراعاة الوعي والموضوعية في التعامل مع هذه الاتجاهات وتلك المدارس، فالوعي بالاتجاهات الفلسفية المعاصرة ودراسة أفكار الآخرين وثقافاتهم يساعد في الوقوف على منابع التغيرات والتأثيرات العالمية وما فيها من جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ويساعد الفرد من فهم مواقف الآخرين وكيفية التعامل معهم.
محاولة تشوف المستقبل وانتهاج النظرة المستقبلية في مجال التربية من خلال تقديم بعض المبادئ التربوية اللازمة لبناء وتربية الإنسان في المجتمع المصري، وتمكينه من مواجهة تحديات عالم المعرفة والتكنولوجيا.
تقديم مجموعة الضوابط والتوصيات التي ينبغي مراعاتها لنجاح تطبيق الرؤية التربوية المقترحة لإعداد وبناء وتربية الإنسان المصري.
ثانيًا: رهانات الرؤية التربوية المقترحة:

تقوم الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري تربويًا على مجموعة من الرهانات تمثل ركائز أساسية لها، وتتمثل هذه الرهانات فيما يلي:

الرهان على المستقبل، فالمجتمع الباحث عن التطور والنمو، والساعي للانتقال من المرحلة الحالية بكل صعوباتها إلى المستقبل بكل طموحاته وتطوراته لابد أن يتسلح بفلسفة تربوية ومجتمعية مستقبلية واضحة، وما ينطبق على المجتمع لابد وأن ينطبق على العاملين في المجال التربوي الذين يلزمهم التمسك بفلسفة تربوية توضح لهم الطريق وتعينهم في أدوارهم في تربية الإنسان، وإعداد الأجيال للحياة.
الرهان على الواقع المصري الراهن، وهو الرهان الفعل الآني، وهو الرهان العاجل، رهان على قدرة فلسفة التربية على التنظير المباشر للواقع برؤى جديدة، تبتعد عن مجرد التعامل مع النصوص القديمة دون تجديد أو إبداع، فالتعامل مع الواقع لا يتطلب تغطيته بسطح خارجي من المنقولات القديمة التي لا تجد لها نبتًا ويسهل استبعادها في أي تغيير في هذا الواقع.
الرهان على النقد البناء، ونقد العقلية التربوية التقليدية، ومصطلح النقد هنا يعني بيان القدرات وتحديد الإمكانيات بواقعية، والاعتراف بتراجع العقل التربوي النظري عن معرفة الشيء في ذاته، وقدرته فقط على معرفة ما يظهر، وبالتالي محاولة توفير فلسفة تربوية معاصرة ورؤية واقعية تسهم في تغيير العقلية المصرية وإعادة بنائها.
الرهان على إعادة بناء الإنسان والمجتمع، وإعادة بناء الفكر ومن ثم إعادة بناء العلوم والتراث طبقًا للظروف الجديدة بروح التواصل، ويمكن تحقيق هذا من خلال بناء رؤية فلسفية وتربوية معاصرة تلائم الإنسان المصري والعقلية العربية الساعية للنمو والتطور.
وبصفة عامة فكل الرهانات السابقة يمكن تحقيقها وكسبها من خلال بناء رؤى تربوية معاصرة تسعي لبناء إنسان مصري مفكر ومبدع يتعامل بنجاح مع متغيرات عصره وتحدياته، وهذا ما تسعى إليه الرؤية التربوية المقترحة في الدراسة الحالية لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة.

ثالثًا: منطلقات الرؤية التربوية المقترحة:

تستند الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري على عدد من الركائز والمنطلقات الفكرية النابعة من الإطار النظري للدراسة الحالية وأدبيات التربية، وطبيعة التطبيقات التربوية التي اتجهت إليها الفلسفة النقدية المعاصرة، وأهمها ما يلي:

الحاجة إلى فلسفة وثقافة تربوية عالمية تزيل الفوارق الفكرية بين المجتمعات، وتنقلها إلى حياة جديدة تقوم على التقارب والتعاون، وبالتالي تساعد في تقريب العلاقة بين الثقافة التربوية العالمية وبين الثقافات التربوية المحلية والإقليمية القائمة، فهذه هي مشكلة تتحدى التربية أكثر من غيرها.
قابلية فلسفة التربية لإمداد مؤسسات التربية والتعليم في كل عصر وزمن بمبادئ تربوية جديدة تناسب عملية بناء الإنسان في العصر الجديد، خاصة وأن علماء التربية يعملون على مراجعة فلسفة التربية وتطبيقاتها القائمة لصياغة مبادئ جديدة تناسب طبيعة الإنسان المتفاعلة مع عالم سريع التغير مليء بمبتكرات العلم والتقنية.
كثيرًا ما يحتاج المجتمع الساعي إلى التطور والنمو إلى فلسفة ورؤى تربوية معاصرة تساعد في اتخاذ مواقف واعية من التغيرات المجتمعية والعالمية المتلاحقة، إذ بدون هذه الفلسفة وتلك الرؤى الموجهة فسوف تفتقر المواقف المتخذة من التغيرات المحلية والعالمية إلى شمولية النظر ووحدة البصيرة وعقلانية الاستجابة.
إن أي تجديد في أهداف التربية ومناهج وطرائق التعليم والأساليب وأدوار المعلم وأسلوب إعداده وتنميته مهنيًا والتنظيمات الإدارية المدرسية وغيرها، لابد أن يتم في إطار رؤية فلسفية تربوية شاملة ومتكاملة حتى يؤتي التجديد ثماره.
إن الحديث عن تربية وبناء الإنسان المصري إنما ينطوي على الرغبة في إرساء دعائم التطور والتحديث في المجتمع المصري ككل، وتوفير مقومات الإبداع للإنسان المصري في عالم تتسارع فيه منتجات العقل البشري معرفة وتقنية.
وفي ضوء جميع المنطلقات السابقة تبدو أهمية تقديم الرؤية التربوية المقترحة في الدراسة الحالية لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة.

رابعًا: السمات المطلوبة في الرؤية التربوية المقترحة:

إن أية رؤية تربوية معاصرة لبناء الإنسان لابد أن تتضمن مجموعة من السمات والخصائص من بينها ما يلي:

المرجعية المجتمعية في بناء أي رؤية تربوية لبناء الإنسان المصري، والارتباط باحتياجات المجتمع وسماته وفلسفته التربوية والمبادئ الحاكمة، والتعبير بصدق عن تطلعاته.
الأخذ بالمنطق الثوري في الرؤى التربوية لبناء الإنسان المصري كبديل للحلول والعمليات التربوية الجزئية أو المؤقتة، والوعي بالواقع الاجتماعي المصري، للخروج بأهم المشكلات التربوية لبناء الإنسان وتعليمه وسبل حلها.
النظرة المستقبلية في الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان، ومراعاة الشمول والترابط والتشابك بين كافة عناصر العملية التعليمية والتربوية في أي مجتمع، والنظر لها كوحدة واحدة متكاملة في أي رؤية تربوية يتم اقتراحها.
الأخذ بمبدأ التغيير التقدمي الشامل في الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري، والنظرة الشاملة والتقدمية إلى الوجود والطبيعة الإنسانية والمعرفة والقيم، وبالتالي تقديم رؤى تربوية تربط بين كل هذه المكونات وتوضح علاقتها بالعملية التربوية والتعليمية.
الأخذ بمبدأ الانفتاح على الاتجاهات الفكرية المعاصرة في بناء الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري، وإعادة النظر في بناء العملية التعليمية برمتها ضمن تصور فلسفي وتربوي يقوم على الاتجاهات المعاصرة في فلسفة التربية وكذلك على معطيات الأبحاث والدراسات العلمية الحديثة.
تحقيق مبدأ الجدة والأصالة في الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان في المجتمع المصري، وأن تتضمن تلك الرؤية توجهات تربوية مغايرة للصورة التقليدية المعتادة.
وبصفة عامة فامتلاك الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري لكل هذه السمات والخصائص السابقة يجعل بمقدورها دفع العمل التربوي أهدافًا ومناهج وطرائق تعليم ومعلم ومتعلم وغير ذلك، لمواجهة تغيرات الحياة العلمية والتكنولوجية برؤية ومنهجية واعية متطورة وليس باجتهادات شخصية.

 محاور الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري:

تتضمن الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري مجموعة من المحاور كما يلي:

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة الكون والوجود والمجتمع:

من المحاور الرئيسة التي تقوم عليها الرؤية التربوية المقترحة لتربية وبناء الإنسان المصري وإعداده لحياة متغيرة هي تحديد صياغة تربوية محددة لطبيعة الكون والوجود والمجتمع، ومن الأسئلة التي تتبادر في الذهن هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري من تفسير الكون والوجود والمجتمع؟ وهل لهذه الرؤية التربوية اتجاه خاص نحو العالم المعاش بكل تغيراته وتحولاته؟ والإجابة عن هذين التساؤلين تتضح من خلال النقاط التالية:

الإيمان بأن الكون بكل عناصره وإمكاناته متغيرة وفي حركة دائبة مستمرة حسب قوانين مرسومة بدقة من خالقه ومبدعه، وادراك أن الإنسان نفسه هو جزء من الكون الذي يحيط به، ولا يمكن أن تتحقق تربيته إلا إذا تفاعل مع عناصر مع عناصر الكون المحيطة به، فعن طريق تفاعله معها يكتسب معارفه ومهاراته وقيمه واتجاهاته وأنماط سلوكه.
النظر بواقعية إلى العالم المتغير في القرن الحادي والعشرون، مع اعتبار النقد والتساؤل هما من سمات جوهرية للحداثة والتطور في العالم الآن، وإدراك أن العالم يتحول تحولات كيفية غير مسبوقة في المجالات جميعها، وهذا يتطلب من الإنسان التفكير في كيفية تطوير التعليم لمواكبة هذه التغيرات والتحولات.
الاعتراف بأن كل من الفكر والمادة هما حقيقتين أساسيتين في تكوين العالم بدون تقديم لأي منهما على حساب الآخر، فالعالم ليس مجرد ماديات مركبة ومختلفة فقط، وكذلك فهو ليس قاصرًا على الفكر وحده، وبالتالي فالرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان يجب ألا تفصل بين المادة والفكر بل توحد بينهما في إطار متكامل دينامي يقوم على علاقة التأثير والتأثر فيما بينهما.
ترتبط النظرة الجديدة إلى الكون والوجود والمجتمع وتفسيرهم بطبيعة حركة الحداثة كعملية دينامية مستمرة عصفت بكل البنيات والذهنيات العتيقة، وساهمت في إحداث نوع من القطيعة الجذرية مع كل ما هو تقليدي، ومؤدية إلى تصور جديد للعالم مختلف كليًا عن التصور التقليدي، ومحدثة سلسلة من الصدمات البيولوجية قم السيكولوجية وأخيرًا الصدمة التقنية والمعلوماتية (محمد سبيلا، 2007م: 63).
يرتبط تفسير العالم في الوقت الحاضر بفكرة الحداثة، والتي يتم تقسيمها إلى حداثات: سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية وقيمية وأخيرًا حداثة فكرية ومن ثم حداثة تربوية وتعليمية وهي بيت القصيد هنا، فكل المستويات السابقة من الحداثة تمثل القاعدة أو البنية التحتية للعالم الحديث، أما بنيته العليا فهي التحولات الفكرية والتربوية والتحولات الكيفية والكمية في مفهوم الكون والزمن والإنسان والمجتمع والتاريخ والدولة وغيرها من المفاهيم التي جاءت بها الحداثة وبالتالي فالحداثة الفكرية ومن ثم الحداثة التربوية هي بمثابة الروح من كل هذه الحداثات السابقة.
التركيز على أن المجتمع المصري حقيقة تاريخية راسخة والوحدة بين شعبها ضرورة حيوية لوجودها وتقدمها، ومحاولة تحقيق لتوازن بين مقومات الشخصية الوطنية والقومية والدينية من جهة والانفتاح على الثقافات العالمية والمشاركة الإيجابية في الحضارة العالمية من جهة أخرى، والتكيف مع متغيرات العصر وتوفير القدرة الذاتية لتلبية متطلباته من جهة أخرى.
إدراك أن تماسك المجتمع المصري ضرورة لكل فرد من أفراده، ودعائمه الأساسية العدل الاجتماعي وإقامة التوازن بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع وتعاون أفراده وتكافلهم وتحمل المسؤولية الفردية والاجتماعية بما يحقق الصالح العام. كما أن تقدم المجتمع المصري رهن بتنظيم أفراده بما يحفظ المصلحة الوطنية والقومية.
الوعي أنه لا يوجد مجتمع قد بلغ الكمال وأن جميع المجتمعات البشرية لها مميزاتها وعيوبها، وبالتالي على نظم التربية والتعليم السعي لبناء مجتمع عادل يسوده المساواة بين البشر والعيش فيه بسلام، ويمكن أن يبدأ ذلك من بناء الإنسان من خلال التربية.
الوعي بالحاجة إلى الربط والتلازم بين الثورة المجتمعية خاصة في المجتمع المصري مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وبين العلم والتقدم العلمي والتطور التربوي ومن ثم التطور المجتمعي والاقتصادي، فإذا تخلت الثورة عن العلم فإنها سوف تصبح مجرد انفجار شعبي وانفجار للشعارات لا تغير من الواقع شيئًا.
وطبقًا لما سبق وما تبين من تفسير للكون والوجود والمجتمع فإن هناك مجموعة من الدلالات والمؤشرات التربوية التي يجب مراعاتها في بناء الإنسان المصري وتربيته في العصر الحالي وهي:

مراجعة التقسيمات الثنائية والشكلية المصنعة في التعليم المصري ما بين عام وفني ووضع آليات وتقسيمات جديدة تساعد في تحقيق مبدأ تثقيف المهنة وتمهين الثقافة.
ترقية جوانب الفكر – وخاصة الفكر النقدي المبدع- مع الجوانب العملية والمادية لدى الإنسان المصري، وإعادة صياغة آليات تربية المواطن المصري وتعليمه، بحيث تجمع تلك الآليات بين الرؤيا الفكرية والرؤية العملية لكل جوانب الحياة.
الاعتماد علىعلوم مستقبلية في العملية التعليمية، والنزعة نحو الانفتاح على المستقبل، وتقديم فهم علمي سليم للقوانين التي تحكم التغير في الحياة وتوجهه الوجه الصحيحة.
الابتعاد عن الحلول التقليدية للمشكلات التعليمية في المجتمع المصري، وإدراك أن عملية تطوير التعليم في مصر لا تتحقق بمجرد إضافة سنة دراسية أو حذف أخرى، وإنما عملية التطوير يجب أن تطول بنية التعليم نفسه وأهدافه وصيغه وأساليبه ووسائله، وفي نفس الوقت تحقق عملية التطوير في التعليم الفلسفة الاجتماعية للوطن وفائدة الفرد والمجتمع معًا.
إعادة النظر في وضع مناهج العلوم الإنسانية ومقرراتها، وتضمينها مبادئ فلسفة اجتماعية جديدة تساعد في تنمية روح الفكر والعمل لدى المواطن، والسعي نحو المعرفة والعلم، وتنمية النزاهة العلمية والتحرر من التعصب الفكري، وربط هذه المناهج وتلك المقررات بالواقع الاجتماعي للمجتمع المصري، مع عدم إغفال الواقع العالمي وتغيراته المتلاحقة.
ضرورة تنبه التربويين بشدة إلى حقيقة هذه التحولات وآثارها في الفكر التربوي وتطبيقاته المختلفة، وتخطيط نظم التربية والتعليم في مصر لإعداد المواطن لمواجهة الموقف المتغير.
ويتضح مما سبق أن هناك تأكيدًا أن العالم يتغير بشكل سريع، مما يتطلب تربية جديدة تكون قادرة على مواكبة هذه التغيرات، تربية  تعد مواطنًا مصريًا من أجل مجتمع متغير، إذ إن التربية التي تبني الشخص لحالة ثابتة وليس لمجتمع متغير لا تبني شخصًا فاعلًا مبدعًا في حياته العملية.

الرؤية التربوية المقترحة والطبيعة الإنسانية:

إن القضية التربوية البارزة التي غالبًا ما تشغل تفكير الكثيرين من التربويين وغيرهم هي تحديد طبيعة الإنسان وتحديد حاجاته التربوية التي تتكفل الأسرة ثم المدرسة وغيرها من المؤسسات بتلبيتها، هذه الحاجات غالبًا ما تعتبر ضوابط حاكمة لاتجاه وسرعة الفعل التربوي. والتساؤلات التي تطرح نفسها بقوة هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة لبناء الانسان المصرى من تفسير الطبيعة الإنسانية ؟ وهل لهذه التربوية المقترحة تصورات معينة تجاه فاعلية الإنسان في بناء مجتمعه وتحديد مسار تقدمه وحركته؟ والإجابة عن هذين التساؤلين تتضح من خلال النقاط التالية:

إدراك التصور الحديث للإنسان الذي يقوم على أساس الطبيعة الإنسانية المتغيرة وليست الجامدة الثابتة، والوعي بأن الطبيعة الإنسانية لديها القدرة على التغيير والتفاعل مع البيئة الاجتماعية والطبيعية، وكذلك لديها القدرة على الانطلاق نحو آفاق مستقبلية مفتوحة ليس في قدرة العقل تحديدها.
إدراك أن طبيعة الإنسان تقوم على الوحدة التي لا تعرف التقسيم كما في النظرة الثنائية للطبيعة الإنسانية، ومن ثم لا يمكن الفصل بين جوانب الإنسان الجسمية والعقلية والنفسية، والتأكيد على مادية الإنسان وعقليته وروحانيته في آن واحد، وعدم فرض أحدهم على حساب الآخر، بل كل منهم متسقًا ومتكاملًا.
التأكيد على أن النقد والتفكير النقدي يعد أهم خصائص الحداثة عند النظر في الطبيعة الإنسانية، حيث يعتبر هذا النوع من التفكير سمة أساسية للعقل الإنساني في تفاعله مع الحياة وما بها من متغيرات وظواهر.
التأكيد على أن الإنسان هو ما ينتجه، فالإنسان ينتج ذاته وثقافته في العالم وفي التاريخ، ويحول مظاهر الطبيعة وعناصرها إلى طاقة إنتاجية، وهو في ذلك مشروطًا بالثقافة العلمية والتنظيم المجتمعي والتفكير الناقد الحر (محمد يحيي فرج، 2003م: 61). وبالتالي تبرز فاعلية الإنسان في صنع تاريخه والتأثير في أحداثه.
النظر إلى الإنسان باعتباره مركزًا للفكر والعمل، وينسب إليه العقل الناقد والإرادة الحرة والفاعلية في المعرفة وفي التاريخ البشري، وله محدداته العضوية والنفسية ودوافعه الأولية (محمد سبيلا، 2007م: 13). وهذا تلتقي وجهات النظر الفلسفية المعاصرة للإنسان من حيث إضفاء الصبغة العقلية والفكرية والعملية والطبيعية والنفسية والتاريخية وغيرها على الإنسان في حركته في الحياة.
النظر إلى الإنسان باعتباره هو من يتحكم في التقنية ويخطط لها ويخترعها ويبرمج لها، ويوجهها لتحقيق التقدم في مجالات الحياة، ولكن يعود الإنسان ليجد نفسه أمام قوى تقنية هائلة تفرض نفسها عليه بقوة، وتفرض عليه تخصيص ميزانيات كبيرة لتطويرها وتقويتها، وتحتم عليه الجري وراء اكتشافاتها. وبذلك لم يعد الإنسان هو سيد التقنية المطلق، بل أحيانًا أصبح هو ذاته موظفًا لديها ومسخرًا لها مثلما هي مسخرة له.
في ظل النظرة الجديدة للإنسان يجب أن تنسحب مفاهيم تقليدية قديمة مثل: الصراع والتنافس ليحل محله العلم الجماعي والفريقي بين بني الإنسان، وكذلك مفهوم الطبقية التعليمية التي تجعل البعض أقدر على التعلم والتفوق والنجاح تبعًا لمكانتهم الاجتماعية أو قدراتهم العقلية، ليحل محله مفهوم التربية التي تؤمن باحتياج كل إنسان إلى الرعاية الاجتماعية والمعرفية والتربوية وإن كان بدرجات متفاوتة أحيانًا.
أن الطبيعة البشرية والبشر عمومًا لديهم الرغبة في التواصل باعتبار أن هذه الرغبة إحدى سمات الإنسان الأساسية حيث أن هذه الرغبة إذا لم تتحقق تعزله من عالم الطبيعة المادي وتخلق مسافة بينهما.
الوعي بالتقدم المستمر للإنسانية بفضل انتشار العلم وسيطرة التفكير العلمي، وإدراك أن قدرات الإنسان غير محدودة، وأنه يستطيع تغيير الواقع المادي والاجتماعي الذي يعيش فيه، وكذلك تغيير نفسه ليصبح أكثر إنسانية وأكثر إنتاجية في الحياة. وكذلك الوعي بأن الإنسان يبحث بصفة دائمة عن السيطرة على الطبيعة من أجل ضمان عيشه واستمرار وجوده، وهذه السيطرة يجب أن تتم اعتمادًا على قوانين يفرضها الإنسان على نفسه وعلى الآخرين.
واتساقًا مع هذه الرؤية لتفسير الطبيعة الإنسانية تبرز مجموعة كبيرة من التطبيقات التربوية فيما يخص بناء الإنسان المصري وتربيته في العصر الحالي، يكفي الإشارة إلى بعضها كما يلي:

إن حاجات الإنسان هي الأساس الذي يخطط على أساسه عملية تربيته وإعداده للحياة والعمل، وهذه الحاجات لدى كل البشر، ولكنها قد تختلف في نوعيتها.
إن أهداف العمل التربوي يجب ألا تنحصر في تنمية المهارات الجسمية فقط أو العقلية فقط، وإنما تتكامل ما بين تنمية المهارات الجسمية والعقلية والروحية والاجتماعية وغيرها.
اتجاه التربية للنظر للإنسان باعتباره كائن حر مسئول يتصرف عن وعي وبصيرة، وليس كائنًا مستسلمًا لعقول البالغين في عملية التعليم، ومهمة التربية هي توعية الإنسان بالقوانين التي تنظم الحياة في تغيرها المستمر، وتوعيته بالمتناقضات القائمة في الحياة الإنسانية وكيفية مواجهة تلك التناقضات.
إثراء نظريات التعلم والتعليم بما يتناسب مع الأوضاع الجديدة للتربية، والنظر للإنسان على أنه لا يشترك في العملية التعليمية بعقله فقط، وإنما يشترك بدوافعه وانفعالاته وسلوكه واستجاباته الجسمية والعقلية في المواقف التعليمية.
النظر إلى الإنسان في التربية على أنه كل متكامل في تكوينه وفي نموه، وأنه متفاعل مع البيئة يؤثر فيما حوله ويتأثر به، وبالتالي ينبغي أن تعني التربية بتلبية حاجات الإنسان على اختلاف أنواعها، وأن تراعي وحدة الخبرة والطبيعة الإنسانية، واعتبارها مادة الحياة وأسلوبها، وتقدير قدرات الفرد ودفعه لتنمية هذه القدرات وتكوين قيمه وتجريب معلوماته.
إدراك التربويين أن التغيير الاجتماعي الحضاري يتطلب تغيير سلوك الإنسان من الأساليب التقليدية التي كانت تناسب ما كان قائمًا من حضارة في الماضي، إلى أساليب جديدة ملائمة للتغيير الحاصل حتى يتمكن من التكيف معه، وتعد هذه المهمة من الوظائف الأساسية للتربية في المجتمع المتغير (صابر جيدوري، 2009م: 35). وحتى تستطيع التربية تهيئة الأفراد لمجتمع متغير، فمن الضروري أن تنطلق من فلسفة تربوية تكون مرنة حتى تستطيع مراعاة التناقضات الجارية في المجتمع.
انطلاق تربية الإنسان المصري من فلسفة تربوية تؤمن إيمانًا عميقًا بضرورة صياغة مفهوم متكامل للإنسان ولأهداف تكوينه وتأهيله للاندماج في محيطه الوطني والعالمي، والتكيف مع مختلف المعطيات المتجددة لعصر سريع التغير والتحول.
تركيز التربية على تنمية الخصائص المنشودة في الإنسان المصري حاضرًا ومستقبلًا مثل: حب الإنسانية واحترام جميع المجتمعات البشرية، ونبذ كل أنواع التعصب أو التمييز العرقي أو الثقافي أو الجنسي أو غير ذلك، وتحمل المسئولية الفردية والجماعية، والمحافظة على الهوية الوطنية والقومية والدينية والثقافية، وامتلاك مهارات التواصل الثقافي والحضاري في عالم متغير، والقدرة على التعامل مع التقنيات المعلوماتية الحديثة واستخدامها في مختلف شئون حياته.
وعي رجال التربية بأن الإنسان هو ما ينتجه هو بنفسه، وما ينتجه الإنسان هو عالمه وتاريخه ووجوده الاجتماعي في الحياة، وبالتالي يجب أن تركز التربية على إعداد الإنسان المنتج الذي يدرك مظاهر الطبيعة ويتفاعل مع عناصرها بموضوعية وإيجابية.
تركيز التربية على إعادة تشكيل العقل الإنساني المصري، والخروج به من حالة الجمود التي عانى منها فترات طويلة، ومساعدة الفرد في أن يكون لديه استعداد نفسي وعقلي لقبول التغيير والتكيف معه والإسهام في إحداثه، وأن يمتلك مهارات التكيف والمرونة في العمل ومجالات الحياة.
وبصفة عامة فالرؤية التربوية المقترحة تؤكد على المفهوم المتكامل للإنسان ولأهداف تكوينه وتأهيله للاندماج في محيطه الوطني والعالمي، والتكيف مع مختلف المعطيات المتجددة لعصر سريع التغير والتحول، وتحدد هذه الرؤية التربوية أهم الخصائص التفضيلية المنشودة في الإنسان المصري والعربي حاضرًا ومستقبلًا في خمس خصائص رئيسة مستهدفة من التربية الجديدة وهي بناء: الإنسان المؤمن، والإنسان المفكر، والإنسان المنتج، والإنسان المنفتح، وأخيرًا الإنسان المحافظ على هويته الوطنية والقومية.

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة المعرفة البشرية:

من المحاور الأساسية التي تتضمنها الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري وتربيته وإعداده لحياة متغيرة هي تحديد صياغة تربوية محددة إزاء المعرفة البشرية وعلاقتها بالعملية التعليمية والتربوية، فالمعرفة هي أساس كل فلسفة، وهي البناء المنطقي الذي يقام عليه الآراء في مختلف مجالات الحياة. والتساؤلات التي تطرح نفسها بقوة هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري من تفسير المعرفة البشرية؟ وما هي مصادر هذه المعرفة وطرق الحصول عليها؟ وما علاقة هذه المعرفة بالعملية التعليمية من معلم ومتعلم ومناهج دراسية؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

تأسيس المعرفة البشرية المعاصرة على مبدأ “إعادة بناء العلوم”. لتحقيق هدف مزدوج يقوم على وضع نظريات عامة للمجتمع من ناحية، ورأب الصدع الحاصل بين التنظير والبحث الميداني من ناحية أخرى. وإدراك أن بناء المعرفة الإنسانية لا يقتصر على مجرد إعادة صياغة نصوص الآخرين والاكتفاء بتفسيرها والتذييل عليها، وإنما يتضمن أيضًا توجيه السؤال الدائم عن الواقع الفعلي والعالم المعاش.
الوعي بعملية الانتقال التدريجي للبشرية منالمعرفة التأملية إلى المعرفة النقدية ثم المعرفة التقنية التي تقوم على إعمال الفكر بمفهومه الرقمي، وهي معرفة عالمية مشتركة قائمة على الملاحظة والتجريب والصياغات الرياضية.
الوعي بدور المعرفة في العصر الحالي وخاصة المعرفية التقنية التي ساعدت في محو الفجوات الرقمية والزمانية والمكانية بين الشعوب والمجتمعات، حيث أصبح هذا النوع من المعرفة يسود جميع الثقافات والحضارات العالمية.
التأكيد على وجود العقل والحواس في طبيعة المعرفة، حيث تتألف أي معرفة في حقيقتها من نشاطين متكاملين أحدهما يتمثل في الخبرة الحسية من العالم الخارجي والتي تنقل إلى العقل، وثانيهما يتم من خلال فاعلية العقل ودوره في تحويل هذه الخبرة الحسية إلى معرفة مكتسبة.
أن المعرفة البشرية في حقيقتها ليست معرفة نهائية، ومن ثم فإن فحصها الدائم ونقدها المتواصل وتطويرها المستمر يصبح أمرًا ضروريًا لا غنى عنه، ومطلبًا مجتمعيًا وتربويًا حتميًا في سياق التطور المجتمعي.
إن النظر إلى المعرفة البشرية في ارتباطها بالواقع الاجتماعي، لابد أن يستند إلى رؤية نقدية واعية يمكن من خلالها التمييز بين المجتمعات المنتجة للمعرفة والمصدرة له، وتلك المجتمعات المستهلكة للمعرفة والمستوردة لها، فالمعرفة التي ترتبط بالمجتمعات الأولى قد لا تعبر بالضرورة عن المجتمعات الأخيرة وإن ارتبطت بها وتحكمت فيها (عادل السكري، 1999م: 198).
إدراك أن المعرفة أصبحت سلطة لا تعرف حدودًا، وأنه لا توجد حدود للمعرفة الإنسانية إلا حدًا واحدًا هو العقل البشري.
ولهذا الموقف من المعرفة البشرية وتفسيرها مغزى تربوي وكذلك مجموعة من التطبيقات التربوية فيما يخص بناء الإنسان المصري وتربيته في العصر الحالي، ومن أهم هذه التطبيقات ما يلي:
إدراك التربويين أن اكتساب المعرفة يظل هدفاَ أساسيًا من أهداف التربية، فعن طريق المعرفة يستطيع المجتمع تحقيق أهدافه.
تركيز رجال التربية على تعميق التوجه النقدي والتطويري في مجال المعرفة والثقافة في المجتمع المصري، وتنمية مفاهيم إعادة الإنتاج الثقافي، وتحقيق التكامل الاجتماعي والثقافي، ونظرية التطور الاجتماعي، وغيرها من المفاهيم التي جاءت نتيجة مباشرة لتعمق الفكر الفلسفي النقدي في المجتمع المعاصر بكافة نواحيه.
وعي القائمين على العملية التربوية والتعليمية في مصر بالتوجهات والتجارب التربوية الجديدة التي أدت إلى حدوث تحولات عميقة في العملية التربوية وأهدافها، ومن بين هذه التوجهات الاتجاه الافتراضي أو التعليم الافتراضي، وهو يقوم على استخدام البعد الافتراضي في العملية التعليمية والتربوية، عبر الاستعانة بالوسائط التكنولوجية والاتصالية المتطورة، وتوظيف تقنيات المعلومات والاتصال والإعلام.
يجب أن يكون شعار التربية في مجتمع الثورة – ليس الثورة السياسية فحسب بل الثورة الاجتماعية والتربوية والتنموية وغيرها – هو العلم للعلم في حد ذاته، والمعرفة للمعرفة في حد ذاتها، والعلم والمعرفة للمجتمع والتنمية.
إدراك التربويين لطبيعة المعارف الحديثة والمعلومات والمهارات الجديدة التي يحتاجها الطالب للتعامل مع نظم التعليم الافتراضي حاضرًا ومستقبلًا. وإكسابه مهارات ومرونة التنقل بين الواقعي والافتراضي ومن المجرد إلى المحسوس والعكس.
الاختيار المنهجي من المعرفة، والاختيار الصائب من القدر الهائل من المعرفة التي أصبح من الصعب الإحاطة بها، فالمشكلة الأساسية في التربية الآن هي انتقاء المعارف وتنظيمها في المنهج وفقًا لتغيرات العصر وتطورات العلم.
النظر إلى المعرفة كوسيلة في المنهج الدراسي وليست غاية في حد ذاتها، وتوظيفها بوعي وتطويرها لتقود إلى حل المشكلات واكتشاف معارف جديدة، بحيث يتحول المنهج الدراسي إلى عملية تطوير مستمرة تقود مزيد من التنمية للفرد والمجتمع.
اهتمام التربية بتنمية مهارات النقد المعرفي والفلسفي لدى الإنسان المصري، فذلك يساعد في تشكيل معان ومعارف ودلالات جديدة تتناسب مع الوضعية الأساسية والحضارية لحال الإنسان في كل عصر، والتفكير في العالم بشكل أفضل وتكوين معارف أوضح عنه، وهذا هو المقصد الأسمى للخطاب النقدي الفلسفي لمفكري وفلاسفة العصر الراهن (عبد الأمير الشمري، 2012م: 142 – 143).
تمثل المعرفة المحور الأساسي للدراسة النقدية في التربية، حيث يتم تحليل المعرفة العلمية للكشف عن وظيفتها الاجتماعية في تحقيق السيطرة وتدعيم النظام الإنساني، واكتشاف أساليب بديلة للفكر وأشكال جديدة للفهم، وأنماط مختلفة للسلوك.
اهتمام الباحثين التربويين في دراساتهم النقدية للمعرفة بطرح تساؤلات حول إنتاج المعرفة وتقويمها داخل المدرسة، والفئات التي ترتبط بها، ونوعية العلاقات والمبادئ التي تؤكدها، والسياسات التي تحكمها، والمؤسسات التي تقدمها أو تنميها لدى أفراد المجتمع.
وبصفة خاصة فالرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري تؤكد على أن المعرفة ليست مجرد شئ يضاف إلى الإنسان كتعليم فقط، ولكنها قبل ذلك هي مناخ مجتمعي عام. كما أن عملية بناء المعرفة تتحقق من خلال التساؤل الدائم والنقد الموضوعي لكثير من مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والأدبية وغيرها، بهدف تحسين وضعية الإنسان في الحياة، ومن أجل التفكير في العالم بشكل أفضل.

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة القيم والأخلاق:

إن تحديد صياغة تربوية محددة للقيم البشرية تعد من المحاور الرئيسة التي تتضمنها الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري وإعداده لحياة متغيرة، وتحديد القيم الأساسية التي يجب تأصيلها في سلوك المواطن المصري، وعلاقتها بالعملية التعليمية والتربوية. والتساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري ومن تفسير القيم البشرية؟ وما هي مصادرها؟ وما علاقة هذه القيم بالعملية التعليمية من معلم ومتعلم ومناهج دراسية؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

الإيمان بأن الأخلاق والقيم الأخلاقية من أهم المعاني في الحياة، وهي مكتسبة في مجموعها، وأنها قابلة للتغيير والتعديل عن طريق التربية والتوجيه، وأن الغاية القصوى للقيم الأخلاقية هي تحقيق سعادة الفرد، وتحقيق التقدم والقوة للمجتمع ككل.
النظرة التكاملية للقيم البشرية، والجمع بين الاتجاهات المثالية والاتجاهات الواقعية في النظر إلى القيم البشرية، فلا يوجد تعارض بين القيم الخلقية وبين الواقع الاجتماعي، وكذلك بين القيم الخلقية والقيم الاجتماعية، فالأولى هي بوصلة السير والثانية هي المعالجات الضرورية للمشكلات الواقعية التي يتعرض لها الإنسان.
الاعتماد في بناء الإنسان المصري وتربيته على القيم النابعة من الرسالات السماوية باعتبارها قادرة على تحقيق منفعة الإنسان وسعادته، ومنح الإنسان طاقات لا حدود لها في العمل.
من بين القيم الأساسية التي يجب تكوينها لدى الإنسان المصري: الإيمان بالحرية الموجهة في الإطار الاجتماعي، والإيمان بمظاهر التغيير كضرورة لتجديد المجتمع المصري، والإيمان بقيمة العمل المنتج النافع اجتماعيًا، والإيمان بالتاريخ وأثره على الإنسان ودفعه للتطور.
الدعوة إلى الإيمان بالقيم الثورية “كالوطنية والعدل والمساواة والإيجابية في المشاركة السياسية والاجتماعية، والإيمان بكرامة الفرد وقيمته واحترام إرادته وحريته في رسم مصيره، واحترام الحرية والنظام المجتمعي الذي يتيح للمواطنين أن يسهموا في إدارة شؤونهم في شتى الميادين على أساس المعرفة والمصلحة المشتركة”.
تنمية نوع جديد من القيم والأخلاقيات العامة لدى الإنسان المصري أطلق عليه مسمى “أخلاقيات الحضارة التكنولوجية”، وهي نوع من القيم الإنسانية برز في العقود والسنوات القليلة الماضية، وهي بمثابة جزء أو نوع من أخلاقيات الحاضر والمستقبل نظرًا للتحديات التي أفرزها العلم في الآونة الراهنة، يضاف لها المشكلات البيئية والتلوث والانحباس الحراري وغيرها، فكل هذه المشكلات تحتاج بشدة دعم أخلاقيات الحضارة التكنولوجية وأخلاقيات استخدامها على المستويين المحلي والعالمي.
تنمية وعي الإنسان المصري بما يسمى بـ “أخلاقيات النقاش” وهي بمثابة منهج للتواصل عبر الحوار، يساعد الإنسان في تحقيق جزء كبير من النجاح في الحياة، كما يسهم في تأسيس مجتمع معاصر يستوعب التعدد ويكرس الحوار.
النظر إلى القيم البشرية باعتبارها لب التنظيم الاجتماعي، وبناء عليه تكون القيم المدرسية وما يرتبط بها من أنظمة وتنظيمات مدرسية هي بالضرورة لتنظيم التعامل والتفاعل بين العناصر البشرية داخل المدرسة.
الاهتمام بتنشئة الإنسان المصري على مبدأ الربط بين القيم والعلم والعمل والحياة في إطار متكامل، فالصلة وثيقة بين العلم والدين ومن ثم صلتهما بالعمل والواقع، وهذا الربط يساعد في توجيه طاقات الفرد ويدفعه لتوظيف مكونات البيئة من أجل تحقيق مطالبه.
التأكيد على أن تكون القيم البشرية منبثقة من الرؤية الدينية الشاملة للكون والإنسان والحياة، وكذلك النظر إلى القيم الخلقية باعتبارها رؤى اجتماعية للحاضر والمستقبل، تستمد قوتها وفاعليتها من واقعيتها، وهي في حقيقتها تؤكد قدرة الفرد على الاختيار والانتقاء وتوجيه حياته، وبناء علاقاته مع الآخرين.
وبصفة عامة فإن للجوانب السابقة ولهذا الموقف من المعرفة البشرية وتفسيرها مغزى تربوي وكذلك مجموعة من التطبيقات التربوية فيما يخص بناء الإنسان المصري وتربيته في العصر الحالي، يمكن الإشارة إلى بعضها كما يلي:

حرص وزارة التربية والتعليم على تثبيت القيم الدينية في مضمون الأهداف التربوية وبناء المناهج التربوية عليها، ولكن في الوقت ذاته يجب أن يعترف المربون بضرورة التغيير وحتميته، وان يراعوا ذلك عند رسم السياسات التربوية وتحديد أهداف التربية وأغراضها، وأن يقبلوا ما يطلق عليه تثوير المناهج كل فترة حتى تستطيع مواكبة الجديد.
بناء فلسفة تربية الإنسان المصري على أساس ما يسمى بالعدل التربوي، ويقصد به أن يصل التعليم إلى كل فرد من أبناء الأمة، وأن تقوم سلوكيات العاملين بالتربية والتعليم على أساس من العدل الاجتماعي وخاصة من جانب المعلمين في تعاملهم مع طلابهم، ويمكن تحقيق شعار العدل التربوي والتمييز بين الطلاب حسب الجدارة العلمية المبنية على حسن التعلم والاجتهاد والالتزام والإتقان والتفوق الدراسي.
تركيز مؤسسات التربية وخاصة الجامعة على مساعدة الشباب المصري على فهم وتقدير القيم الاجتماعية الأساسية التي تقوم عليها العلاقات بين الجنسين، بدلًا من محاولة فرض التحريمات المعيارية الخاصة بهذا العلاقات فرضًا متزمتًا، فعندما يتحرك المربون في هذا الاتجاه قد يصلون إلى نتائج أفضل في ضبط سلوك الشباب.
تركيز الأنشطة التربوية والمدرسية على إكساب الطلاب معنى التعاون وقبول الآخر، وان التعدد في الأفكار والآراء لازم وضروري لاستمرار الحياة، وأن يكتسب الطلاب قيمًا توازن بين ما هو ثابت في الحياة وما هو متحول.
وعي رجال التربية أن القيم الخلقية لا تنحصر في مواد دراسية بعينها، وإنما ينبغي أن تعتبر توجهًا عامًا في جميع المواد الدراسية، بحيث تحدث تحولًا إيجابيًا في سلوك الإنسان المصري. وإدراك رجال التربية والمربين أن العمل التربوي في جوهره عمل قيمي خلقي، عمل مقصده الأساسي تنمية وترقية سلوكيات الفرد إلى مستويات أفضل وأرقى.
توجه رجال التربية إلى تنمية قدرات الفرد على تحمل المسؤولية وتقدير النتائج المترتبة على أي سلوك أو تصرف، وتكوين نظرة إنسانية واسعة للمجتمع البشري المحيط بالإنسان.
اهتمام نظم التربية والتعليم بتنمية أنواع جديدة من القيم والأخلاقيات لدى الإنسان المصري والتي ظهرت حديثًا في المجتمع العالمي ومن بين هذه القيم والأخلاقيات: أخلاقيات استخدام أجهزة الاتصال والمعلومات “كالانترنت والقنوات الفضائية وغيرها”، وأخلاقيات النقاش بين الأفراد أو الدول، وأخلاقيات الاستخدام السلمي للأسلحة الحديثة، وأخلاقيات الاستخدام الإيجابي لموارد البيئة، وغيرها من القيم والأخلاقيات الأخرى.
تأكيد مؤسسات التربية على البعد العالمي للقيم والأخلاقيات في الوقت الحاضر، فتحقيق أخلاقيات الحضارة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية وتطبيق أخلاقيات النقاش هو مسئولية جماعية مشتركة، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل وعلى مستوى الدول والمجتمعات والاتحادات والمجالس الإقليمية والعالمية أيضًا، ولا يستثنى أحد من هذه المسئولية الدولية.
اهتمام التربية بتنمية مبدأ النقد الذاتي لدى الإنسان المصري كقيمة تساعده في معرفة الذات ومحاكمتها لمعرفة مواطن القوة والضعف، ومن ثم تقويم الذات لمواجهة السلبيات وإعادة بنائها من جديد على أسس عقلانية وخلقية.
تركيز المربون على بناء القيم الأخلاقية لدى الإنسان المصري من خلال ثلاثة مستويات مختلفة أولها: هو مستوى الوعي والإدراك المعرفي، وثانيها: مستوى العاطفة والوجدان، وثالثها: مستوى التطبيق والمهارة والفعل، وبذلك تتكامل عملية بناء القيم الأخلاقية.
وبصفة عامة وفي ظل النظرة الجديدة للقيم البشرية في علاقتها بالعملية التربوية فإن هناك حاجة لتبني توجهًا تربويًا وقيميًا جديدًا تبني على أساسه السياسات التعليمية وتخطط وفقًا له المناهج الدراسية، وبحيث يصبح الالتزام بالقيم مناخ مجتمعي وتربوي عام يشجع الإنسان المصري على جعل هذه القيم أساس عمله في الحياة.

الرؤية التربوية المقترحة وأهداف تربية الإنسان المصري:

تسعى الرؤية التربوية المقترحة في هذا المحور إلى تحديد أهم الأهداف الواقعية المرجوة من تربية الإنسان المصري في ظل التحولات المجتمعية العالمية منها والمحلية، وأهم التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة من أهداف بناء الإنسان المصري المعاصر وتربيته؟ وما علاقة هذه الأهداف بالعملية التعليمية من معلم ومتعلم ومناهج دراسية؟ والإجابة عن هذا التساؤلين تتضح من خلال النقاط التالية التي تركز على مجموعة من الأهداف لتربية الإنسان المصري كما يلي:

بناء شخصية الإنسان المصري الواعية والمسئولة، وتنمية قدراته ومهاراته كطاقة منتجة، وبما يجعل منه ذاتًا مبدعة، ويحترم قوانين الحياة وتطوراتها، مع تزويد الإنسان المصري بمهارات التعامل مع المنافسة العالمية في مجالات العلم والعمل والإنتاج.
غرس الإيمان بالله والقيم الدينية والمثل العليا والولاء للوطن والتحلي بروح المسئولية والاعتزاز بالحضارة المصرية لدى الإنسان المصري، وكذلك الاطلاع على تراث المجتمع وحضارته ومتابعة القضايا الإنسانية وقيمها وتطورها.
التركيز على أنماط التربية الحديثة مثل: التربية للعمل، والتربية المتغيرة، والتربية للحياة، والتربية للبناء، والتربية للإنسانية، والتربية المستمرة أو التربية مدى الحياة، وغيرها من أنماط التربية التي تسهم في تحويل المجتمع كله إلى مجتمع دائم التعلم.
إعداد المواطن المصري للتكيف مع المستقبل واستشراقه وسرعة الاستجابة للتغيير المجتمعي، وتركيز التربية بمؤسساتها المختلفة على المستقبل، وتربية عقول وأخلاق طلابها ليكونوا على استعداد للتعامل حاضرًا ومستقبلًا مع النظم العالمية الجديدة ومواجهة متغيراتها وضغوطها.
توجيه العمل التربوي من أجل إعادة البناء الاجتماعي، واعتبار المدرسة وسيلة لبناء نظام اجتماعي جديد يتوافق مع القوى الاجتماعية والاقتصادية للعالم المعاصر.
تطوير الفكر النقدي في طابعه الإنساني، وتدريب المتعلمين على ممارسة النقد الاجتماعي وفق منطق فلسفي ومنهجية علمية منظمة، وكذلك بناء واستعمال لغة نقدية لدى الفرد بصفة عامة ولدى المتعلم بصفة خاصة.
العناية بالموهوبين من أبناء المجتمع المصري، وتوجيه نظم التعليم للكشف عن استعدادات الموهوبين، وتنظيم الأنشطة التربوية المشبعة لحاجات الموهوب، وإجراء البحوث والدراسات حول الموهوبين ورعايتهم تعليميًا ومجتمعيًا.
تهذيب أخلاقيات الشباب المصري وغرس القيم في نفوسهم ابتداء من القيام بالواجبات والمسؤوليات الوطنية وواجبات المواطنة، وانتهاء بقيم التواضع والمشاركة المجتمعية والأخلاق الحميدة وقيم الإتقان والإنتاج والعمل الجاد.
تنمية مهارات التفكير العلمي والتفكير الناقد لدى الإنسان المصري، والوصول إلى حقيقة المعرفة وإدراكها، وترسيخ المنهج العلمي في النظام التربوي تخطيطًا وتنفيذًا وتقويمًا، وتطوير نظم البحث والتقويم والمتابعة، وتنمية قدرات الإنسان المصري على ربط العلوم بتطبيقاتها واستيعاب المنجزات التكنولوجية.
الارتقاء بمستوى الخدمة التربوية بجميع جوانبها من أهداف ومناهج دراسية وإمكانيات بشرية ومادية، والاعتزاز بمكانة المعلم العلمية والاجتماعية لدوره المتميز في بناء الإنسان والمجتمع.
الاهتمام بتنمية الهوية القومية والمحافظة عليها لدى الإنسان المصري، والتركيز على قيم الانتماء للوطن والوطنية والعروبة.
التركيز على التربية الإبداعية لدى الإنسان المصري، وتكوين عقليات متعلمة بمواصفات جديدة حسب التغيرات والتطورات التي تحدث في العالم، وتنمية قدرات الفرد على الإبداع والابتكار والتفكير المنهجي وتطبيقاته العملية.
تزويد الإنسان المصري بالعلوم والمهارات التطبيقية، وتوفير مستوى من التخصص له يمكنه من القيام بالواجبات التي تستند إليه. والاهتمام بالبعد العلمي والتكنولوجي في المجتمع المعاصر، وربطه بالعملية التربوية للإنسان المصري.
ومجمل القول في هذا السياق أن أهداف بناء وتربية الإنسان المصري ينبغي أن تكون واقعية ومستقبلية ومرنة وعملية، فهذه الأهداف تكون واقعية تنطلق من السياق المجتمعي المصري القائم بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومشكلاته الملحة، وتكون مستقبلية حين تتجه لاستشراف المستقبل وإعداد الإنسان المصري لعالم متغير حاضرًا ومستقبلًا، وتكون مرنة حين تكون هذه الأهداف ليست مطلقة، وإنما نسبية ومتغيرة باستمرار نتيجة لتغير أوضاع الحياة، وتكون عملية حين ترتبط بحياة الناس والمطالب الملحة للمجتمع.

الرؤية التربوية المقترحة ومناهج وطرائق تعليم الإنسان المصري:

إذا كانت المناهج الدراسية وطرائق التعليم في الماضي تركز على الحفظ والاستظهار، وتدير ظهرها لتحرير فكر الإنسان وتنمية الفكر النقدي والعلمي المتجدد لديه، كما كانت هذه المناهج منشغلة بتقديم المعرفة المجزأة، وكانت المواد الدراسية بمثابة العوالم المنفصلة، فإنها اليوم مطالبة بأن تسلك طريقًا مغايرًا عما سبق، طريقًا يتوافق مع تطورات العلم والتكنولوجيا والتربية وغيرها.

وتسعى الرؤية التربوية المقترحة في هذا المحور إلى تحديد أهم المعالم المطلوبة في المناهج والمقررات الدراسية وطرائق التعليم المستخدمة في بناء وتربية الإنسان المصري في ظل التحولات المجتمعية العالمية منها والمحلية، وأهم التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة من المناهج الدراسية المستخدمة في بناء وتربية الإنسان المصري المعاصر؟ وما أهم طرائق وأساليب التعليم المطلوبة؟ وما علاقة هذه المناهج الدراسية بتلك الطرائق؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

توجيه المناهج التربوية إلى تشكيل الأجيال الصاعدة في المجتمع المصري، بحيث تتوافق هذه الأجيال مع الأهداف العامة للدولة وتسهم بفاعلية في تحقيقها.
بناء المناهج والمقررات الدراسية في ضوء معطيات المرحلة العمرية ومتطلباتها، مع الاهتمام بالفروق الفردية والإمكانيات العقلية والجسمية بين الطلاب.
توجيه المناهج الدراسية إلى مساعدة الإنسان في مواجهة وحل المشكلات الاجتماعية، وإعداد المناهج الدراسية على شكل برامج إصلاحية تقوم على المشاركة الجماعية داخل المدرسة والمجتمع ككل.
استخدام المنهج الدراسي في تدريب الناشئة على تطبيق منهج النقد المجتمعي الذي يعتمد على الدقة والموضوعية، وفي تنمية مفاهيم ومهارات النقد المعرفي والعلمي لدى الطلاب، وهذا ما يجعل هذه المناهج ديناميكية الحركة والتغيير من عصر إلى آخر.
إخضاع المناهج الدراسية للنقد والتحليل المستمرين، وإعادة النظر في المناهج والمقررات الدراسية الحالية في التعليم المصري، وإعادة تنظيم ما تتضمنه تلك المناهج من معرفة ومعلومات انطلاقًا من التغيرات العلمية والتكنولوجية المعاصرة.
تضمين المناهج الدراسية نظريات علمية جديدة تدعو إلى إعادة الإنتاج المجتمعي، وتقديم ثقافة تطويرية واعية بمشكلات المجتمع المصري، وتكوين إنسان لديه وعي اجتماعي حقيقي وقادر على المشاركة الإيجابية في حل مشكلات مجتمعه.
وضع مجموعة من القواعد العلمية للمناهج والمقررات الدراسية من بينها: التجانس والتكامل لبعضها البعض، وبحيث يكون للنشاط المدرسي الخاص بكل مقرر دراسي دورًا فعالًا في إحداث هذا التجانس والتكامل بين هذه المواد.
إدخال مكون المستقبل في المناهج الدراسية، خاصة وأن ما يتم تقديمه للأبناء الآن من مناهج دراسية لتأهيلهم للحياة العملية في الوقت المعاصر، قد يصبح أمرًا باليًا لا يصلح لمجتمع تتعاظم فيه وبه التطورات بصورة غير مسبوقة، كما تتسارع فيه الأحداث على نحو لم يكن موجودًا من قبل.
تركيز المناهج الدراسية على تمكين الطلاب من مهارات التعلم الذاتي، ومهارات الوصول إلى مصادر المعرفة، وكيفية فهمها ونقدها من خلال اكتساب مهارات التفكير العلمي، وكيفية الاستفادة منها في الحياة العملية.
تركيز المناهج الدراسية على الممارسات وحلقات النقاش التي تقام في حجرة الدراسة، وبالتالي ترسيخ مبدأ التعلم التعاوني القائم على الحوار والنقاش في حلقات تعليمية منظمة تحت إدارة المعلم.
تركيز المناهج والمقررات الدراسية في المراحل الدراسية المختلفة على إعداد المواطن المصري للتوافق مع خصائص المجتمع العالمي المعاصر مثل: الكونية والاتصال بشبكات المعلومات العالمية، والتقدم العلمي الهائل، والتفاعل بين الإنسان ومصادر المعلومات، واستخدام الانترنت في التعليم والتقويم.
اهتمام المناهج الدراسية بالثقافة العالمية، ومسايرة التدفق المعرفي والمعلومات سريعة التغير، بما يساعد في إعادة النظر في محتويات المقررات الدراسية وتجديدها بصفة مستمرة.
بناء المناهج والمقررات الدراسية على أساس تحقيق مبدأ التمهين والإتقان الذاتي للمعلومات، وإتاحة فرص الاهتمام بالعمل الجماعي داخل حجرة الدراسة، ووضع نهايات مفتوحة أمام الطلاب في المحتوى الدراسي بما يساعد في تنمية خيال الإنسان وتوليد فكرة الإبداع لديه.
إتاحة المناهج والمقررات الدراسية فرص لتطبيق إستراتيجيات وطرائق تعليم حديثة كالتعلم التعاوني، والتعليم المجتمعي، والتعلم الذاتي في الحياة عامة.
تركيز طرائق التعليم المستخدمة على فتح المجال أمام الطالب لتنمية خياله العلمي ووضع أساس للتفكير المستقبلي لديه، وتدريبه على إخضاع المادة العلمية للنقد وإبداء الرأي وذلك من خلال حلقات الدرس في حجرة الدراسة.
مراعاة طرائق التعليم أن الفرد يتعلم بشكل أفضل في مواقف واقعية شبيهة بمواقف الحياة اليومية، كما يتعلم الفرد مع الآخرين ويتقاسم معهم معارفه ومشكلاته في سياق اجتماعي.
تركيز طرائق التعليم على تدريب الإنسان المصري على ممارسة التفكير النقدي في الحياة، وذلك من خلال نشاطات تعليمية مختلفة مثل: القراءة والتساؤل ولعب الأدوار والعمل الجماعي، ودفع الفرد إلى تحرير قدرته على التعبير والتحاور مع الغير، والتركيز على الفكر وإعمال العقل فيما يتلقاه الفرد من معلومات.
تركيز طرائق التدريس على تحويل حجرة الدراسة إلى معمل تجريبي يعكس المجتمع الكبير ويطبق فيه منهج النشاط ويتضمن مشاركة في اكتساب الخبرات وتبادلها بين المعلم والطلاب. ويفتح الباب لتبادل الخبرات مع المؤسسات المجتمعية الأخرى.
وبصفة عامة فإنه يجب ابتعاد المناهج الدراسية وطرائق التعليم عن أساليب التلقين والحفظ والاسترجاع، والتركيز على نقد المعرفة، واستخدام الأساليب التي تنمي التفكير العلمي لدى الإنسان المصري منذ طفولته، وتجعله قادرًا على مواجهة المشكلات وتقدير النتائج المترتبة على أي تصرف أو سلوك.

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة المتعلم وواجباته:

إن المتعلم هو محور أي عملية تعليمية في أي مجتمع كان، كما أن الكائن الإنساني دائمًا هو المستهدف من التربية، فهو كائن يسعى إلى غايات مستقبلية، وعندما تبدو أمامه مشروعات مستقبلية وحضارية تستجيب لحاجاته وتعبر عن تطلعاته، فإن التربية بكافة مؤسساتها تدعمه وتساعده في الوصول إليها.

وفي هذا المحور تهتم الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري بتحديد أهم المعالم المطلوبة في المتعلم وسماته في ظل التحولات المجتمعية. وأهم التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري من المتعلم؟ وما هي المواصفات المطلوبة له؟ وما هي الواجبات والمهام التي تقع على المتعلم؟ وما هي القيم والأخلاقيات التي ينبغي على المتعلم الالتزام بها؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

النظر إلى الفرد المتعلم كإنسان وبشر وليس كآلة أو جهاز يستخدم لتخزين المعلومات، وأيضًا مراعاة الفروق الفردية، وأن المتعلم يتكون من أجزاء صانعها رب الكون هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك يجب تطويره والارتقاء به ومراعاة حاجاته.
النظر إلى المتعلم باعتباره ذو عقل نشط فعال، وصاحب فكر مبتكر، يستطيع من خلال التربية امتلاك قدرات إبداعية وملكات ابتكارية. وإدراك القائمين على التربية أن المتعلم بحاجة إلى معلومات وخبرات جديدة من أجل تأهيله للعمل في الحياة المعاصرة.
قيام عملية تربية الإنسان المصري في مراحل التعليم المختلفة على مقومات أربعة هي: عاطفية ومعرفية واجتماعية وأيديولوجية، ففيما يتعلق بالمقوم العاطفي فالإنسان لا يمكن أن يكبر دون أن يكون منتميًا لمحيطه الاجتماعي، أما المقوم المعرفي فيرتكز على إشباع حب الاستطلاع لدى الفرد منذ طفولته، أما المقوم الاجتماعي فيعتمد على قابلية الفرد للتفاعل مع الآخرين، أما فيما يتعلق بالمقوم الأيديولوجي فيرتبط بمعتقدات الفرد وتنمية قيمه ومعاييره في الحكم على الأشياء.
الالتزام بالأهداف المحددة في الدستور وقوانين الدولة، والخاصة بتحقيق التميز في تعليم الفرد، والتميز في عمل المؤسسات التربوية، ورعاية المتفوقين تعليميًا وعقليًا من جميع فئات المجتمع.
تركيز التربية على بناء الفرد المتعلم على أساس أنه كائن اجتماعي يتشارك ويتعاون مع غيره من أفراد مجتمعه في بناء مجتمعنا مصريًا متقدمًا، وبغير التعاون والتشارك الاجتماعي يستحيل على الإنسان أن يستمر في حياة اجتماعية وإنسانية ناجحة.
تركيز التربية على إكساب الفرد المتعلم مهارات التواصل الثقافي والحضاري في عالم متغير، ومهارات التفكير الناقد والحوار مع الآخر، ومهارات التكيف والمرونة في العمل ومجالات الحياة المختلفة، وأدوات المعرفة ليصبح قادرًا على التعلم الذاتي والاستمرار في التعليم، ومهارات التعامل مع التقنيات المعلوماتية الحديثة واستخدامها في مختلف شئون حياته.
مراعاة التربية أن الفرد المتعلم يميل إلى دراسة كل ما يمس اهتماماته الشخصية،أو ما يحل مشكلاته، وهو في نفس الوقت يميل إلى رفض كل ما يشعر بأنه مفروض عليه ممن هم أعلى منه، ولذلك يجب أن يكون تعلمه نابعًا من حاجته لهذا التعلم ورغبته فيه، وليس بالضرورة لأن الآخرين يرون أنه يجب أن يتعلم.
تركيز التربية على تنمية قدرات المتعلم على استخدام العقل بطريقة نقدية، على أساس أن النقد يساعد في تعديل الواقع، كما يجب أن يدرس الفرد العلوم بطريقة نقدية ومن خلال عقلية مفكرة ناقدة، مع التخلص من طرق التعلم السابقة حيث كان المتعلم في السابق يقضي حياته كاملة وهو يستعمل معرفة متوافرة في الكتب دون أن يقف فاحصًا ناقدًا بنيتها الداخلية.
تركيز التربية على أن التلميذ يتعلم بشكل أفضل عندما يدرك الصلة بين ما يتعلمه وبين الحياة كما يحياها هو لا من وجهة نظر من هم أكبر منه سنًا، ولذلك فالمتعلم يجب أن يكون متواجد في الموقف التعليمي، وهو يتمتع بحرية الاختيار القائمة على المسئولية، وهو يمارس تعلمه من خلال قدراته وذكاءه.
ينبغي الاهتمام بتنمية أخلاق المتعلم، فهي قضية مهمة تستدعي النظر إليها من جميع المؤسسات التربوية والاجتماعية والتركيز على تكوين ملكة مراقبة الذات ومحاسبتها من جانب الفرد، ومساعدته على إبداع أخلاقه بنفسه وحسب طاقته وقدراته.
وبصفة عامة فإن الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري تؤكد على أنه يجب توجيه نظر المتعلم إلى أن التعليم بالنسبة له عملية مستقبلية أبعد أثرًا أكثر منها عملية وقتية حاضرة، كما يجب إيصال المتعلم إلى مرحلة متقدمة من مراحل الانضباط الذاتي، الذي يتحقق من تصرف المتعلم وفق القوانين لأسباب تنبع من داخله وليس لأسباب مفروضة عليه من الآخرين.

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة المعلم ومهامه:

إن وجود المعلم يعد أساسيًا في العملية التعليمية، ولا يمكن تعويضه أو الاستغناء عنه مهما بلغ التقدم التقني في المجتمع، لأن المعلم يؤدي دورًا تدعيميًا، فهو ينظم وضعيات التعلم، وينظم البيئة التعليمية لإنشاء المعرفة وتفعليها، ويدفع التلاميذ إلى التفكير في نشاطاتهم التعليمية، ويعودهم على التفاعل فيما بينهم داخل حجرة الدراسة.

وفي هذا المحور تتوجه الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري إلى المعلم بتحديد أهم مواصفاته ومهامه، والدور الذي يضطلع به في العملية التعليمية في ظل التحولات المجتمعية، وأهم التساؤلات التي تطرح في نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة من المعلم؟ وما هي المواصفات المطلوبة للمعلم؟ وما هي الواجبات والمهام التي تقع على المعلم في الوقت الراهن؟ وما هي القيم والأخلاقيات التي ينبغي على المعلم التحلي بها؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

إن المعلم يمارس مهنة متخصصة في المجتمع المعاصر، وبالتالي فهو يشارك في تربية الفرد بصورة شاملة، وهذا يقتضي أن يكون هناك ضبط لدور المعلم وفاعلية لدوره في تحقيق التكامل الاجتماعي والوظيفي والثقافي والمعياري والشخصي لتلاميذه.
من شروط نجاح المعلم في عمله أن يدرك أنه يعيش في عالم له حقائقه ومنجزاته الطبيعية وله أساليب فكرية وتجريبية حققت التقدم والرقي، ومن ثم على المعلم توسيع أفق التلاميذ من خلال النقد البناء والتشجيع الخلقي، وتزويدهم بمهارات النقد والتحليل، وتشجيعهم على تقبل تغيرات الحضارة العلمية والتكنولوجية المعاصرة والتعامل معها بعقلية علمية ناقدة (Horster,D.,2002:48).
من بين مهام المعلم تدريب طلابه على ممارسة التفكير النقدي الحر وبالبحث في الدلائل والبراهين، والاتجاه للحلول الجديدة والمبتكرة للمشكلات التي تواجههم، والوصول بالطلاب إلى القدرة على بناء صور ذهنية نقدية عن المشكلات التي يقابلونها أو تلك التي تطرح عليهم، وهذا يحتاج من المعلم أن يطور من أساليبه وطرقه في التدريس (Eriksen, E.O.&Weigard,J., 2004: 103).
اتجاه المعلم إلى استخدام التغذية الراجعة، ولا يوجهها للتفوق فقط، بمعني لا يستخدمها مع الطلاب المتفوقين فقط، وإنما يستخدمها مع جميع الطلاب، ولا يتخلي عن المجموعات التي تعاني من صعوبات في سير عملها التعليمي.
إدراك المعلم لدوره في جعل المفاهيم الموجودة عند التلاميذ واضحة، فهو ليس ملقن بل موجه ومرشد، كما أنه منظم لبيئة التعلم، ومشارك في إدارة التعلم وتقويمه.
إن الناقد والمحلل والمفكر هو نفس الدور الذي يقوم به المعلم، وبالتالي فمن واجبات المعلم تدريب طلابه على الحلول الجديدة والمبتكرة للمشكلات بناء على فكر عقلاني ناقد، كما ينبغي أن يشجع المعلم الطالب على التصرف بعد التفكير في النتائج التي قد تترتب على تصرفه، وأن يدرك المعلم أن المعايير يجب أن تنبع من داخل التلميذ نفسه وفي ضوء فهمه للموقف.
إن المعلم المعاصر يجب أن يتسم بمجموعة من الخصائص حتى يؤدي دورًا مهمًا في نجاح منظومة التعليم في أي مجتمع، وحتى يسهم في بناء الإنسان المصري وتربيته بفاعلية، ومن بين هذه الخصائص: سعة إطلاع المعلم، وأن يكون قادرًا على المحافظة على الهوية والوطنية والقوميةوالدينية والثقافية لمجتمعه، وأن يمتلك مهارات التواصل الثقافي والحضاري في عالم متغير، وأن يكون قادرًا على التخطيط للمستقبل والنجاح فيه، وأن يمتلك روح الإبداع والابتكار والتجديد، وأن يكون قادرًا على ضبط الذات وتحمل المسئولية.
ينبغي على المعلم أن يقف موقفًا نقديًا مستمرًا من فكرة وطريقته في التعامل مع طلابه، وكذلك عليه أن يقف موقفًا نقديًا موضوعيًا من المجتمع، بما يفيده في توصيل المعلومات ذات الطابع الاجتماعي والتاريخي، كما ينبغي أن يتوفر لدى المعلم عدة قناعات من بينها: أن أفكار التلاميذ هي نتاج للمجتمع الذي يعيشون فيه.
ينبغي توفير إجراءات لتقويم أداء المعلمين بصورة غير عقابية، وإنما بأساليب تعمل على رفع مستوى العملية التعليمية، وبالتالي ترتقي بعملية بناء الإنسان المصري حاضرًا ومستقبلًا.
وبصفة عامة فالمعلم عليه الالتزام بتكوين نظرة نقدية وواعية جديدة في مجتمع يقوم على أساس عمل تربوي جماعي، والمهمة الآنية للمعلمين هي الاستناد إلى قوة المدارس لإعادة البناء الاجتماعي، وتجميع قوة المعلم كوسيلة للإصلاح الاجتماعي، كما يجب على المعلم أن يدرك دوره المهم في بناء الإنسان المصري وتنميته، ودوره  في مساعد كل طالب علم في اكتساب الخبرة الجديدة.

الرؤية التربوية المقترحة والإدارة المدرسية والمناخ التربوي:

في الماضي كان ينظر للسلطة والإدارة في أي مؤسسة أو مصنع أو مدرسة أو غيرها على أنها أداة للتحكم في كل شيء داخل هذه المؤسسة، وكانت تستخدم بالمعني السياسي في الهيئات والمؤسسات الحكومية، غير أن هذا المفهوم تغير وشهد تحولًا نوعيًا بعد ظهور الفلسفات التربوية الحديثة ومن بينها الفلسفة النقدية المعاصرة التي تركز عليها الدراسة الحالية، وأصبح مفهوم السلطة والإدارة لديها يختلف عما كان، فهي تعني التعاون والمشاركة مع أفراد العمل وليس فرض عقاب عليهم، وذلك في إطار جماعية الأداء ووحدة الهدف.

وفي هذا المحور تتوجه الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري إلى  تحديد أهم مواصفات الإدارة المدرسية وعلاقتها بالمناخ التربوي، والدور الذي تضطلع به في العملية التعليمية في ظل التحولات المجتمعية، وأهم التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة من الإدارة المدرسية؟ وما هي المواصفات المطلوبة لها؟ وما هي الواجبات والمهام التي تقع عليها؟ وما هي مواصفات المناخ التربوي الفعال داخل المدرسة؟ وما  هي علاقته بالإدارة المدرسية؟، والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

وعي إدارة المدرسة بالاتجاهات الحديثة في الإدارة، والاهتمام بتوظيف إمكانات التقدم المعلوماتي والتكنولوجي في العمليات الإدارية داخل المدرسة، وزيادة التعاون بين إدارات المؤسسات التعليمية باعتبارها كيانات مجتمعية تربطها بنية تحتية واحدة وأهداف مشتركة في المجتمع.
وعي إدارة المدرسة لدورها في إعادة البناء الاجتماعي، والمشاركة في تشكيل العقول الإنسانية وتنميتها وإعدادها للمستقبل، والمشاركة في وضع تصورات لمعالجة المشكلات التربوية والتصدي للأزمات المجتمعية، وإعادة تشكيل المدارس وتهيئتها لإعداد العقول القادرة على النهوض بالمجتمع المصري.
ممارسة الإدارة المدرسية لعملها وفقًا لمجموعة من المبادئ في مقدمتها: توزيع الصلاحيات الإدارية بين أفرادها، وتبسيط الأنظمة الإدارية القائمة داخل المؤسسات التربوية وكذلك التفويض والتنسيق بين مستويات الإدارة المختلفة في المؤسسة التربوية، والمحاسبية والمساءلة، والتقييم المستند إلى الأداء، وغيرها من المبادئ الإدارية التربوية التي يحفل بها الفكر التربوي النقدي المعاصر.
وعي إدارات المؤسسات التربوية والتعليمية بأن المجتمع المصري الجديد يتطلب بناء فكر ديمقراطي أصيل يبدأ من المدرسة والفصل، وأن إدارة المدرسة لها دور بارز في بناء هذا الفكر من خلال عملها بطريقة عادلة وديمقراطية مع جميع عناصر العملية التعليمية داخل المدرسة.
الاهتمام بالتوجه إلى نمط المدرسة المدارة ذاتيًا، ومنح المؤسسات التعليمية الاستقلالية التربوية والتنظيمية والمالية القصوى، ومشاركة المدرسة في تخطيط وتنفيذ سياستها التربوية والاجتماعية والاقتصادية.
تفعيل دور اللامركزية في إدارة المؤسسات التربوية، خاصة وأن إدارة التعليم بشكل مركزي إنما يعكس نزعة شمولية غير ديمقراطية، علاوة على كونه يقلل من قدرة النظم التعليمية على الاستجابة لمقتضيات التغيير المجتمعي والتطور العلمي والتقني في المجتمعات البشرية.
اهتمام الإدارة المدرسية بالرقابة المحفزة والمنتجة باعتبارها قاعدة أساسية من قواعد الضبط في النظام التربوي والهدف منها الرقابة على سير العمل والخطة الدراسية للمناهج التربوية والتوجيه والإرشاد للمتعلم.
وعي إدارة المدرسة بأن مبادئ الديمقراطية والشورى والحرية لا يقتصر تطبيقها على المجال السياسي، وإنما يتسع هذا التطبيق ليشمل المجال التربوي والتعليمي والاقتصادي أيضًا.
ضرورة امتلاك إدارة المدرسة لمهارات التفكير النقدي، بحيث تعيد النظر باستمرار في أسلوب عملها داخل المدرسة وتراجع هذا العمل، بما يساعد في انتظام العمل المدرسي وتطويره.
اهتمام الإدارة المدرسية ببناء مناخ تربوي داخل المدرسة يتسم بتشجيع التعاون أكثر من التنافس بين أفراد العمل المدرسي، وتوثيق الصلة بين التعليم والحرية في الفكر، والنظر إلى كل من التربية والحرية الإنسانية على أنهما صنوان متلازمان لا يفترقان.
اهتمام الإدارة المدرسية بشراكة أولياء الأمور في العملية التربوية وكذلك في إدارة المؤسسة التربوية، فالمشاركة الحقيقية والتعاون الجاد بين المؤسسات التعليمية والأسرة تساعد في تحقيق الهدف الأساسي وهو نجاح عملية تربية الناشئة، كما تتيح هذه الشراكة فرصة للمشاركة المدنية والمجتمعية في بلورة شكل التعليم وتطويره.
وبصفة عامة ينبغي على إدارة المدرسة أن تنظر إلى المدرسة ذاتها باعتبارها حيز إنساني يمارس من خلاله عملًا اجتماعيًا تربويًا يراعي كافة أبعاد المجتمع المصري وقضاياه الحاضرة والمستقبلية، والمدرسة بذلك تساعد في اكتشاف وتطبيق مبادئ اجتماعية أكثر انسجامًا وأكثر دينامية وأكثر ارتباطًا بطبيعة المجتمع.

الرؤية التربوية المقترحة وطبيعة التقويم التربوي:

في هذا المحور تتوجه الرؤية التربوية المقترحة إلى تحديد أهم مواصفات التقويم التربوي الفعال وعلاقته ببناء الإنسان المصري، وأهم التساؤلات التي تطرح نفسها هنا هي: ما موقف الرؤية التربوية المقترحة من التقويم التربوي؟ وما هي المواصفات المطلوبة في التقويم التربوي الفعال؟ وما علاقة التقويم التربوي ببناء الإنسان المصري؟، والإجابة عن هذه التساؤلات تتضح من خلال النقاط التالية:

تركيز المؤسسات التربوية والتعليمية على تحقيق مبدأ إعادة بناء المتعلم علميًا وأخلاقيًا من خلال أساليب ووسائل التقويم المستخدمة، وذلك من منطلق أن المدرسة ذاتها هي مركز لإعادة البناء والإصلاح المجتمعي.
تركيز أساليب التقويم التربوي على تنمية التفكير النقدي والموضوعي لدى الطلاب، وعدم الاقتصار على الجوانب التقليدية وقياس القدرة على الحفظ والتلقين، ومراعاة تنمية التفكير النقدي والعلمي والمستقبلي لدى الطلاب من خلال ما يقدم لهم من اختبارات دراسية.
تركيز المؤسسات التربوية على وضع مستويات أكاديمية وعلمية يسترشد بها في تحديد أساليب التقويم ويوضع وفقًا لها وسائل التقويم اللازمة، وكذلك يقاس وفقًا لها مستويات الطلاب في التحصيل والإنجاز المدرسي.
تركيز المؤسسات التربوية والتعليمية على تنمية طرق تقويم الذات لدى الطلاب، ويتحقق ذلك من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب منذ الصغر وتعويدهم على نقد وتقويم الذات، وتوجيههم إلى النظر باستمرار فيما يقومون به من أعمال ومهام، ومراجعة تلك الأعمال والمهام ونقدها بغرض تحسينها باستمرار (ب. برتراند، 2008م: 173).
تشجيع وسائل التقويم الذاتي لدى المتعلم بصفة خاصة ولدى الإنسان المصري بصفة عامة وذلك من خلال الطرق التعاونية والعمل الجماعي، فالأفراد يشعرون بتطور مفهوم الذات كلما تبين لهم أن عملهم الجماعي قد أصبح ملموسًا، كما يشعرون بقيمة أكبر كلما تعرضوا لمشكلات وقاموا بحلها معًا فالطرق التعاونية تسهم في تنمية مفهوم تقويم الذات، كما أن الطلاب يحققون إنجازات مدرسية مرتفعة عند تعلمهم وفق طرق تعاونية.
توجه المؤسسات التربوية إلى استخدام وسائل التقويم الفردي والجماعي للأنشطة التعليمية وخاصة في المرحلة الابتدائية، فالتلاميذ يشاركون أكثر إذا ما عرفوا أنهم سيكافئون على مجهوداتهم الفردية والجماعية التي يبذلونها في التعلم.
اهتمام التربويين والمعلمين بالربط بين وسائل التقويم وطرائق التعليم، والاتجاه نحو استخدام كل من الأسئلة الموضوعية والمقالية في الاختبارات المدرسية ووسائل التقويم، بشرط أن تركز الأسئلة المقالية على تنمية جوانب التفكير والنقد والفكر المستقبلي لدى التلاميذ، ولا تقتصر على مجرد قياس القدرة على التذكر والحفظ.
تقديم المكافآت والإثابات للتلاميذ انطلاقًا من نتائج أداءات الجماعة، وإعطاء علامات إضافية للتلاميذ المجيدين في كل مجموعة مع تجنب المبالغة في المكافآت المادية، أو المبالغة في فرض العقاب، مع التأكيد على المسئوليات الفردية والجماعية لدى التلاميذ داخل مجموعات التعلم (James,C. and Others, 2003: 126).
تشجيع استخدام الملفات المدرسية التي يكونها التلاميذ، فبقدر ما تمر السنة الدراسية، بقدر ما ينبغي للتلميذ أن يقدم بشكل دوري أعماله الدراسية التي يضعها في شكل ملف، فهذه الطريقة تدرب التلميذ على النظام والتخطيط والحماس في التعليم.
ينبغي استفادة المؤسسات التربوية من إمكانيات الوسائل المعلوماتية والتكنولوجية الحديثة، والاستفادة من قدرات الحاسب الآلي ونظام الاختبارات الإلكترونية والوسائط المتعددة في عملية التقويم التربوي بصفة عامة.
وبصفة عامة فالتقويم التربوي داخل المؤسسات التربوية والتعليمية كلما كان فعالًا وناجحًا ومحققًا لأهدافه، كلما أصبح من أهم آليات بناء الإنسان المصري علميًا وخلقيًا وتعليميًا، وأيضًا ساعد في تنمية التفكير النقدي والموضوعي لديه، وكذلك تنمية التفكير العلمي والمستقبلي، وتنمية طرق تقويم الذات وتقويم الآخرين لدى الإنسان المصري.

سادسًا: توصيات لنجاح تطبيق الرؤية التربوية المقترحة:

يتطلب تحقيق الرؤية التربوية المقترحة لأهدافها في مجال بناء الإنسان المصري وتربيته في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة مراعاة مجموعة من التوصيات والضمانات كما يلي:

رسم الخطط التربوية والتعليمية لبناء الإنسان المصري بدقة وعناية، وتطبيقها بجهود مخلصة متعاونة من قبل جميع المؤسسات التربوية في المجتمع، ووفقًا لرؤية واضحة لفلسفة التربية المعاصرة.
تحويل الرؤية التربوية المقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة إلى آلية عمل يقوم المربون والتربويين بتنفيذها في مجال إعداد وتربية الإنسان المصري المعاصر.
إعادة النظر إلى المدارس على أنها مؤسسات تربوية تعيد تشكيل البنية الاجتماعية للإنسان والمجتمع للحفاظ على استمراريتهما في تطور، كما أنها مؤسسات منتجة للمعرفة وللعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
العمل داخل المؤسسات التربوية والمدارس في شكل منظومة تربوية تجمع كل العناصر والفئات والمستويات الإدارية، وتكمل بعضها البعض، والعمل على تطبيق مبادئ التواصل الاجتماعي والمشاركة بين جميع المؤسسات التربوية داخل المجتمع بما يرتقي بعملية بناء الإنسان المصري.
اشتمال المناهج والمقررات الدراسية على المتطلبات التربوية اللازمة لبناء الإنسان المصري وتربيته بشكل عصري يواكب تغيرات الحياة وتحولاتها العلمية والمعلوماتية والتكنولوجية المتلاحقة.
الإعداد المتميز والتدريب المستمر والمتطور للمعلم، وإمداده بالجديد في مجال عمله، باعتباره مشارك حقيقي في بناء الإنسان المصري وفق تطورات العلم والتربية.
مراعاة مخططي السياسة التعليمية المصرية لبعض المبادئ المهمة مثل: مبدأ التخطيط التعليمي الكفء، ومبدأ التغيير التقدمي الشامل في التعليم، ومبدأ تعليم المجتمع من أجل تحديثه، ومبدأ التعليم المنتج النافع اجتماعيًا.
سد الفجوة بين السياسات والخطط التعليمية النظرية وبين البحث العلمي والتربوي الميداني فيما يخص بناء الإنسان المصري وتربيته وفقًا لتطورات العصر، مع تركيز هذه السياسات والخطط على إعادة بناء الإنسان المصري والخروج بعقله من حالة الجمود الفكري.
التركيز في بناء الرؤى التربوية المستقبلية لبناء الإنسان المصري وتربيته على أن تكون هذه الرؤى التربوية تتسم بالعقلانية والموضوعية، وتبني على معلومات دقيقة، وأن تضع أهدافًا واقعية يمكن تحقيقها، وأن تكون ناتجة عن مشاركة حقيقية، وأن تبني على نتائج البحوث العلمية والميدانية، وأن تراعي البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، وأن تحافظ على الهوية والثوابت، وأن تكون لها مرجعية قيمية وعلمية، وأن تحدد مسئوليات تنفيذها، وأن تبين كيفية تقويمها لتصحيح مساراتها.
تخصيص مزيد من الدراسات والبحوث التربوية الخاصة ببناء الإنسان المصري وتطوير سبل تربيته وتعليمه، والاهتمام بالدراسات التربوية الناقدة للمدارس الفلسفية والتربوية المعاصرة.
مشاركة الجامعات ومراكز البحوث التربوية في إعداد مزيد من البحوث والدراسات حول إعادة بناء الإنسان المصري، وتأهيله باستمرار لمواجهة تطورات الحياة والعلم والعمل.
وفي نهاية هذه الدراسة التحليلية ربما يكون الباحث قد استطاع أن يقدم بعض الركائز الأساسية التي تشكل ملامح رؤية تربوية مقترحة لبناء الإنسان المصري في ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة، وبما يتناسب مع التطلعات المستقبلية والواقع الاجتماعي الراهن في المجتمع المصري والعربي.

وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة الحالية لا تزعم أنها استطاعت الإلمام بكل جوانب قضية تربية وبناء الإنسان المصري بشكل معاصر،  فهذه القضية يتعذر على دراسة واحدة أن تقوم بها أو تخوض فيها بكل تفصيلاتها، وإنما هذه الدراسة الحالية هي محاولة للإمساك بأول الخيط لمعرفة تصور عملية تربية وبناء الإنسان المصري في ضوء إحدى الفلسفات الإنسانية والتربوية الجديدة وهي الفلسفة النقدية المعاصرة. كما أن الدراسة الحالية تعد جهدًا مبدئيًا في ميدان فلسفة التربية المعاصرة، وجل اهتمامها هو التعرف على الأبعاد التربوية الواحدة من الإشكاليات التي شغلت تفكير التربويين محليًا وعالميًا وهي قضية بناء الإنسان وتربيته بشكل معاصر.

وفي النهاية يأمل الباحث أن يكون قد قدم رؤية تربوية وفلسفية جديدة من نوعها لبناء الإنسان المصري وإعداده لحياة متغيرة ومتطورة باستمرار، وأن تمثل هذه الرؤية انعكاسًا صادقًا للفلسفة الاجتماعية التي يسعى لتحقيقها المجتمع المصري، وأن تصبح هذه الرؤية التربوية ذات طابع عملي، وأن تجد هذه الرؤية التربوية المقترحة نصيبها من التنفيذ من جانب المسئولين والقائمين على النظام التربوي والتعليمي في المجتمع المصري، وذلك على بصر من الماضي وفي ضوء من تحليل الحاضر وصولًا إلى مستقبل أفضل للإنسان المصري.

مراجع الدراسة

أولًا: المراجع العربية:

إ.م. بوشنسكي (1992م)، “الفلسفة المعاصرة في أوربا”، ترجمة: عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة، عدد (165)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والعلوم والفنون، سبتمبر 1992م.
إبراهيم الحيدري (2013م)، “النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت”، سلسلة الحوار المتمدن، العدد (4286). http://www.almadapaper.net/ar/news/453873
إبراهيم ناصر (2001م)، فلسفات التربية، عمان: الجامعة الأردنية.
ابن منظور (1984م)، لسان العرب، الجزء السادس، مجلد (14)، تحقيق: عبد الله علي الكبير وآخرون، القاهرة: دار المعارف.
أحمد الأمين (2010م)، “النقد الفلسفي العربي المعاصر بين الإيدويولوجيا والفلسفة”، في كتاب: رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، الرباط (المغرب): كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
أحمد عبد الحليم عطية (2010م)، “الفلسفة الغربية والفكر العربي المعاصر: التوازي والتكافؤ المؤجل”، في كتاب: رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، الرباط (المغرب): كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
أحمد عبد الله الصغير (2013م)، “متطلبات بناء الطفل المصري في ضوء بعض المتغيرات الإيجابية لثورة 25 يناير 2011م: دراسة استشرافية”، مجلة البحث في التربية وعلم النفس، كلية التربية، جامعة المنيا، المجلد (26)، العدد (2)، أكتوبر 2013م.
إرنست فون بلاسر (2001م)، “البنائية الراديكالية والتدريس”، ترجمة: أحمد عطية أحمد، مجلة مستقبليات، اليونسكو: مكتب التربية الدولي باليونسكو، مجلد (32)، العدد (2)، يونية 2001م.
أشرف عبده حسن الألفي (2003م)، “إدارة أزمات التعليم في مصر: دراسة تحليلية مستقبلية”، رسالة دكتوراه، كلية التربية بدمياط، جامعة المنصورة.
السيد سلامة الخميسي (د.ت)، التجديد في فلسفة التربية العربية لمواجهة تحديات العولمة: رؤية نقدية من منظور مستقبلي، الرياض: المكتبة الالكترونية لأطفال الخليج ذوي الاحتياجات الخاصة.
ب. برتراند (2008م)، النظريات التربوية المعاصرة، ط4، ترجمة: محمد بوعلاق، الرباط (المغرب): دار الأمان للطبع والنشر.
بيتر ل. بيرجر وآخرون (2009م)، التحليل الثقافي، ترجمة: فاروق أحمد مصطفى وآخرون، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
جون ليتشه (2008م)، خمسون مفكرًا أساسيًا معاصرًا من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، ترجمة: فاتن البستاني، بيروت، المنظمة العربية للترجمة والنشر.
حسن حنفي (2010م)، “رهانات الفلسفة في الوطن العربي والموقف الحضاري”، في كتاب: رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، الرباط (المغرب): كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
رايت ميلز (2012م)، نظريات الصراع السياسي، ترجمة: المؤسسة الشاملة للنشر والتوزيع.
رمضان بسطاويسي محمد (1998م)، علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت: أدورنو نموذجًا (1903م – 1969م)، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
سالم يفوت (2012م)، فلسفة التواصل عند هابرماس، الرباط (المغرب): جامعة محمد الخامس.
سامي محمد نصار (2005م)، قضايا تربوية في عصر العولمة وما بعد الحداثة، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية للنشر.
سامي محمد نصار وجمال عبد المنعم أحمد (1998م)، مدخل إلى تطور الفكر التربوي، الكويت: منشورات ذات السلاسل.
سعيد إسماعيل علي (1995م)، “فلسفات تربوية معاصرة”، سلسلة عالم المعرفة، عدد (198)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والعلوم والفنون، يونيو 1995م.
سيف الإسلام مطر، وهاني عبد الستار فرج (2009م)، “خطايا السياسة التعليمية في مصر: رؤية تحليلية ناقدة”، المؤتمر العلمي الرابع (أنظمة التعليم في الدول العربية: التجاوزات والآمال) من 5 – 6 مايو 2009م، قسم أصول التربية، كلية التربية، جامعة الزقازيق.
شبل بدران (2000م)، أزمة الفكر التربوي، القاهرة: المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات.
شبل بدران (2006م)، ديمقراطية التعليم في الفكر التربوي النقدي، القاهرة: عين للدراسات الاجتماعية والبحوث.
شمس الحويطر (2006م)، قراءات في الفكر التربوي، الرياض: د.ن.
صابر جيدوري (2009م)، “الأبعاد التربوية لجدل الثابت والمتحول في فلسفة التربية: دراسة تحليلية مقارنة في الأنساق الفكرية للتربية العربية”، مجلة كلية التربية، جامعة دمشق، المجلد (25)، العدد (1، 2).
عادل السكري (1999م)، نظرية المعرفة من سماء الفلسفة إلى أرض المدرسة، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
عبد الحميد محروس عبد الحميد (2007م)، “دراسة تحليلية للفكر التربوي في مصر في الفترة 1985 – 1995م”، رسالة دكتوراه، كلية التربية، جامعة طنطا.
عبد الراضي إبراهيم محمد (2002م)، دراسات في فلسفة التربية المعاصرة، القاهرة: دار الفكر العربي للطبع والنشر.
عبد الرحمن بدوي (د. ت)، إمانويل كانت، الكويت: وكالة المطبوعات.
عبد الرحمن بدوي (د. ت)، مدخل جديد إلى الفلسفة، الكويت: وكالة المطبوعات.
عبد الغفار مكاوي (1993م)، “النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت”، حولية كلية الآداب، جامعة الكويت، العدد (13).
عبد الغني السمان عبد الغني (2011م)، “اتجاهات فلسفة التربية المعاصرة في مصر وتحقيق الأمن التربوي”، رسالة دكتوراه، كلية التربية، جامعة سوهاج.
عصام توفيق قمر (2005م)، “الاتجاهات الحديثة في فلسفة التربية: اتجاه ما بعد الحداثة”، مجلة صحيفة التربية، السنة (65)، العدد الأول، أكتوبر 2005م.
علي ليلة (1990م)، “موقع مدرسة فرانكفورت على خريطة النقد الاجتماعي”، سلسلة قضايا فكرية، الكتاب التاسع والعاشر، القاهرة: دار الثقافة الجديدة.
فؤاد كامل وآخرون (2002م)، الموسوعة الفلسفية المختصرة، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
محمد الأصمعي محروس (1994م)، بعض الجوانب التربوية في الفكر الفلسفي الألماني، سوهاج: كلية التربية.
محمد سالم سعد الله (2013م)، مدرسة فرانكفورت النظرية النقدية، الرياض: د.ن.
محمد سبيلا (2007م)، الحداثة وما بعد الحداثة، ط2، المغرب (الدار البيضاء): دار توبقال للنشر.
محمد عبد الخالق مدبولي (2005م)، أزمتا التنظير والممارسة وعلاقتهما بظاهرة تفكيك البنية في السياق التربوي الغربي المعاصر: دراسة تحليلية، كلية التربية، جامعة حلوان.
محمد عبد الخالق مدبولي (2008م)، “التربية تجدد نفسها: تفكيك البنية”، سلسلة آفاق تربوية متجددة، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
محمد منير مرسي (1993م)، فلسفة التربية: اتجاهاتها ومدارسها، القاهرة: عالم الكتب.
محمد نور الدين أفاية (2008م)، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، المغرب (الدار البيضاء): إفريقيا الشرق للنشر.
محمد يحيى فرج (2003م)، الحداثة والفلسفة عند كانط، القاهرة: كلية الآداب جامعة عين شمس ومؤسسة وسيم سنتر للطباعة والنشر.
محمود صديق سلطان (2002م)، “بعض جوانب فلسفة التربية في التصوف الإسلامي ووضع إستراتيجية لتفعيلها في خدمة قضايا التربية المعاصرة”، رسالة دكتوراه، كلية التربية، جامعة جنوب الوادي.
موسى وهبة (1986م)، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الأول، القاهرة: معهد الإنماء العربي.
ميجان الرويلي وسعد البازعي (2000م)، دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من خمسين تيارًا ومصطلحًا نقديًا معاصرًا، ط2، بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
ويكيبيديا (2013م)، الموسوعة الحرة. http://ar.wikipedia.org
يزيد عيسى السورطي (2009م)، “السلطوية في التربية العربية”، سلسلة عالم المعرفة، العدد (362)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والعلوم والفنون، ابريل 2009م.
يمنى طريف الخولي (2000م)، “فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية”، سلسلة عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد (264)، ديسمبر 2000م.
يورجن هابرماس (1999م)، “التقنية والعلم والأيديولوجية”، سلسلة العلوم رقم (39)، ترجمة: إلياس حاجوج، دمشق: وزارة الثقافة.
يورجن هابرماس (2002م)، الحداثة وخطابها السياسي، ترجمة: جورج تامر وجورج كتورة، بيروت: دار النهار.

ثانيًا: المراجع الأجنبية:

Barbara, H. L. (2007), Philosophy and Critical Thinking, California: Northern California Publishers & Authors.
Braaten, J. (2001), Habermas’s Critical Philosophy of Society, New York: State University Press.
Cohen, J. (2003), Discourse Ethics and Civil Society, in: Civil Society and Political Theory, London: Verso Books .
Devied, R. H. (2010), Philosophy and Education, New York: Press Hell Co.
Eriksen, E. O. & Weigard, J. (2004), Understanding Habermas: Communicative Action and Deliberative Democracy, London: Continuum International Publishing.
Finlayson, G. (2004), Habermas: A Very Short Introduction, United Kingdom: Oxford University Press.
Giroux, H. (2002), Theory and Resistance in Education, 2nd. ed., South Hadley: Bergin and Garvey.
Habermas, J. (2006), Morale of Communication, 2nd. ed., Paris: ed. Flammarion.
Haemly, M. E. (2009), A Critical Philosophy of Education, 3rd. ed., New York: Press Hell Co.
Horster, D. (2002), Habermas: An Introduction, New York: Pennbridge Publisher.
James, C. and Others (2003), Effective Use of Students Learning Teams, California: California State University.
Jonas, H. (2000), Principe de Responsabilite: Une Ethique Pour la Civilisation Technologique, Paris: Trad. J. Greich.
Levinson, C. V. (2009), Critical Philosophy and Education, U. K.: World Publisher Co.
Margonis, T. P. (2006), Philosophy of Theodor Adorno, New York: Alabask Publishing.
Mulder, S. (2009), The Critical Philosophy of Jurgen Habermas, Washington: National Publisher Co.
Ralfe, G. Z. (2012), The Philosophy of Education Society, New Jersey: Pension for Book.
Richard, W. P. (2002), Critical Thinking, 3rd. ed., New York: Rantam Books.
Roderick, R. (2005), Habermas and Foundations of Critical Theory, 3 . ed., New York: Martins Press.
Theodor, A. and Others (2001), The Authoritarian Personality, 5th ed., London: Norton lib Co.
William, E. D. (2009), Globalization, Philosophy and Education, U.K.: Edward Elgar Publishing Limited.