الفلسفة المعاصرة النشأة والتطور


نشأة وتطور الفلسفة المعاصرة للكاتب :د/ بن سليمان الصادقأستاذ الفلسفة بقسم العلوم الإنسانيةجامعة الجلفة

  • الصلة بالفلسفات السابقة : 

الواقع أن الفكر الفلسفي الأوروبي المعاصر ليس مقطوع الصلة بالفلسفات السابقة التي عرفتها أوروبا في العصر الحديث. بل إن كثيرا من الأفكار الجديدة كانت مجرد تطوير لأفكار سابقة، ولا يقلل هذا من أصالتها وقيمتها المعرفية. ولعل هذا يتأكد من خلال طبيعة الفكر الفلسفي ذاته الذي يتميز بالاتصال والحركة الدائمة التي يتلون بها كل عصر، ويعبر عنها كل فيلسوف.

 فالفلسفة خلق متواصل، وعمل دءوب تطبعه سمات التعايش والتناقض. فلا شيء إذن ثابت، حتى وإن أراد بعض الفلاسفة إيهامنا بعكس ذلك. 


فالتغير والصيرورة يمس الأحداث والظواهر والإنسان، وبالتالي يصعب البحث عن أصل واحد أو بداية واحدة، وهو ما دافع عنه «جيل دولوز» في كتاباته (1).
 وعلى ذلك وجب تقديم نظرة ملمة عن الفلسفات السابقة من أجل فهم الفلسفات اللاحقة.

  • الثورة علي المنطق الارسطي وأثره علي الفلسفة المعاصرة : 

لقد نشأت الفلسفة الأوروبية الحديثة على أنقاض الفكر المدرسي الذي ساد في العصر الوسيط، والذي اعتمد في منهجه على المنطق الأرسطي الذي يقوم على الأخذ بطريقة التحليل المنطقي المفصل للمشكلات الجزئية، وفي موضوعاته على مركزية الإله. وطالما أن الوحي المسيحي لا يعلمنا إلا تلك الحقائق الضرورية للخلاص فإن أثره لا يمكن أن يمتد إلا إلى تلك الأجزاء من الفلسفة التي تتعلق بوجود الله وطبيعته، وأصل وطبيعة الروح ومصيرها (2). 

ومعنى هذا أن نشوء الفلسفة الحديثة ارتبط بتغيير مركز البحث والاهتمام المعرفي من الله وكل ما هو متعالي عن الطبيعة إلى الاهتمام بالحياة الدنيوية، أي البحث عن منهج جديد يمثل «الأداة الضرورية والأساس لكل العلوم والفلسفة» (3).

  •  التفسير الميكانيكي والاعتماد علي الإتجاه الذاتي :

 وقد عارضت الفلسفة الحديثة هذه القضايا، واتجهت إلى القول بالتفسير الميكانيكي للطبيعة، وبالاتجاه الذاتي الذي يجعل من الإنسان كائنا مستقلا إلى حد بعيد عن الإله. ونبذت المنطق الصوري باحثة عن منهج علمي يمكنها من توفير أساليب أكثر ملائمة لحل مشاكل الطبيعة والإنسان على السواء.

  • ديكارت والتحول المنهجي : 

 وكان لديكارت -DE CARTES (1650- 1596) الحظ الأوفر في إحداث هذه الثورة الفكرية لأنه كان يقول بالمذهب الميكانيكي، ويقر بضرورة تفسير كل حدث عن طريق قوانين ميكانيكية حسابية.
واعتمد أيضا على الاتجاه الذاتي من خلال تأكيده للفكر كنقطة انطلاق أساسية للفلسفة. وكان خصما للمنطق الأرسطي، معتقدا في الوقت ذاته أن تطبيق طرائق العلوم الرياضية في دراسة الطبيعة في مختلف مجالات المعرفة هو السبيل الأمثل للمعرفة الصحيحة واليقينية.

 وكان يعتقد أن المنهج الذي أحرز كل النجاحات في العلوم الرياضية يمكن أن يمتد إلى ميادين أخرى، باحثا عن نفس اليقين الموجود في الرياضيات. وهكذا فإن الفلسفة الديكارتية تؤكد الأفكار بوصفها نقاط البداية التي لا يتطرق إليها الشك. وكان لذلك تأثيره على الفلسفة الأوروبية منذ ذلك الحين سواء في اتجاهها العقلي أو في اتجاهها التجريبي.

  • ظهور المذهب التجريبي الإنجليزي : 

كما ظهرت التجريبية الإنجليزية التي قبل فلاسفتها المذهب الميكانيكي، لكنهم بدءوا في توسيع تطبيقه ليشمل العقل نفسه، وقالوا أيضا بالاتجاه الذاتي الذي يظهر خاصة مع «هيوم» D.HUME (1776-1711)، الذي يعتبر العقل حزمة من الصور المتتابعة التي يسميها الإدراكات،

 والتي تعرف على نحو مباشر عن طريق الاستبطان والقوانين الكلية التي ترتبط بينها في الأخير أساسها العادة والاعتقاد. ثم جاء كانط KANT (1804-1724) الذي أخذ هو الآخر بالمذهب الميكانيكي في تفسير العالم التجريبي وأحداثه، والذي تحكمه قوانين الرياضيات والعلوم الطبيعية. معتبرا العقل هو المنبع الأساسي لهذه القوانين رغم أنه هو نفسه لا يخضع لها. ويؤكد كانط أن معرفة الشيء في ذاته غير ممكنة ما دامت المعرفة تنحصر في الحدس الحسي، وبدون الإحساسات تبقى مقولات العقل فارغة. 


ولذلك بقيت كثيرا من مشكلات الوجود والحياة الإنسانية دون حل كخلود النفس والله والحرية.


 وهي المشكلات الفلسفية الكبرى التي يجد لها كانط حلا باعتبارها مسلمات للإرادة، ولا قدرة للأدوات العقلية على حلها.
 وخلاصة موقفه أنه يصعب قيام ميتافيزيقا على العقل يقول كانط: «أما فيما يتعلق بالميتافيزيقا فإنها قلما حققت تقدما حتى الآن، ولا يمكن القول عن أي ميتافيزيقا عرضت حتى الآن، أنها متحققة من حيث غايتها الجوهرية مما يسمح لكل واحد أن يشك بقوة في إمكانها» (4). ويضيف بعد ذلك «والأفكار من دون مضمون فارغة، والحدوس من دون أفاهيم عمياء» (5).

 بل إنه يصعب التفكير في موضوع من دون مقولات، بل يتعسر معرفة أي موضوع من دون الحدوس التي تناسب تلك الأفاهيم (6). 

  • ظهور الإتجاه المثالي والإتجاه الوضعي : 

وبهذا لم يترك كانط أمام المعرفة سوى طريقين: إما أن يتم إدراك العالم الخارجي بمناهج العلم وحينها تنحصر الفلسفة في جمع وتركيب النتائج المتحصل عليها من العلوم المختلفة، وإما أن تتم دراسة الخطوات التي تشكل الواقع بدء من مبادئ العقل المنظمة. 

ولعل هذا ما أظهر المذهب الوضعي والمذهب المادي من جهة والمذهب المثالي من جهة أخرى. حيث وجه الأول اهتمامه إلى نتائج العلوم والثاني سعى إلى تكوين مذاهب فلسفية من خلالها يتم تفسير العالم على أنه نتاج لحركة الفكر.

 وعلى ذلك كان القرن التاسع عشر عصر ظهور مذاهب فلسفية شامخة مالت كثيرا إلى التركيب كمذهب «فشته» fichte (1814 – 1762) و «شلنج» وخاصة «هيجل» Hegel (1831 – 1770) الذي يتصور الحقيقة على أنها نمو جدلي للعقل المطلق الذي يضل ذائما إلى تركيبات جديدة ابتداء من مفهومي القضية ونقيض القضية يقول هيجل “والكلام عن فلسفات جديدة معناه أنها هي الدرجات الضرورية لنمو العقل الذي صار واعيا لذات” (7).

 ويضيف قائل “…لأن الفلسفة هي الروح الذي يفكر في التاريخ الكلي الكوني، إنه روح حر خارج كل خصوصية” (8).


أما الفلسفة الوضعية التي أسسها في فرنسا أوجست كونت A.COMTE (1857- 1798) فقد مالت إلى الاعتقاد بضرورة انحصار الفلسفة في الاستفادة من نتائج العلوم .

 وما زاد من قوة هذا المذهب الوضعي والمذهب المادي هو ظهور نظرية داروين Charles Robert Darwin (1882/ 1809) التي فسر من خلالها تطور أنواع الكائنات الحية تفسيرا ميكانيكيا محضا. يقول داروين «فإننا نجد أن كل جزء تقريبا من كل كائن عضوي هو مرتبط بشكل جميل مع الظروف المعقدة الخاصة بحياته إلى درجة أنه يبدو من المستحيل أن يكون أي جزء جسدي قد تم إنتاجه فجأة بشكل مكتمل، وهذا مثل الآلة المعقدة التركيب التي قد يتم للإنسان اختراعها في حالة مكتملة» (9).

فمن المحتم أن يحدث تعاقب لمعركة من خلال معركة بصورة مستمرة مع اختلافات في فرص النجاح. وبالرغم من ذلك وعلى المدى البعيد فإن القوى تتوازن على نحو متسق حتى يبقى وجه الطبيعة منتظما لفترات طويلة من الزمن (10).

 ويضيف قائلا: «والنتيجة النهائية أن كل الكائنات يميل إلى أن يصبح أكثر فأكثر تحسنا بالنسبة إلى ظروفه، وهذا التحسن يقود بالضرورة إلى التقدم التدريجي في التعضية الخاصة بالعدد الأكبر من الكائنات الحية في جميع أنحاء العالم» (11)

  • استقرار فكرة التطور علي أساس علمي وظهور المذهب الاعقلي :


وهكذا استقرت فكرة التطور على أساس علمي، وصارت مذهبا شاملا عاما سيجد من يعتنقه مثل «هنري هكسلي» (1895- 1825) و «هربرت سبنسر» (1903- 1830). وظهر اتجاه فلسفي آخر «لاعقلي» يمثله «شوبنهور»Arthur Schopenhauer (1860- 1788) و «كيركغارد» Sren Kierkegaard (1855- 1813) و«نتشه» Friedrich Nietzsche (1900- 1844). 

فقد بدأ شوبنهور تيارا جديدا قويا قضى على سيادة العقل، وجعل للإرادة السيادة في الحياة النفسية وفي الوجود كله بوجه عام. 
فلم يعد الوجود تطورا للفكرة المطلقة كما هو الحال عند «هيجل»، ولم يعد ينظر إلى الوجود على أنه يسير وفق قوانين صارمة تتحدد بالعقل. 
وهذا الاتجاه بلغ أعلى صورته من إنكاره للعقل عند «نتشه» الذي يعلن أولوية الاندفاع الحيوي على العقل، ويطالب بمراجعة كل القيم. فالأخلاق الموجودة تعبر عن الانحطاط والهلاك (12).

 لأنها تقوم على إنكار الحياة وتتجه إلى الإطلاقية بطريقة مثيرة للشفقة، بل إنها تسيء إلى الإنسان الذي يعتبره نتشه مرضا على حد تعبير جيل دولوز. 

يقول نتشه: «لقد كان العقل فيما مضى يتعشق كلمة الواجب كأنها أقدس حق له، وقد أصبح عليه الآن أن يجد حتى في هذا الحق المفدى ما يحدو به إلى التعسف والتوهم، ليتمكن بإرهاق عشقه أن يستولي على حريته» (13). 

وما يمكن ملاحظته بشكل عام أن معظم الفلاسفة بدأ ينحاز إلى جانب الموقف الميكانيكي.


  • المصادر :

  • 1) جيل دولوز – فليكس غتاري. ما هي الفلسفة. ترجمة مطاع صفدي. مركز الإنماء القومي. ط1 1997، ص 124-122.
  • 2) ايتين جلسون. روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. مكتبة مدبولي القاهرة ط3، 1996. ص71.
  • 3) cousin (victor). Cours of the history of philosophy .v.II, Translated by; O.W. Wight, vol.II, (new,york; D.Appleton & Company, 200, Broadway, M,D,c ccLII). p 79  
  • 4) كانط. نقد العقل المحض. ترجمة وتقديم موسى وهبه، مركز الإنماء القومي، لبنان 1988. ص 53
  • 5) المصدر نفسه. ص 75
  • 6) المصدر نفسه. ص 113
  • 7) هيجل. محاضرات في تاريخ فلسفة. ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ط1 1986. ص 109.
  • 8) المصدر نفسه. ص 110
  • 9) تشالرلس داروين. أصل الأنواع. ترجمة مجدي محمود المليجي، تقديم سمسر حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة
  •  القاهرة ط1، 2004. ص 111
  • 10) المصدر نفسه. ص150
  • 11) تشارلس دارون. أصل الأنواع. مرجع سابق. ص 215
  • 12) نيتشه. أفول الأصنام. ترجمة حسان أبورقية، محمد الناجي، افريقيا الشرق ط1 1996. ص 41